الرئيسية / صفحات مميزة / سؤال “الفيدرالية” في سورية –مقالات مختارة-

سؤال “الفيدرالية” في سورية –مقالات مختارة-

 

 

 

حُلم الفيدرالية الكردي تنقضه وقائع الجغرافيا في سورية وديموغرافيتها

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

تزامنًا مع تصريحات روسية وأميركية ملتبسة، بإمكان إقامة دولة فيدرالية (اتحادية) في سورية، واستفادةً من حال الإنهاك التي أصابت أطراف الصراع السوريين، أعلنت قوىً سياسية كردية، في مقدّمتها حزب الاتحاد الديمقراطي “الكردي”، في اجتماع عُقد في مدينة الرميلان، في محافظة الحسكة، في 17 مارس/ آذار 2016، قيامَ “الاتحاد الفدرالي” بين ما سُمِّيَ أقاليم “روج آفا” (غرب كردستان) و”أقاليم شمال سورية”. وانتخب المجتمعون لجنةً من 31 شخصاً لوضع أُسس “الفيدرالية” خلال ستة أشهر في مؤتمر تأسيسي، يُعقد من أجل تصديقها. وأعلن زعيم الاتحاد الديمقراطي، صالح مسلم، أنّ الكيان الفيدرالي المذكور لن يقوم على أساس جغرافي، بل على أساس ديموغرافي (إثني). ويغطي الإقليم المنشود نحو 10% من أراضي سورية وثلاثة أرباع حدودها مع تركيا، وتسيطر عليه فعليّاً مجموعات تابعة للاتحاد الديمقراطي.

الطريق إلى الفيدرالية

مع انطلاق الثورة السورية واتساع نطاقها، انضمّ جزء من الأكراد السوريين إلى الثورة وهيئات المعارضة، في حين انصرف جزء آخر إلى استغلال الوضع، خدمةً لأجندات مختلفة. فقد أعلن الاتحاد الديمقراطي، وهو حزب يساري – قومي متطرف أُسِّس عام 2003، ليكون بمنزلة فرع سوري لحزب العمال الكردستاني (PKK)، إنشاءَ “مجلس شعب غرب كردستان”، في 16 ديسمبر/ كانون أول 2011، وشرع في بناء جسم أمني وعسكري تضمّن “وحدات حماية الشعب” وجهاز شرطة (الأسايش)، فضلاً عن وحدات حماية المرأة. ويبلغ عدد هذه القوات مجتمعةً، في الوقت الراهن، نحو 50 ألف مقاتل. وقد سمح تشكيل هذه الأذرع الأمنية والعسكرية للحزب ببسط سيطرته على المناطق التي أخلاها النظام في أقصى شمال شرق سورية، ابتداءً من عام 2012.

استغل الحزب حالة الفراغ الناشئة عن انسحاب النظام، وأعلن في نوفمبر/ تشرين ثاني 2013، إنشاءَ مناطق إدارة ذاتية في ثلاث مناطق هي: الجزيرة في أقصى شمال شرق البلاد، وعين العرب شمالاً، وعفرين في الشمال الغربي. وأقام في كلّ منها مجالس تحاكي الوزارات وقوّةً شرطيةً، في خطوةٍ أثارت شكوكاً كثيرةً في الهدف النهائي الذي يسعى إليه أكراد حزب الاتحاد الديمقراطي.

وبعد صعود تنظيم الدولة وتمدّده بين الموصل والرقة، لفت الأكراد انتباه الولايات المتحدة

“حزب الاتحاد الديمقراطي نجح، نتيجةً لسيطرته على بلدة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي الغربي، في تحقيق وصلٍ جغرافي بين كانتوني الجزيرة وعين العرب” الأميركية التي قرّرت استخدامهم في مواجهة تنظيم الدولة، وأوجدت لهم دعماً كبيراً مكّنهم من الصمود في معركة عين العرب، طوال أكثر من ثلاثة أشهر، ومن دحْر التنظيم بعيدًا عن المدينة في مطلع عام 2015. ومنذ ذلك الوقت، تحوّل الأكراد إلى طرفٍ محلّي رئيس في الإستراتيجية الأميركية الخاصة بمواجهة تنظيم الدولة، كما أنهم استفادوا من التدخل العسكري الروسي ضدّ المعارضة السورية في أواخر عام 2015، وسيطروا على مناطق لا يقطنها الأكراد، ولا مزاعم تاريخية لهم فيها؛ في إطار سعيهم إلى تحقيق تواصل جغرافي، يُمكّنهم من إعلان إقليم فيدرالي على أساسٍ جغرافي، أو على أساسٍ ديموغرافي، مثلما أعلن صالح مسلم. ويسعى الاتحاد الديموقراطي، حالياً، إلى بناء قوة عسكرية ضاربة (تصل إلى 100 ألف مقاتل) نتيجة توفر موارد اقتصادية مهمّة؛ وذلك بعد سيطرته على الحقول النفطية في الرميلان، ومعامل غاز في السويدية، ومحالج قطن في ريف الحسكة، إضافةً إلى سهول القمح وتجارة المواشي.

مأزق جغرافية الأكراد السوريين

على خلاف وضعهم في العراق، لا يقطن أكراد سورية منطقةً جغرافيةً محددةً، بل يتوزعون في مناطق واسعة من الجزيرة السورية التي استقطبت، في مطلع القرن الماضي، آلاف اللاجئين الأكراد الفارّين من تركيا، بعد تمرّد الشيخ سعيد بيران عام 1925. وبلغ عدد المُهجّرين الأكراد إلى الجزيرة السورية خلال الفترة 1925 – 1943 نحو 130 ألف نسمة، أنشأوا فيها مجتمعاً محليًّا يختلف جذريًّا عن “بنية المجتمع الكردي السوري التاريخية الشامية، والمندمجة في دورة حياة البلد، مثل الأكراد الأيوبيين في دمشق”. لذلك، اعتمدت الحكومات السورية، في العهد الوطني، سياسة مراقبةٍ حذرةٍ في تسجيل المهاجرين، وقامت حكومة خالد العظم بإحصاء استثنائي في محافظة الحسكة في أكتوبر/ تشرين أول 1962، استند إلى سجلات قيود الأحوال المدنية قبل عام 1945، واشترطت تلك الحكومات أن يكون المواطن مقيماً في سورية منذ ذلك الوقت، فسجّلت 85 ألف مقيم في محافظة الحسكة، وجرّدت 25 ألف نسمةٍ جنسيتَهم. ثمّ ارتفع عددهم، بمرور الوقت وبسبب الزيادة الطبيعية. وقد استقر أغلب أكراد سورية على طول الحدود مع تركيا في ثلاث مناطق متباعدة عن بعضها، هي المرتفعات الشمالية الغربية حول عفرين، وعين العرب في الشمال، والجزيرة في الشمال الشرقي.

ويفصل كانتون الجزيرة، الممتد بين المالكية ورأس العين، برزخ سكاني عربي واسع على

“مع انطلاق الثورة السورية واتساع نطاقها، انضمّ جزء من الأكراد السوريين إليها وإلى هيئات المعارضة، في حين انصرف جزء آخر إلى استغلال الوضع، خدمةً لأجندات مختلفة” امتداد 130 كيلومتراً عن الكانتون الكردي الثاني في عين العرب، تتوسطه مدينة تل أبيض ذات الأغلبية السكانية العربية. في حين يفصل الكانتونين الواقعين إلى الشرق من نهر الفرات شريطٌ من المدن والمناطق العربية الممتدة غرباً حتى شمال حلب، وصولاً إلى الكانتون الثالث في عفرين. ويضيق القوميون الأكراد ذرعاً بتناثر مناطق إقامة الأكراد السوريين، وتوزُّعهم في ثلاث مناطق على امتداد نحو 800 كيلومتر على الحدود مع تركيا، ضمن عمقٍ ضحلٍ، لا يتجاوز أحيانًا 3 كيلومترات. غير أنّ التصوّر الرئيس لحزب الاتحاد الديمقراطي، وقوى قومية كردية أخرى، يؤكّد ضرورة أن يكون هناك تواصل جغرافي بين المناطق الكردية. وقد بدأ القوميون الأكراد يتداولون مصطلح “روج آفا” (أي كردستان الغربية) أخيراً للدلالة على مناطق سيطرة الأكراد السوريين؛ في محاولة للالتفاف على وجود الأغلبية العربية بين مناطقهم، بوصفها جزءًا من “كردستان الكبرى”، علماً أنّ مصطلح “كردستان الغربية” لم يَرد له ذكرٌ في أرشيف الحركة القومية الكردية، قبل أن يبدأ “الاتحاد الديمقراطي” استخدامه في الفترة 2003 – 2004.

أوجدت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للقوى الكردية المغالية فرصةً على غاية من الأهمّية؛ وذلك في ما يتعلّق بتطلعاتها القومية لتحقيق التواصل الجغرافي المنشود بين كانتونات الإدارة الذاتية شرق نهر الفرات. فقد بذلت “قوات حماية الشعب” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي ما في وسعها للسيطرة على مدينة تل أبيض، لتجاوز الوجود العربي الذي يفصل بين كانتوني الجزيرة وعين العرب، وشرع الحزب منذ سيطرته على المدينة، في منتصف عام 2015، في إنشاء مؤسسات إدارة محلّية فيها؛ مثل بيت الشعب، وقوات الأسايش، مقدّمةً لوضعها في قلب الإدارة الكردية، على الرغم من أنّ تل أبيض لم تظهر في الخرائط الكردية إلا أخيراً، إذ ظهرت، أوّل مرة، في خريطة نوري بريمو أحد قادة حزب الاتحاد الديمقراطي. وقد شملت هذه الخريطة كامل الشريط الشمالي لسورية، الممتد بمحاذاة الحدود التركية من المالكية شرقاً، حتى لواء إسكندرون غرباً (محافظة هاتاي التركية).

أمّا غرب الفرات، فقد حاولت “قوات سوريا الديمقراطية” التي جرى تشكيلها واجهة للتمويه على هويتها الكردية القومية بالتحالف مع عشائر عربية صغيرة، والتي تشكّل وحدات حماية الشعب عماد قوّتها، حاولت الاستفادة من التدخل العسكري الروسي الذي استهدف هزيمة قوات المعارضة السورية في ريف حلب الشمالي؛ وذلك بالتقدم شرقًا من عفرين والتمدد للاتصال بكانتون عين العرب الواقع شرق النهر، إلا أنّ هذا المخطط الطموح الذي يتطلب تنفيذه السيطرة على المنطقة الممتدة بين إعزاز وجرابلس تحول دونه عوائق عديدة، أهمها المعارضة التركية الشديدة، ووجود تنظيم الدولة، فضلاً عن أنّه يتطلّب سيطرة القوات الكردية على كامل الحدود الشمالية لسورية التي تشمل مدناً كبيرة يسكنها العرب؛ على غرار جرابلس ومنبج والباب ومسكنة ودير حافر، والسيطرة على مدن إعزاز وتل رفعت ومارع وأريافها في ريف حلب الشمالي، وهي معاقل مهمّة لقوات المعارضة السورية.

خاتمة

لا شك في أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي نجح، نتيجةً لسيطرته على بلدة تل أبيض في ريف

“لا يقطن أكراد سورية منطقةً جغرافيةً محددةً، بل يتوزعون في مناطق واسعة من الجزيرة السورية التي استقطبت، في مطلع القرن الماضي، آلاف اللاجئين الأكراد الفارّين من تركيا” الرقة الشمالي الغربي، في تحقيق وصلٍ جغرافي بين كانتوني الجزيرة وعين العرب، وسوف يجهد مستقبلاً في وصل هاذين الكانتونين بكانتون عفرين شمال حلب، عندما يتراءى له أنّ الأوضاع الميدانية والسياسية مواتية، خصوصاً في ظلّ حُظوته بدعم مشترك روسي – أميركي، شجّعه على إعلان الفيدرالية من جانبٍ واحدٍ.

وإذْ يحاول الحزب استغلال الأوضاع الصعبة التي تمرّ بها سورية، وسط التدافعات الإقليمية والدولية؛ لتحويل مطالب الأكراد السوريين من مطالب خاصة بحقوقهم الديمقراطية الثقافية والإدارية التي لا يختلف أكثر السوريون عليها اليوم، وخصوصًا أنّ الظلم وقع على الجميع في عهد النظام الزائل، إلى مطالب فيدرالية قد تكون مقدّمة للتقسيم، فإنّ عليه أن يتجاوز مسألتين أساسيتين؛ أولاهما التعامل مع الوجود الديموغرافي العربي الكثيف في الخريطة الكردية المنشودة، وتبدو هذه المهمّة لنا صعبة التحقيق، زيادةً على تكلفتها التي قد تكون متمثّلة بمواصلة التطهير الإثني ضدّ العرب. وثانيتهما مرتبطة بمعارضة أكثر السوريين أيّ محاولات لتقسيم بلادهم، ما يعني أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي، والقوى القومية الكردية التي تلفّ لفّه، بصدد تقديم وصفةٍ لصراع عربي كردي طويل، لن تكون الأزمة الحالية، من دون شكّ، سقفَه الزمني. وإذا أضفنا إلى ذلك وجود معارضة إقليمية قوية لأيّ مشروع انفصالي كردي، فضلاً عن معارضة مختلف الأطراف السورية له، فإنّ أمل نجاح هذا المشروع يغدو ضئيلاً، حتى لو توفرت له إمكانات الدعم الدولي (روسي- أميركي) وأيدته معادلات القوة القائمة حاليًّا؛ لأنّ الجغرافيا هي الأمر الثابت الوحيد في السياسة، في حين أنّ القوة متغيرة.

كانت نقطة الضعف الكردية، منذ بداية القرن، متمثّلةً باستغلالها من جهة قوىً دولية في صراعاتها في الشرق الأوسط، قبل التخلي عنها عند أول منعطف. ولذلك، ينبغي عدم الاعتماد على ذلك اللقاء الأميركي – الروسي في دعم حزب قومي كردي متطرّف لمحاربة داعش. وفي المقابل، تكون المواطنة الديمقراطية الضامنة لحقوق العرب والأكراد في سورية. ولكن، لا يجوز انتقاد الأكثرية العربية بسبب أيديولوجيةٍ قوميةٍ لأحزابٍ حاكمةٍ عاناها العرب وغيرهم، ولا يجوز كذلك الإصرار على صيغةٍ أيديولوجيةٍ متطرفةٍ من جهة القومية الكردية، والتخلّي عن الوطنية السورية. فهذا ممّا لا يصلح أساساً لتعايش عربي – كردي، في إطار مواطنةٍ سوريةٍ ديمقراطية شاملة. وهذه المواطنة هي الخيار الوحيد البديل من حربٍ مستدامةٍ، يخسر فيها الجميع.

العربي الجديد

 

 

 

 

مشروعان متناقضان للفيدرالية في سورية/ ميشيل كيلو

طرحت روسيا خيار الفيدرالية في سورية، بحجة أنه الوحيد الذي ينصف الكرد، ويحفظ وحدة الدولة والمجتمع، وقد ردّ عليها كثيرون برفضٍ غاضب، بحجة أن الفيدرالية تعني التقسيم، وهو مرفوض جملة وتفصيلاً.

هل الفيدرالية قدر روسي، وهل تحمل معها حتمية التقسيم؟ أعتقد أن علينا مناقشة الموضوعين بكل مسؤولية، قبل أن نعلن أي موقف منهما، قبولاً أو رفضاً. ليس فقط لأنهما صارا مطروحيْن للتداول الدولي، بل كذلك لأنهما احتمالان جديّان، تتبناهما دولٌ متصارعةٌ تحتل إحداها سورية، وهي روسيا التي يمكن لما تقوله اليوم أن يصير واقعنا غداً. ويتفق خيارها الفيدرالي مع مواقف أوساطٍ سوريةٍ مؤثرة، ترفض العودة إلى ما كان قائماً عندنا من حكم مركزي، لاعتقادها أن نمط حكمه لا يمكن أن يكون إلا استبدادياً، يستعيد ما قامت الثورة للقضاء عليه، ومن الضروري منع قيامه من جديد، بسبب النتائج الكارثية والتفتيتية التي ستترتّب عليه من جهة، ولأن عودته تعني فشل الثورة، وانهيار فرص بناء نظام ديمقراطي بديل له، من جهة أخرى، الأمر الذي يجعل المطالبة بالفيدرالية مسألة احترازية، وخياراً دولياً ومحلياً مطلوباً، يبقي على فرص الخيار الديمقراطي، ويحفظ تآلف الجماعة الوطنية السورية، وإنْ تباينت طرق عيشها وأساليب حكمها وإدارتها.

بدايةً، ليس للفيدرالية نمط وحيد، وثمة اليوم مشروعان يحملان اسمها في سورية، على الرغم مما بينهما وبين حملتهما من تبايناتٍ وتناقضاتٍ نوعية، والمشروعان هما:

مشروع هو جزء من خطط ومصالح ورهانات إقليمية من جهة، وصراعات وتناقضات دولية من جهة أخرى. يرتبط هذا المشروع بمساراتٍ سياسيةٍ لأطراف غير سورية، تعيش خارج سورية، وتعمل لإقامة كيان دولوي عابر للحدود السورية، لا يعبر عن خياراتٍ توافقيةٍ ووطنيةٍ، فهو حمّال مخاطر تفتيتية/ تقسيمية، لا سيما أن حملته ومؤيديه يستخدمون القوة لبلوغه، وأن سياساتهم وممارساتهم تضعف وحدة السوريين، وترفض ثورتهم، وأن دولاً تتلاعب بأقدار بلادنا ومصائرها، كأميركا وروسيا، تدعم القوة التي تعمل لتحقيقه، عبر احتلال مساحاتٍ واسعةٍ من سورية، تزعم أنها “أرض كردستانية”، وأن للكرد الحق في بناء كيان دولوي خاص بهم وحدهم عليها، وفي الانفراد بتقرير مصيرها، بعد تحريرها من مستوطنين غرباء استولوا عليها، من غير الجائز، أو الممكن والمطلوب، أخذ رأيهم في أي شأن يتعلق بها، بما أن المستعمر يرفض حق المستعمرين في التصرّف بأرضهم الوطنية وإقامة دولة لهم عليها، على الرغم من أنها لن تكون دولة انفصالية، كما يتهمها خصومها، وكيف تكون انفصاليةً إذا كانت أرضها غير سورية أو عربية، بل هي أرضٌ مغتصبة يتم اليوم تحريرها، وردّها إلى وضعها الطبيعي، وإلى أصحابها الأصليين الذين طال شوقهم إليها، وانتظارهم استعادتها، حتى لو كان الثمن رفض بقية السوريين، وقطاعات واسعة من الكرد الذين سيعون مستقبلاً ضرورة الكيان الكردي المستقل في “غرب كردستان”، وسيقبلون ما يستخدم من عنف لإقامته، وتطهيره من العرب، على الرغم من أنهم أغلبية سكانه، وأن مدنه التاريخية والكبرى لم تكن يوماً كردية، بل عاشت فيها، وضمن إطارٍ أخوي، جماعات إتنية وثقافية ولغوية متنوعة، منها الكرد.

“الفيدرالية التي يتحدث عنها الروس، ويتوهم صالح مسلم أنه سيفرضها أمراً واقعاً، في تكرار لتجربة الصهاينة في فلسطين، فهي انفصال وتقسيم لن يسمح بهما الشعب السوري”

وهناك فهم (ليس مشروعاً) فيدرالي لا يعني بالضرورة تقسيم سورية، هدفه إعادة تنظيمها سياسياً، وترتيب علاقات مكوناتها الوطنية في إطار جديد يبقي عليها موحدة، وعلى مواطنيها داخل مناطقهم الحالية، من دون أن يفرض عليهم خيارات سياسية تمس بوحدة الدولة أو بحقوقهم في أرضهم ووطنهم، يربط تحقيقه بموافقة السوريين، وبتنظيم علاقات مكونات الجماعة الوطنية السورية على أسس ديمقراطية، تعزّز المجتمع والدولة، ولا تعني إقامة كيان دولوي على أرض قوميةٍ انتزعها العرب، ومن الضروري استعادتها لإقامة دولةٍ كرديةٍ عليها، لا شأن لغيرهم بها، وليس من حقهم معارضتها أو مقاومتها . في هذه النظرة، يتعلق الأمر بحركةٍ كرديةٍ يقتصر مشروعها على نيل حقوق وطنية/ ديمقراطية أساسها المواطنة المتساوية، المحصّنة بإدارة ذاتية موسعة، بالشراكة مع أبناء المناطق التي ستخضع لها. لا يدّعي أصحاب هذا المشروع الذي يؤكدون أنه جزء من المشروع الوطني الديمقراطي السوري العام، أن لهم أرضاً وطنية يستعمرها أغراب، تنتفي حقوقهم القومية والشخصية، إذا لم يقيموا عليها كياناً دولوياً، يفصلها عن سورية. هذا الموقف السياسي الذي يعيد إنتاج حقوق الكرد القومية في حاضنة نظام ديمقراطي، يحدّدها وينميها، يضم ويؤطر السوريين جميعهم، يعتبر انتصار الديمقراطية هدفه، والصراع ضد النظام الاستبدادي معركته، ويقاوم ما يقام حاليا من نظام استبدادي، شرع يضطهد، بلا تمييز وبطرق بعثية، الكرد والعرب والآشوريين والسريان والتركمان الذين يفقدون كل شيء، ويفرون من مناطقه للنجاة بأنفسهم وأسرهم .

تعني فيدرالية المشروع الأول، الإقليمي المركز والدولي المرتكزات، تقسيم سورية الذي تحتمه في رؤية القائمين به اختلافاتٌ قوميةٌ، لا سبيل إلى جسرها أو تعايش المنخرطين فيها على أرض وطنيةٍ واحدة. بينما تعني “فيدرالية” المشروع الثاني احترام وحدة المجتمع وسيادة الدولة، والتوافق على علاقة وطنية/ ديمقراطية تستجيب للخصوصية الكردية التي سيعاد إنتاجها لأول مرة في حاضنةٍ ديمقراطيةٍ تستند إلى المواطنة، وما تتيحه من حقوقٍ قومية، ديمقراطية في شكلها ومضمونها، ينالها الكرد بصفتهم مواطنين سوريين حرموا من حقوق تساويهم بغيرهم، تعطيهم الحق في بلوغ أي موقع في الدولة، بمعايير الكفاءة والاختيار، وفي التمتع بحقوقٍ ثقافيةٍ/ لغوية، وإدارية، وسياسية، واقتصادية، تنمي خصوصيتهم القومية، على أرضية تنوع يثري وحدة الشعب الوطنية ويعزّزها، تحكمه طرق تفاعلية/ تكاملية، يشقها أبناء كل قومية على أرضية قيم موحدة ناظمة لوجودهم الوطني المشترك، ولقواسمه الجامعة.

وتعني فيدرالية المشروع الأول أيضاً تأسيس حالة عداء بين السوريين، حمالة حروب ودم، ستزج بالعرب والكرد في مواجهةٍ ترفضها أغلبيتهم، لأنها ستلغي عيشاً مشتركاً جمعهم، طوال قرون في السراء والضراء، عرفوا خلاله معنى الأخوة والوطنية الجامعة، مع بروز دور الكرد في بناء الدولة السورية الحديثة، التي بلغ كثيرون منهم أرفع مناصبها القيادية، السياسية والعسكرية، وحموها من أعداء الخارج ومستبدي الداخل، وناضلوا، من دون كلل أو ملل، من أجل حقوق جميع السوريين. بتاريخهم هذا، لن تكون الديمقراطية والإدارة الذاتية التي قد يرغبون بها منّةً من أحد، بل هي حق لهم، لن يعترض عليها بقية مواطنيهم أو يشكون في مراميها وأهدافها، مثلما يشكّون بمرامي الانفصاليين وأهدافهم، وهم الذين يضعون الفيدرالية في مواجهة الديمقراطية، ويرون في حرب النظام الأسدي ضدها فرصتهم لإقامة نظام استبدادي في منطقة حسّاسة سياسياً وديمغرافياً، حيث لا يتركون سانحةً إلا واستغلوها، لتحريض العرب والكرد بعضهم ضد بعض، ولقمع أي مواطن كردي يتبنى مواقف تخالف موقفهم العنصري/ الاستبدادي حتى حيال من يرفضون من الكرد مشروعهم، ويتمسّكون بسوريتهم، ويرون مشكلتهم في تحقيق المواطنة ونيل حقوقها، وليس في بناء دولة انفصالية على أرض “كردستانية” سرقت وتم تحريرها، يتخلى عنها كرد الحركة الديمقراطية، لأنهم خونة.

لا تعني الفيدرالية في المشروع الوطني الديمقراطي الكردي قيام كيانين دولويين مختلفين ومتعاديين، أحدهما قومي/ عنصري والآخر ديمقراطي، ينهض أحدهما إلى جانب الآخر وضده، يقوّض العمل من أجل إقامة الأول منهما فرص قيام سورية الديمقراطية وبنائها، ويقوّي النظام الأسدي، ويخدم أهداف أميركا وروسيا، فواشنطن تريد استهلاك الكرد في حربها ضد “داعش”، وموسكو تريد استخدامهم في صراعها مع أنقرة. وفي الحالتين، لأن الكبار يلعبون بالصغار، الذين قد تبلغ قلة العقل بهم حدّاً يتوهمون معه أنهم صاروا لاعبين أصلاء، وأن ألاعيبهم نهائية وغير قابلة للارتداد، بينما يعلم عقلاء الكرد أن فيدرالية هؤلاء تواجه احتمالين: أن يسحب محرّكوها الخارجيون أيديهم منها، ويتركوها وحيدة فتنهار، أو تنخرط في حربٍ بلا نهاية ضد شعبٍ كردُه جزء منه، سرعان ما تتحول إلى حربٍ عربية/ كردية واسعة ومدمرة، يصعب أن يفيد منها أحد.

“لن ينجح الحكم الذاتي الموسع للكرد أو للعلويين والدروز والتركمان وغيرهم، إذا قام خارج إطار المشروع الديمقراطي العام”

لن ينجح الحكم الذاتي الموسع للكرد أو للعلويين والدروز والتركمان وغيرهم، إذا قام خارج إطار المشروع الديمقراطي العام الذي يعتبر وحدة الحركات الديمقراطية شرط تحقيقه وبقائه. أما الفيدرالية التي يتحدث عنها الروس، ويتوهم صالح مسلم أنه سيفرضها أمراً واقعاً، في تكرار لتجربة الصهاينة في فلسطين، فهي انفصال وتقسيم لن يسمح بهما الشعب السوري، بعربه وكرده الذين لا يُعقل أن يسمحوا لأي كان بسرقة ثورةٍ ضحوا بالغالي والنفيس من أجل انتصارها، وأعلنت جموعهم في مظاهرات ما بعد الهدنة تمسكهم بها، وأن يقبلوا تحويلها إلى أداة تمزق سورية وتقسمها، تنفيذاً لمشروع استبدادي/ عنصري تابع، ثار الكرد، قبل العرب، للتخلص من نموذجه البعثي، ولتأسيس حياةٍ وطنيةٍ حرةٍ، عادلةٍ وكريمةٍ، تقوم على أنقاضه، ويستبعد جداً قبولهم ما يدبره صالح مسلم وأضرابه لهم من كوارث، لا تبقي ولا تذر.

هناك فيدرالية هي مشروع إقليمي تقسيمي يعني الحرب. وهناك حقوق ديمقراطية وحريات تفتح الباب واسعاً أمام تفاهم سوري، متبادل وأخوي، حول مستقبل النظام وشكل الدولة وأدوار مكونات الجماعة الوطنية السورية المستقبلي فيهما. هذا الخيار بين الحرب والحرية ليس، ولا يجوز، أن يكون صعباً، في بلاد ستكون، أول مرة في تاريخها، ملك شعبها، بانتماءاته وقومياته وأديانه المتنوعة، الذي تقول ثورته إنه يعرف تماماً ما يريد، وكيف يحمي وطنه.

العربي الجديد

 

 

 

 

كرد سورية والفيدرالية/ خورشيد دلي

على وقع الدعوة التي أطلقها سيرغي ريفكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، بشأن إمكانية قيام دولة فيدرالية في سورية، سارع كرد سوريون إلى إعلان إقليم اتحادي فيدرالي، بعد نحو ثلاث سنوات من إعلانهم الإدارة الذاتية في ثلاثة كانتونات: عفرين، الجزيرة، كوباني – عين العرب، وذلك في مؤتمر عقد في مدينة رميلان، بمشاركة نحو 40 حزباً ومنظمة، بينها ممثلون عن العرب والتركمان والمسيحيين. وقد أثار الإعلان ردود فعل، اتسمت معظمها بالرفض، سواء من المعارضة والنظام، أو الأطراف الإقليمية والدولية، ولا سيما تركيا التي ترى أنها ستكون المتضرّر الأكبر من إقليمٍ كهذا على حدودها الجنوبية، على الرغم من أنها قبلت مع إيران بالفيدرالية في العراق أمراً واقعاً بعد احتلاله عام 2003.

لعل مصدر الجدل الكبير بشأن الفيدرالية في منطقتنا، هو اختلاف الرؤية بشأنها، نظاماً ومفهوماً وطبيعة، فالفيدرالية بالنسبة لمنطقتنا تبدو فكرة غريبة وغربية، حيث ينظر كثيرون إليها مدخلاً أميركياً – إسرائيلياً لتقسيم المنطقة وتفتيتها، فيما يرى مؤيدوها أن ثمة جهلاً بالفيدرالية مفهوماً وإدارةً وأسلوب حكم وتنمية وحلاً للمشكلات القومية والإدارية في دول متعددة القوميات والطوائف، ويضيف هؤلاء إن الفيدرالية لا تعني التقسيم، بقدر ما تعني الوحدة على أسس جديدة، بل بنظرهم باتت أفضل طريقةٍ للحفاظ على الوحدة الجغرافية للدول، بعد أن قطعت الأقاليم شوطاً كبيراً على طريق الانفصال عن المركز. وعليه، يتساءل هؤلاء عن أسباب رفض الفيدرالية والنظر إليها تقسيماً لا أكثر، من دون النظر إلى فوائدها، خصوصاً أن تجارب الحكم المركزي في العالم العربي ساهمت في إنتاج الاستبداد وحكم الحزب الواحد والديكتاتورية.

الغريب في طرح الفيدرالية في سورية أنه لم يأت من واشنطن، وإنما من موسكو التي هي حليفة النظام السوري، ولعل هذا ما يثير الغرابة أولاً، وأسئلةً كثيرة ثانيا. وفي الحالتين، ثمة قناعة عميقة بأن هناك اتفاقاً سرياً بين الجانبين، الأميركي والروسي، بشأن طرح الفيدرالية نظاماً للحكم، خصوصاً أن تصريح المسؤول الروسي جاء متناغماً مع التصريحات الأميركية، ولاسيما وزير الخارجية، جون كيري، عن احتمال تقسيم سورية، ومباحثات التسوية في جنيف 3، والبحث عن صيغةٍ لمرحلةٍ انتقالية.

“الفيدرالية بالنسبة لمنطقتنا تبدو فكرة غريبة وغربية، حيث ينظر كثيرون إليها مدخلاً أميركياً – إسرائيلياً لتقسيم المنطقة وتفتيتها”

وعليه، يمكن القول إن توقيت إعلان الكرد الفيدرالية مدروسٌ لجهة الظروف والمواقف والتطورات الميدانية على الأرض، إذ سبق أن طرحت أحزاب كردية، ولا سيما المنضوية في الائتلاف الوطني السوري المعارض، الفيدرالية من دون الإعلان عنها، فيما كان وقتها يرفض حزب الاتحاد الديمقراطي الفيدرالية، ويتبنى فكرة الإدارة الذاتية، وسط جدلٍ بشأن طبيعة الفيدرالية ومضمونها، بين من يرى أنها ينبغي أن تكون على أساس قومي، كما هو حال الكرد، تعبيراً عن توقهم إلى إقليم قومي، ومن يرى أن الفيدرالية ينبغي أن تكون إداريةً لا أكثر، شكلاً من أشكال الحكم المحلي، بدلا من المركزي، فيما أغلبية القوى السورية المعارضة ترفض الفيدرالية جملة وتفصيلاً، إذ ترى فيها مدخلاً للتفتيت والتقسيم. وعلى الرغم من هذا الرفض، فان مسارعة كرد سورية إلى إعلان الفيدرالية يمكن إعادته إلى سببين. الأول: الموقف الروسي المؤيد خطوات الكرد، خصوصاً بعد فتح ممثليةٍ للإدارة الذاتية الكردية في موسكو، على شكل اعترافٍ مسبقٍ بالفيدرالية، قبل أن تطرح موسكو الفيدرالية، ومن ثم الحديث عنها في مفاوضات حل الأزمة السورية. والثاني: اعتقاد الكرد أن التطورات الميدانية على الأرض جعلت من الفكرة ممكنة، ولاسيما أن الفكرة تبنتها قوات سورية الديمقراطية التي حققت، وتحقق، بدعم غربي وروسي، تقدماً كبيراً على تنظيم داعش في محافظات الحسكة والرقة وحلب، أي مناطق الوجود الكردي في سورية.

بعيداً عن رفض النظام والمعارضة الفيدرالية، فإن الردود الفعلية لرفضها قد تأتي من تركيا وإيران، ما بدا واضحاً في زيارة رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، المفاجئة إلى طهران، في الرابع من مارس/ آذار الجاري، إذ ثمّة من ربط بين توقيت الزيارة وحديث روسيا والكرد عن الفيدرالية في سورية، فالطرح يثير حفيظة البلدين، إذ تبدو هناك قناعة تركية – إيرانية، تتعزّز يوماً بعد آخر، بأن الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا سراً على تقسيم المنطقة، وهو ما يعني، حسب البلدين، إقامة إقليم كردي في شمال شرق سورية، على غرار ما جرى لإقليم كردستان العراق. ومع هذه القناعة، يرى البلدان أنهما سيكونان المتضرّر الأكبر منها، على اعتبار أن في البلدين أكبر كتلة بشرية من الكرد (تركيا قرابة 20 مليون وإيران نحو 8 ملايين). ولا بد لهؤلاء، في النهاية، أن يطالبوا بحقوقٍ مماثلةٍ لأبناء جلدتهم في سورية والعراق، وربما بدولةٍ قوميةٍ مستقلة في قادم الأيام. وعليه، جاءت التصريحات المتطابقة لأوغلو والرئيس حسن روحاني بخصوص وحدة الرؤية لجهة رفض الفيدرالية، بل وجدنا، للمرة الأولى، انتقادات إيرانية علنية لسياسة الحليف الروسي في سورية، فكان روحاني واضحاً في انتقاده الطرح الروسي للفيدرالية، عندما قال إن بلاده تدافع عن وحدة سورية وسيادة الدولة على كامل أراضيها، وما نقل عنه إن القيادة الإيرانية أبلغت روسيا أن سيادة بلدان المنطقة على أراضيها مبدأ يحظى بتأكيد طهران، في العراق وسورية، ولعل مثل هذا الموقف يشكل هاجس تركيا الأول، بعد أن أفرزت التطورات في العراق وسورية عن كيانين كرديين على حدودها الجنوبية، في وقت تشتد المواجهات مع حزب العمال الكردستاني في الداخل.

العربي الجديد

 

 

 

الفيدرالية واللامركزية في سورية الجديدة/ برهان غليون

ما من شك في أن الحرب الدموية التي دخلت، في مارس/ آذار الجاري، سنتها السادسة، قد عملت على تمزيق النسيج الوطني السوري. بيد أن المفارقة أن مطلب الفيدرالية وخطط التقسيم لم تصدر عن أي طرف من الأطراف السورية المتنازعة، وإنما من الدول الأجنبية، موسكو أولاً ثم واشنطن قبل أن تتراجع عنه. مع العلم أن هذا التمزيق لم يضرب العلاقات بين الجماعات المذهبية والإتنية فقط، وإنما ضرب هذه العلاقات داخل هذه الجماعات أيضاً، وفي مقدمها الأكثرية العربية السنية، إذا كان لا بد من استخدام مصطلحاتٍ أصبحت دارجة، للتغطية على الحقيقة الوطنية السورية المستهدفة. وحتى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يتقدّم الركب، اليوم، في المطالبة بالفيدرالية، لم يتحدّث، حتى فترة قريبة، إلا عن إدارة ذاتية.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نتجاهل أن الميل إلى التقسيم، بعد سنوات الحرب الوحشية الطويلة، وانعدام آفاق الحل الواضحة، أصبح شاغلاً حقيقياً للسوريين. وأن هناك سوريين خاسرين يعتقدون أن التقسيم هو الحل لمشكلاتهم القادمة. وفي المقابل، هناك أغلب السوريين الذين يخشونه، ويعلنون استعدادهم لأي عمل للوقوف ضده. وهناك أيضا دول عديدة تحلم بتحطيم سورية كدولة واعدة، وتلك التي تعتقد أن أسهل الحلول للخروج من الأزمة التي لا تريد أن تتورّط فيها هو في تبني التقسيم الذي ربما يعطي لهم، بالإضافة إلى ذلك، فرصة استعادة الوصاية على الدولة التي بقيت، عقوداً طويلة، مصدر قلاقل، بسبب روح السيادة والنزعة القومية التي ميّزت ثقافة شعبها واختياراته منذ ما قبل الاستقلال.

لكن أكثرية الأطراف، والسوريين خصوصاً، تدرك أن التقسيم لن يقدّم، في أي شكل جاء،  أي حل للمشكلات التي تعاني منها سورية، وكانت وراء ثورتها والمحرقة التي نجمت عنها. ولم يكن مصدر هذه المحرقة أبداً الخلافات بين الطوائف والإتنيات، على الرغم من أشكال التمييز الواضحة التي كانت تمارس ضد هؤلاء وأولئك، وإنما كانت ضد نظامٍ سحق كل حياة سياسية وثقافية وإنسانية جماعية عند السوريين، بكل مذاهبهم ودياناتهم وقومياتهم. ولذلك، هناك اعتقاد عميق في أن تركيز الجهد في هذا الاتجاه لن يساهم في حل أي مشكلة، وإنما بالعكس في إحداث مشكلات جديدة، أولها السماح للمسؤولين عن هذه الكارثة الوطنية والإنسانية، أن يهربوا من مسؤولياتهم، ويحموا أنفسهم وراء الدفاع الكاذب عن الحقوق الخاصة بهذه الجماعة أو تلك.

“لا يهم أن تكون الدولة مركزيةً أم لا مركزية، اتحاديةً أم واحدية. المهم أن تكون دولةً، أي قائمةً على مبادئ المواطنة والعلاقة القانونية، لا على علاقات التبعية والولاء والانتماء المذهبي أو العشائري أو الإتني”

تكريس تمزيق النسيج الوطني ووضع الدولة “المركزية” في مركز الاتهام والتناقض مع الإدارة المحلية للجماعات، أو الحكومات الإقليمية للمناطق، يوجه الأنظار في الاتجاه الخطأ، لأنه لا يضع يده على الجرح الحقيقي الذي لا علاقة له بالدولة، وإنما بالسلطة الاستبدادية والفاسدة التي علقت الدستور، وهمّشت الجميع، وقضت على أي هامشٍ للمشاركة السياسية، واغتالت كل أشكال الإدارة الذاتية. وعدم مركزة نقد المرحلة السابقة على هذه النقطة، وتركيزه على مركزية الدولة فحسب، كما لو أن الدول المركزية لا يمكن إلا أن تكون استبداديةً وهمجية، يمكن أن يُفهم منه أن من الممكن حل المشكلة بأن تأخذ كل طائفةٍ وقوميةٍ حقها في بناء نمط الدولة اللاقانونية نفسها. لكن، على مستواها وفي منطقتها. في هذه الحالة، بدل دولة فاشلة سيكون لدينا دول فاشلة متعددة، تتنازع الجماعات داخلها على السيطرة فيها، وتتنازع الدويلات أيضاً في ما بينها على تعظيم مواردها وتوسيع حدودها على حساب الأخرى.

وهكذا، لن يحلّ تعدد الدويلات الطائفية أزمة الدولة الوطنية المأزومة، لكنه سيضاعفها وسينشرها على اتساع المساحة السورية، لأنه يتجاهل المشكلة الحقيقية التي هي الدولة الدستورية والوطنية، أو المواطنية، لصالح دول أقل دستورية ومواطنة. ولن يخفف هذا الخيار من العنف، لكنه بالعكس، في الظروف التي تعرفها المنطقة، والمواجهات الكامنة فيها بين جميع الأطراف، الداخلية والخارجية، سيدفع إلى تفجير كل العنف المكبوت، والمضبوط نسبيا حتى الآن، على مستوى المنطقة بأكملها، ويعمّم المآسي داخل الدول المنقسمة، وفيما بينها، بسبب الاختلال الكبير في التوازنات الاجتماعية والمذهبية والدولية الذي سيثيره. والسبب:

أولاً، أن الدولة المولودة حديثاً، أي دولة، تحتاج إلى عقود طويلة، قبل أن تجد الجماعات التي تعيش ضمن حدودها توازناتها الداخلية، وتسنّ قاعدةً ثابتةً للتعامل والحياة المشتركة، وعقوداً أخرى، حتى تكتسب دورها وموقعها المعترف به، والمقبول من دول الإقليم. وخلال هذه الفترة، تعيش المجتمعات نزاعاتٍ، وأحياناً حروباً أهلية عنيفة، وكل الدول الوطنية نشأت بعد حروبٍ أجبرت الجميع على وضع قاعدةٍ واضحةٍ وواعيةٍ، للتعامل في ما بينها. وهذا هو وضع سورية، اليوم، التي لم تخرج بعد من الصراعات الداخلية، للوصول إلى توازنٍ يرسو على أساسه تفاهمٌ وطنيٌّ شاملٌ يلتزم بمبادئه جميع الأفراد، يحفظ حقوق كل واحد منهم، ويوفق بين الجماعات المتنافسة، ويقيم حياةً وطنيةً ثابتةً ومستقرة. ولو انقسمت سورية، الآن، سيعني ذلك تحطم نواة البنية الوطنية السورية التي بذل كثير من الجهد والتضحيات لبنائها، قبل أن تقوّضها مطامع نخبةٍ حاكمةٍ جاهلةٍ وفاقدةٍ معنى الوطنية، وسيطلق ديناميات حروبٍ جديدةٍ داخل الأطراف المتباعدة والمتناثرة والمتصارعة على الموارد والسلطة، وسنقضي عقوداً طويلةً إضافيةً في كل جزء منفصل، لإيجاد توازنٍ مستحيل التحقيق. ولأن الوصول إلى مثل هذه التوازنات البنيوية والتفاهمات الوطنية أصعب في البلدان الصغيرة المعرّضة لأن تكون مناطق تجاذب وتنافس بين الدول الإقليمية الكبرى، إنْ لم تضع نفسها تحت وصايتها، ستكون الحرب أشدَّ عنفاً داخل الدول المنقسمة الصغيرة، وفيما بينها وعليها.

“الدولة المولودة حديثاً، أي دولة، تحتاج إلى عقود طويلة، قبل أن تجد الجماعات التي تعيش ضمن حدودها توازناتها الداخلية”

ثانياً، أن التقسيم يشرّع الأبواب واسعةً أمام استخدام الدويلات الصغيرة التي لا حظّ لها في البقاء، بإمكاناتها الذاتية للصراع بين الدول الإقليمية الأكبر على جذبها واستخدامها أدواتٍ في استراتيجيات الهيمنة الإقليمية والدولية المتنازعة. وسيعمل هذا على تفاقم الأزمات، وتنامي النزعات للحروب والاقتتال، داخل الإقليم، بدل تخفيض وتيرتها وتجفيفها، ويزيد، بالتالي، حرمان الشعوب من حقها في التقدم، ويدين المنطقة كلها بالتخلف والتقهقر، أكثر مما أصابها حتى الآن.

لا تستقيم مقارنة الأوضاع عندنا بما حصل في أوروبا الشرقية، فمن جهةٍ، لم يولّد الانقسام في منطقة شرق أوروبا نزاعاتٍ جديدةً، لأنه حصل في منطقةٍ زالت أسباب التنازع على الهيمنة الإقليمية فيها مع زوال الحرب الباردة، ولم يعد هناك سوى التنافس الاقتصادي في ما بينها. بينما تقع المنطقة العربية في بؤرة النزاع على الهيمنة بين الدول الإقليمية المتنافسة والقوى الدولية التي نقلت محور نزاعها من مناطق، مثل أوروبا الشرقية، إلى الشرق الأوسط. ومن جهةٍ ثانية، لم يؤثر التقسيم سلباً على إمكانات التطور والتنمية للدول الصغيرة الجديدة، لكنه فتح آفاقاً أوسع لها، باندراجها في اقتصاد الاتحاد الأوروبي الذي قدم لها، ولمجتمعاتها، فرص نمو استثنائية، ونمّى لدى شبابها اتجاهاتٍ إيجابيةً متمحورةً حول تحسين شروط حياتها، بدل النزاع والاقتتال الدائمين.

ثالثاً، أنه في منطقتنا، حيث توجد مشاريع هيمنة إقليمية معلنة، من إسرائيل إلى إيران إلى تركيا، وتنافس بين الدول الكبرى على النفوذ في إقليمٍ يزخر بالنزاعات غير المحسومة، بما فيها سياسات الطاقة والمسألة اليهودية/ الفلسطينية وغيرها، يقود تقسيم سورية إلى فتح باب مواجهاتٍ استراتيجيةٍ وجيوسياسيةٍ ستحول أراضي جميع الدول المجتزأة إلى ميدان حربٍ دائمة، وسوف يفاقم ذلك من مستويات العنف وأسباب الاقتتال. وربما لن تهدأ الحرب بين الجميع عقوداً طويلة. وسيذهب أبناء الدويلات الصغيرة، مهما كان اسمها، اتحاديةً أم لا، جميعاً كحطب وقود حروب الدول الإقليمية الكبرى المتنافسة.

هذا لا يعني أن من الممكن أن نتجاهل حاجة الجماعات التي خنقتها عقود طويلة من حكم التصحير السياسي والثقافي والإنساني، إلى مصادر لإعادة شحن ذاتها بالأفكار والقيم التي تجعل لحياتها معنى. وهي لا تجد، اليوم، منبعاً لقيم التضامن والتعاون والتفاهم الإنساني، يخرجها من حياة التصحر والجفاف الذي وضعها فيه حكم التعقيم الجماعي، سوى بالعودة إلى الاستثمار في وشائج القربى الدينية أو القومية أو الجغرافية القائمة. وفي هذا البحث عن الذات، وإحياء القيم الإنسانية المرتبطة بها، قيم التعاطف والألفة والتعاون، ينبغي وضع النزوع الكبير اليوم إلى كسر مركزية الدولة التسلطية، والتعلق بإقامة “مواطن” أكثر حميميةً وقرباً من مشاعر الناس وعواطفهم، وبعداً عن الوطنيات الأيديولوجية الفارغة التي لم يكن هدفها سوى التغطية على الاستبداد. ولا ينطبق هذا على الجماعات القومية، إنما أيضاً على الجماعات المحلية المنتمية للدين والمذهب والقومية نفسها. وعلى النظام السياسي والإداري الجديد القادم أن يلبي هذه الحاجة، ويقدم للجماعات وسائل إرضائها في صيغةٍ من اللامركزية الواسعة التي تضمن للأفراد أن يعيدوا امتلاك شروط وجودهم في البيئة القريبة، ويساهموا في إدارة شؤونهم وتسييرها. وسيكون ذلك في مصلحة تعميق المشاركة في الحياة الجماعية الوطنية، وتعزيز فرص التنمية الاجتماعية والإنسانية معاً. ولذلك، كرّست وثيقة “العهد الوطني لسورية الجديدة” الذي أصدره المجلس الوطني السوري منذ تأسيسه عام 2011 مفهوم اللامركزية الواسعة، قبل أن تطرح اليوم مسألة الفيدرالية بعد خمس سنوات.

“ربح معركة السلام والاستقرار الدائمين، وفي إثرها معركة الكرامة والحرية والتفاهم بين الأفراد والجماعات، يحتاج إلى ضمان التقدم الحضاري الذي يفتح آفاق التقدم الاجتماعي للجميع”

لكن نجاح المجتمعات في السيطرة على مقدراتها، والمشاركة في تقرير مصيرها، ومجاراة المجتمعات الأخرى في التقدم الحضاري والإنساني، لا يتوقف فقط على إرضاء المطالب النفسية والثقافية، وتعميق الشعور بالهوية، وإنما يحتاج إلى تملك وسائل التقدم الحضاري، المادي والعلمي، الذي يستدعي بيئةً متنوعةً وسوقاً واسعةً واستقراراً نسبياً مستمراً. فليس لأي جماعةٍ وطنيةٍ أن تحظى بالاستقرار، ما لم تنجح في أن تنمي داخل حدودها قيم العصر ومعاييره، في ما يتعلق ببعث الثقة بالأمان والاطمئنان لدى الإنسان، واحترام حقوقه الأساسية، والتمسك بمعايير المواطنة، بما تعنيه من حرية ومساواة وعدل وكرامة، وهذا يستدعي إيجاد الشروط اللازمة لتنميةٍ اقتصاديةٍ فعليةٍ تخلق فرصاً حقيقية للارتقاء بمستوى حياة الناس إلى المستوى الذي يرضي طموحاتهم، في عصر العولمة والانفتاح المتبادل. وليس من الممكن تحقيق معدلاتٍ معقولةٍ للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية في دولٍ تتحوّل إلى “غيتوات”، أو معازل مذهبية، أو عشائرية أو إتنية. يحتاج التقدم الحضاري، اليوم، إلى شروطٍ لا يمكن أن تحققها إلا الفضاءات الواسعة التي تستطيع أن توفر فرصاً أكبر للاستثمار المنتج والمربح في كل المجالات، السياسية والاقتصادية والعلمية. لذلك، لا يمكن لتبني خياراتٍ تدفع إلى مزيد من تفتيت الجهود، وتشتيت القوى، أن يساهم في تحرير الشعوب. بالعكس، ما يساعد على تحريرها هو تجاوز منطق المعازل والغيتوات والحدود الضيقة المغلقة، وتوسيع دائرة الاستثمار والإنتاج والبحث والتفكير. فهذه هي اليوم شروط تنمية الإبداع والتقدّم والارتقاء بمستوى حياة الأفراد ووعيهم. وهذا لا يمنع أن تكون للمنطقة ذات الغالبية الكردية صيغة خاصة.

إن ربح معركة السلام والاستقرار الدائمين، وفي إثرها معركة الكرامة والحرية والتفاهم بين الأفراد والجماعات، يحتاج إلى ضمان التقدم الحضاري الذي يفتح آفاق التقدم الاجتماعي للجميع، وبناء دولٍ قائمةٍ على احترام حقوق الانسان، وتجاوز مفهوم دويلات الطوائف والعصبية الطبيعية، القائمة على الولاءات القبلية أو الدينية أو المذهبية، التي هي المولد الدائم للحروب الدورية الداخلية والإقليمية. فلا يمكن لدولةٍ تقوم على العصبية المذهبية أو القبلية أن تنتج مواطنةً أو حقاً إنسانياً. إنها لا تنتج إلا الإحباط والتوتر والنزاعات الداخلية، لأنها تعجز عن إيجاد الشروط الحضارية التي يحتاجها الاستثمار المادي والعلمي في المواطن والإنسان، ولا تقوم إلا على نظام الولاءات المذهبية والعشائرية والزعامات المكرسة والثابتة التي تعيد طبيعة العلاقات بين الأفراد إلى عصر القبيلة والإقطاع. وأمامنا أفضل شاهدٍ على ذلك تجارب لبنان منذ تأسيسه، والعراق المقسّم الذي أنتجه الاحتلال، وتسعى إلى تكريسه اليوم سياسات الهيمنة الإيرانية.

لا يهم أن تكون الدولة مركزيةً أم لا مركزية، اتحاديةً أم واحدية. المهم أن تكون دولةً، أي قائمةً على مبادئ المواطنة والعلاقة القانونية، لا على علاقات التبعية والولاء والانتماء المذهبي أو العشائري أو الإتني. وعندما تكون دولة مواطنة قائمةٍ على مبادئ المواطنة، أي الحرية والمساواة وحكم القانون، يتحوّل النقاش على شكل الدولة إلى مناظرةٍ محكومةٍ بالمصلحة العامة وتعزيز المشاركة، ولا يبقى هناك أي سبب لتثير المسألة ما نشاهده اليوم من توترٍ وانقساماتٍ واتهاماتٍ متبادلة.

العربي الجديد

 

 

 

 

عن الفيديرالية في سورية: حقائق ومحاذير!/ أكرم البني

لا يزال السجال محتدماً في الأوساط السياسية والثقافية السورية حول إعلان الاتحاد الديموقراطي الكردي وشخصيات عربية وآشورية وسريانية، تبني النظام الفيديرالي، ولا تزال حالة الرفض والإدانة لهذا الإعلان تتسع بصفته استثماراً انتهازياً وأنانياً للظرف الراهن ونية مبيتة لتقسيم البلاد وتفكيك البنية الوطنية.

بداية يجب التوقف عند بعض الحقائق، وأولها أن الدعوة للنظام الفيديرالي هي نظرياً دعوة للوحدة وليس للتقسيم أو لتفكيك المجتمع إلى كيانات مستقلة، فالفيديرالية بتبسيط هي اتفاق سياسي ودستوري بين مجموعة أقاليم لها صلاحيات واسعة لتحقيق الأنسب لخصوصيتها الثقافية ولبيئتها المحلية، شريطة الالتزام بالدولة الواحدة والخضوع لحكومة مركزية لها سلطات ومسؤوليات عامة لا تنازعها فيها الأقاليم ولا تتجاوزها، وعليه لا يصح الاستقواء بهاجس التقسيم للنيل من هذه الدعوة، حتى لو كان أصحابها يضمرون ذلك، ثانيها، أن المطالبة من قبل الأكراد بدولة فيديرالية ترجع لسبب رئيس هو خوفهم من ماضٍ ديكتاتوري شمولي فاض عليهم بمختلف أشكال الظلم والاضطهاد والتمييز، وكمحاولة للبحث عن صورة آمنة ومستقرة لعلاقة ندية بينهم وبين الأكثرية العربية لا يمكن التعدي عليها في المستقبل، وثالثها، أن النظام الفيديرالي بعيوبه وعثراته أثبت نجاعته في العديد من البلدان، فضلاً عن أنه الأقل سوءاً من الزاوية الوطنية والديموقراطية من نظام المحاصصة الإثنية والطائفية، التي يدعو إليها بعض الرافضين لمبدأ الفيديرالية.

وفي المقابل، ثمة محاذير كثيرة يجب التنبه إليها من الدعوة اليوم للفيديرالية في الخصوصية السورية وما خلفته سنوات من تفاقم الصراع الدموي في البلاد.

أولاً، أن يأتي تبني الفيديرالية في ظل استمرار العنف وما كرسه من شرخ وتنابذ اجتماعيين يجعلها أداة لمزيد من شحن الصراع وتسعيره بدل أن تكون وسيلة للسلام والتهدئة وإحياء روح التعايش بين مكونات المجتمع، ما ينذر بترسيخ التخندقات القائمة بقوة السلاح وفرض التقسيم كأمر واقع، فكيف الحال حين تطرح بتصرف أحادي وليس كمحصلة لجهد عموم السوريين ولاختيارهم الحر، ثم يشرع بتطبيقها كاستجابة لمطمع ذاتي وليس لحاجة موضوعية تستصرخ هذا النموذج من العلاقة بين المجتمع والسلطة؟! وكيف الحال حين لا يهتم دعاة الفيديرالية بتغيير أساليبهم القمعية المتفردة التي تتعارض مع شعارات الديموقراطية والندية والتشارك، أو بتبديد المخاوف المثارة حول الاستئثار ببعض الثروات الوطنية الطبيعية، كالنفط والمياه؟!

ثانياً، من الصعوبة نجاح فيديرالية سورية في ظل خارطة توزيع السكان تاريخياً، وتالياً في ظل غياب مناطق نقية لأقليات إثنية أو دينية، ويعرف الجميع مدى تداخل مكونات المجتمع على امتداد جغرافيا البلاد، وانعدام وجود وحدة مناطقية مستقرة خاصة بالأقليات، وإذا استثنينا منطقة عفرين والقرى المحيطة بها والتي تتميز بالفعل بتجانسها القومي الكردي، فالأمر في الشمال السوري مختلف، حيث يتعايش الأكراد هناك مع جماعات تفوقهم عدداً أحياناً من عرب وأشوريين وسريان وتركمان، هذا اللهم إلا إذا كانت النية أن تقترن الدعوة للفيديرالية بخطة لاستخدام سلاح التهجير أو التطهير العرقي القسري، لإعادة توزيع التموضعات السكانية.

ثالثاً، يفترض التفريق بين نوعين من الفيديرالية، تلك التي يطالب بها الأكراد على أساس تميزهم القومي، وأخرى تطرح على أساس خصوصية الانتماء الطائفي والمذهبي، وإذا كان الأساس القومي سبباً مفهوماً يحدوه هدف التحرر من مناخات الاضطهاد وإلغاء الهوية القومية، فإن الدافع المذهبي عاجز عن الإقناع، والقصد أن المسافة ليست بسيطة بين التكوين القومي والتكوين الطائفي، ففي حين تخلق عناصر وحدة اللغة والثقافة والتاريخ المشترك رغبة قوية لدى الأكراد في التبلور السياسي لتحويل هذه المقومات إلى واقع يلبي الأماني القومية، تخلو التجمعات المذهبية من هذه العناصر وتعتمد على جامع واحد هو الهوية الدينية وغالباً ما تكون مرتهنة لاجتهادات متعددة ومتباينة، ما ينعكس سلباً على جدية دوافعها ومشاركتها الوطنية والديموقراطية.

وبعبارة أخرى، إذا كانت الفيديرالية على أساس قومي، تضفي على المسار الديموقراطي النضج والتكامل، فإن الدعوة لفيديرالية على أساس مذهبي هي على النقيض عامل إغلاق ومحاولة تمييز غير صحية تفضي إلى إرباكات كثيرة في عملية البناء الديموقراطي ومفهوم المواطنة، وتفيد التجارب بأن تشجيع الانتماء الديني أو الطائفي كي يغدو خياراً سياسياً يقوّض وحدة المجتمع والدولة الوطنية، بينما يؤكد الاعتراف بالحضور القومي سياسياً واحترام حقوقه هذه الوحدة ويغنيها.

رابعاً، تزداد المخاطر والمحاذير من الدعوة اليوم للفيديرالية مع ازدياد حجم التدخلات الخارجية في الصراع الدائر، ومع احتمال توظيفها لتعزيز ارتهان الداخل لأطراف اقليمية ودولية، بعضها قد يستخدم الفيديرالية لمحاصرة خصومه المحليين وضمان استمرار نفوذه، وبعضها الآخر لتسعير الصراع ووأد احتمال انتقال مطلب الفيديرالية إلى بلدانه.

أخيراً، ومع أن بعض القوى الكردية لا تزال تثير الريبة والشك حول صدقية دعوتها للفيديرالية وأنها تتوسلها للانفصال عن الوطن، ثمة من يوحي بعدم جدية هذه الدعوة ما دامت عملياً غير قابلة للحياة، ويعتبرها مجرد ورقة تكتيكية تستهدف الضغط على مجرى المفاوضات بين السلطة والمعارضة والتأثير، عبر رفع السقف، في مساراتها كي تراعي حقوق الأكراد والتعددية السورية.

والحال، يخطئ من يعتقد بأن الرفض والإدانة للفيديرالية والعودة للتهديد بأساليب القهر والقسر يمكنها حماية وحدة البلاد، فالطريق المجربة للحفاظ على اللحمة الوطنية هي حين تنظم حياة السوريين قوانين لا تميز بينهم ويتلمسون بأنهم بشر متساوون في الحقوق والواجبات، طريق لا يمكن أن تنهض إلا نقداً للماضي المكتظ بكل أنواع الظلم والاضطهاد، وبالاعتراف أن النظام المركزي بنسخته الشمولية ذهب إلى غير رجعة، ما يعني ضرورة إعادة النظر بأفكارنا القديمة، وبشعاراتنا عن التعايش والتعددية، استناداً إلى أن وحدة الوطن ومعالجة تنوعه القومي والديني، لا يمكنهما أن تتحققا بصيغة صحية وعادلة إلا على قاعدة الديموقراطية ودولة المواطنة.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

 

سؤال خبيث/ ديمة الشكر

كما لو أنه يجب على سورية إعادة النظر وتدقيق القول في كل مصطلح سياسي اجتماعي شهير، من أجل ردّ كأس السم التي تتجرعها.

القصد هنا، أن إعلان الأكراد قيام “فيدرالية” استوجب إسالة حبر كثير، استند إلى الواقع والتاريخ والجغرافيا ومآل الأمور اليوم، وأصل “المصطلح” ومنبت سياقه، ونماذجه العديدة في العالم، كل ذلك، من أجل إظهار تهافت إعلان مماثل وعدم شرعيته. فضلًا عن نبرة تحذير من مخاتلة لفظ “الفيدرالية” وطريقة استعماله التي على ما يبدو تروّج كمقدمة لتقسيم سورية.

في المقابل، اتّضحت “عصبية كردية” تدافع عمّا يريد الأكراد عمله، ولا تنقصها في هذه المجال، “الذرائع والأسباب والموجبات”. ألفاظ لا تدل على معانيها، بقدر ما تغطي أدوات حشد، وابتكار “قضية”، وإنشاء أرضية لمسار سياسي يريد أن يفضي فعلًا إلى التقسيم، بقطع النظر عن أي شيء.

الحشد حول أمرٍ ما من أجل هدفٍ بعينه، هو اللبنة الأولى في “العصبية”. كذا فإن إعلان الفيدرالية، يبدو إلى حد كبير مولّدًا لعصبيتين في سورية؛ “مع” و”ضد”، من دون تبلور واضح بعد.

ثمة في إعلان الفيدرالية ما يشي أيضًا بـ”عصبية المصالح”، لو صحّ التعبير. عصبية تريد الإطاحة بأهداف مسار السنوات الخمس الماضية، وأكثر من ذلك، تريد الإطاحة بتاريخ المكان، وما يختزنه من تنوّع، يوصف اليوم، كما لو أنه المشكلة الأخطر والآفة الكبرى.

في هذا المقام، يحضر لفظ الفسيفساء. لفظ كثير الدوران، يهدف إلى التركيز على الجانب الإيجابي للتنوّع، ويشي بنوع من التكامل في التبادل والاشتراك، تظلّله وحدة بدهية، هي الأصل، وفي فلكها تدور القطع الصغيرة الملونة المختلفة.

يشبه الأمر عند تشبيهه بالفسيفساء، واستعمال لفظ المكونات بدلًا من التنوع، المقلب الثاني للمعنى، حيث المكونات هي الأصل ولا شيء يظللها بدهيًا.

ثمة في هذا المقام أيضًا، الذي يفرضه الواقع السوري المتحرك، والمليء بالانفجارات، واقعًا ومجازًا، من يستثير تفكيره سؤال مخاتل، ويطيب له طرحه دائمًا ومن دون مناسبة: “إن كنتَ أنتَ من دمشق، أزرتَ الرقة أصلًا، لتدّعي معرفة بها ووصلًا؟”. وبالطبع من الممكن إبدال أسماء المدن والقرى السورية كلها في السؤال. وعلى المجيب المسكين، الذي غالبًا ما لم يتحرّك كثيرًا ويتنقل في بلده، أن يكذب ربما، ويقول نعم، ليتجنب استنتاج السائل الخبيث؛ “لا رابط لك معها إذن، فلا هوية سورية جامعة، وربما لن يكون في المستقبل بلد واحد موحّد تحت هذا

أمور تمشي على رأسها، مقلوبة. لذا سيكون لطيفًا مثلًا نقل الحوار إلى بلد صلد متماسك، واضح الحدود لامتحان السؤال إياه؛ فماذا لو سُئل باريسيٌ إن كان قد زار مدينة فرنسية بعيدة من العاصمة؟ أيحمل جوابه بالنفي “رقّة” وعيه الوطني إذن؟ أيؤدي ذلك إلى “تفكيك وتفتيت” للدولة؟

هذا السؤال الخبيث المتواتر، ينأى عن قصد عن كل واقع أو تاريخ، ويحلو له تسطيح الأمور، وإعلاء شأن المكونات فرادى كما لا يخفى، ثم التعلّل بلفظ حديث: الفيدرالية.

سيكون ألطف أيضًا، سؤال كل سوري عمّا إذا كان قد زار أصغر قرية أو بلدة أو ناحية في الجولان المحتل. أيصح عندها، والجواب هو لا غالبًا، فكّ الجولان عن سورية ووهبه للمحتل الإسرائيلي مثلًا؟

سؤال خبيثٌ، كما لو أن عدم التنقل والتحرك في البلد الواحد يستوجب عقوبة، هي التقسيم تحت اسم الفيدرالية مثلًا، أو أي لفظ آخر لن ينقصه المكر ولا الشر.

في خضمّ كل هذا، وخضم الحديث عن مدن وقرى “صافية العرق”، نبتت وبزغت في غفلة، وابتداع أسماء “أجنبية” لها، ومحو اسمها العربي، فلننظر إلى المكان الآن، لا إلى الخريطة التي صارت مجال تجريب لابتكار الكيانات والمكونات.

ثمة في المكان اليوم، نازحون من قراهم ومدنهم، منزّحون قسرًا داخل سورية، نتيجة أسباب كثيرة مرئية يوميًا على الشاشة الصغيرة: البراميل، القصف، التهجير القسري، إلى آخر السلسلة في درب آلام السوريين.

وماذا لو سُئلوا هم أيضًا، عن “التنقل والتحرك”. أيحمل جوابهم بالإيجاب ملامح “الوحدة الوطنية” مثلًا؟

أيستطيع السؤال الخبيث، الصمود في مخيمات اللاجئين في لبنان أو الأردن مثلًا. سؤال خبيث لا يريد إلا المشاركة في أوركسترا القضاء على سورية.

العربي الجديد

 

 

 

مقدمات انهيار الدولة المركزيّة السوريّة/ معتز حيسو

بالمقارنة بين التجارب الفيديرالية في البلدان المتقدمة والإعلان عن تشكيل المجلس التأسيسي للاتحاد الفيديرالي الديموقراطي لروج آفا، نلحظ أن الأولى تأسست على أرضية ثقافية ومجتمعية حداثية مكّنت تلك الشعوب من تقرير مصيرها بنفسها، فجاءت الفدرلة استجابة لإرادة تعاقدية، وتعبيراً عن حاجات داخلية، متوّجةً ترسخ السلم الأهلي وسيادة منطق التقدم. أما إعلان الفيديرالية الكردية فيتعلق باعتقاد الأكراد بملاءمة الظروف الدولية، ونتيجة لتصدُّع التعايش بين الطوائف والمذاهب والقوميات بفعل الحرب الراهنة. هكذا أعلن عن الفيديرالية في لحظة «تفكك الدولة والمجتمع» والحضور الطاغي لقوى دولية وإقليمية اشتركت في معاداتها قيم الحداثة والتنوير، وفي ظل مناخ عالمي يتّسم بالفوضى والأزمات.

في السياق ذاته، فالنظر إلى سورية عبر مكوناتها الأولية يؤدي إلى تذريرها على أسس قومية ودينية وطائفية وعشائرية ومناطقية، بينما تقتضي اللحظة الراهنة تأكيد حق جميع السوريين بالتمتع بالحقوق التي أقرتها المواثيق الأممية، ومعالجة أوضاع الأكراد وغيرهم من الأقليات في إطار دستور جديد، وانطلاقاً من الحوار بين السوريين.

وتطابُق حدود الفيديرالية والحدود الجغرافية التي ترسمها الحرب يؤسس لفيديرالية فاشلة، فيما التداخل المذهبي والطائفي والقومي يحدُّ من قيام مناطق صافية عرقياً أو مذهبياً في أي نموذج فيديرالي محتمل، ما يجعل الكيانات المحتمل نشوؤها مدخلاً لحروب مديدة وانهيار الدولة المركزية واستبدالها بنماذج أخرى وظيفية أكثر هشاشة وتأزماً.

وإذا كانت معالجة التحولات المذكورة تقتضي امتلاك السوريين زمام أمورهم، فتفريغ سورية من قواها السياسية والاجتماعية الحقيقية، وتحويلها ملعباً مفتوحاً تتحكم في مفاتيحه أطراف إقليمية ودولية تتباين في توجهاتها ومصالحها، يفتحان الطريق أمام تشظّي سورية، وما تحمله من لمحات حضارية.

إن فدرلة سورية أو تقسيمها أو فرض النموذج اللبناني عليها سيساهم في تعرّضها لمزيد من التدخلات الدولية، ويجعلها رهينة تناقضات ومصالح دول كبرى متعددة. إضافة إلى أنه يساهم في تجدد الصراع على أسس ومقدمات تستند إلى خطوط استنزاف جديدة تتجاوز في أبعادها التدميرية تقسيمات سايكس بيكو. إضافة إلى أن إعادة ترسيم الخرائط تتم في معزل عن السوريين، وفي ظل تجاهل الإجماع السوري الذي يحتاج تظهيره إلى مناخات سياسية مستقرة يستطيع فيها السوريون التعبير عن إرادتهم في شكل حر ومستقل. فالمجتمع السوري يتمتع بالتعدد والتنوع الثقافي. وبمقدار ما يحمل ذلك من ميزات إيجابية في ظل أوضاع سياسية واجتماعية مستقرة، فإنه يتحوّل إلى أكثر المصادر خطورة في حال تم توظيفه سياسياً. ونشدد في هذا السياق، على أن نموذج الحكم الطائفي يفتح الباب واسعاً أمام تمكين مبدأ المحاصصة، وهيمنة زعماء الطوائف والطغم المالية، ويرتبط مع تعميق الارتهان السياسي والتبعية الاقتصادية للرأسمال العالمي. هكذا، فالإعلان الأحادي لبعض الفصائل الكردية عن الفيديرالية على جزء من الجغرافيا السورية، يتقاطع مع التصريح الذي أدلى به السيد سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، ومع ترويج واشنطن ما بات يُعرف بـ «الخطة باء». وجميعها يكشف عن أخطار تفتيت بنية الدولة المركزية وتحويلها، في سياق الصراع الراهن، إلى كانتونات مأزومة تغلق الأبواب أمام أي تحوّل سياسي وطني ديموقراطي يؤسس لبناء دولة علمانية موحدة. فكيف حين نضيف أن الآليات التي تشتغل عليها المجموعات الجهادية التكفيرية تشكل تهديداً مباشراً للأقليات؟.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

حل القضية الكردية في تركيا يجعل المنطقة تستقرّ/ عبدالباسط سيدا

كان الكرد يأملون بأن يحظوا بدولتهم المستقلة بعد الحرب العالمية الأولى، أسوة بغيرهم من شعوب المنطقة. وقد عملوا من أجل ذلك، وضحّوا كثيراً من خلال ثوراتهم العديدة. لكن الحسابات المصلحية للقوى الدولية المهيمنة حينذاك (بريطانيا وفرنسا)، وتفاعلها مع مساعي القوى الإقليمية (تركيا وإيران)، أسفرت عن تقسيم جديد للكرد أرضاً وشعباً بين الدولتين الناشئتين: سورية والعراق، بالإضافة إلى تركيا وإيران.

وجاءت الأيديولوجيات القومية التي هيمنت على العالم والمنطقة حينذاك لتعمّق الهوة، وتدفع بالقوميات التي حصلت على كيانات سياسية نحو تبني سياسة قوموية متشددة هدفها إلغاء الوجود القومي الكردي.

ويُنسب إلى مصطفى كمال مؤسس تركيا الحديثة، أنه كان يتفهّم التركيز الإنكليزي المصلحي على ولاية الموصل، لجهة الاستحواذ على النفط الواعد يومها. لكنه في الوقت ذاته كان يعبّر عن خشيته من أن يأتي يوم يصبح فيه كرد العراق المركز المحرّك للفكر القومي الكردي، فيفسدون عليه مشروعه المنكر لأي وجود قومي للكرد في تركيا، والمُصرّ على صهرهم عبر سياسة تتريك قاسية. ولم يكن النظام الشاهنشاهي في إيران بعيداً عن هذه التوجهات، معتبراً الكرد مجرد امتداد للفرس.

أما في سورية والعراق فجاءت الأيديولوجيات القومية، بخاصة في عهد البعث، لفرض لون واحد على واقع متعدد. فكانت الجرائم الكبرى للبعث في العراق، والاضطهاد المزدوج للبعث في سورية، والتزوير والتزييف في حقائق التاريخ والجغرافيا عبر المناهج الدراسية ووسائل الإعلام والديماغوجيا الحزبية.

والآن، وبعد مرور نحو مائة عام على انتشار الأيديولوجيا القومية في المنطقة، وبناء على المآلات التي تمخضت عنها، لا بد من إعادة النظر في ماهية المشروع القومي، ومدى انسجامه مع خصوصية منطقتنا، وإمكانية تطبيقه عليها.

أما بالانتقال إلى الواقع العملي، فيبدو حل القضية الكردية في تركيا الخطوة الأهم في طريق تحقيق التوزان والاستقرار في المنطقة. فأسلوب معالجتها يحدد إلى مدى بعيد الخطوط العامة لتوجّهات السياسة الكردية، كما يؤثر في الوقت ذاته في مواقف القوى الإقليمية المعنية بهذه القضية وتطوراتها.

وقد عمل حزب العدالة والتنمية عند تسلّمه الحكم على مقاربة هذه القضية بعقلية منفحتة نسبياً، وتمكّن من تجاوز الكثير من الخطوط الحمر، ما مهّد الطريق أمام معالجة جدية لهذا الملف الشائك المعقّد، وكان إطلاق العملية السياسية مع حزب العمال الكردستاني بهدف الوصول إلى حل سلمي عادل، ما ينعكس ايجاباً على وضع الكرد في سورية والعراق، ويؤدي من دون شك إلى استقرار سورية والمنطقة بصورة عامة. لكن النظام الإيراني، بالتنسيق مع حليفه السوري، عمل بصورة حثيثة على مصادرة احتمالات نجاح المباحثات السلمية تلك، لخشيته من تأثير نجاح كهذا في أوضاع كردستان ايران التي تضم نحو عشرة ملايين نسمة يعانون أسوأ الظروف نتيجة الاضطهادين القومي والمذهبي.

وفي اكثر من لقاء مع المسؤولين الأتراك على أعلى المستويات، أكّدنا أهمية وضرورة إعادة النظر في التعامل مع الملف الكردي في المنطقة. فعوض التعامل مع الكرد كأنهم مشكلة، يُفترض التعامل معهم كجسر للتواصل بين شعوب المنطقة كلها. وعملية كهذه تزيل الهواجس، وتعزّز الثقة وتساهم بفاعلية في تحقيق السلام والاستقرار انتقالاً الى التركيز على التنمية التكاملية، وتوفير فرص العلم والعمل بما يحصّن المجتمع ضد النزعات الإرهابية.

لكن الذي حصل أن القوى المتضررة من السلام والاستقرار تمكنت قبل أشهر من تفجير الأوضاع مجدداً بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، وتسبب ذلك بوقوع الكثيرين من الضحايا الأبرياء من الأتراك والكرد، وبتخريب الممتلكات وتوتير الأجواء. كما أكدت مجدداً العمليات الإرهابية في العديد من المدن التركية خطورة الاستمرار في التوجه الحالي المتشدد من قبل الجانبين.

صحيح أن القيادة العسكرية الحالية لحزب العمال الكردستاني متحالفة مع النظام الإيراني، وتنسّق معه ومع النظام السوري في كل شيء، لكنْ لا يمكن في جميع الأحوال لدولة إقليمية مهمة كتركيا أن تبني سياستها على ردود الأفعال، وتتنصّل من التزاماتها تجاه مواطنيها الكرد الذين يزيد عددهم عن العشرين مليوناً، بذريعة أن حزب العمال أفسد خطة السلام. فالحكومة التركية مطالبة بحل القضية الكردية بعد الاعتراف بوجودها، وهناك حاجة ملحة لأن تقدّم أنقرة تصوراً واقعياً مقنعاً حول القضية المعنية، ما يعزز مواقع أنصار الحل السلمي ضمن العمال الكردستاني، وهم كثر. كما يحرج القيادات العسكرية في الحزب المعني التي تستند إلى تحالفاتها الإقليمية، وإلى ما تمارسه من دغدغة للمشاعر الكردية في ظل التردد والحيرة وعدم الوضوح من جانب حزب العدالة.

الأمور لم تخرج بعد عن نطاق السيطرة. ولا بد من التعامل المسؤول والجريء مع الملف، واحتمالات النجاح كبيرة ومشجعة. أما العودة إلى السياسة القديمة عبر التنسيق مع الجانب الإيراني لمواجهة «المشكلة الكردية»، بخاصة في سورية، فستكون كارثة على الجميع.

* كاتب وسياسي سوري

الحياة

 

 

 

الإشكالية الكردية في الحالة السورية/ ماجد كيالي

لا يفيد وليس من المجدي المكابرة أو الإنكار، فثمة مسألة كردية في سورية، تضاف إلى جملة المسائل أو التحديات، التي يقف في مواجهتها السوريون، لإعادة بناء إجماعاتهم ودولتهم وتعريفهم لذاتهم، علماً أن الأكراد هم جزء من النسيج الاجتماعي لسورية المعروفة، أي أنهم ليسوا وافدين، ولا هابطين من المريخ، ثم أن هؤلاء جزء من شعب حُرم من حقه في إقامة دولته القومية، بنتيجة اتفاقات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وفوقها تعرّض للتجزئة، والحرمان من الهوية، وحتى من حقوق المواطنة المتاحة.

هكذا يظهر لنا أن ثمة إشكاليتين، وكل مشكلة منهما تفتح على مشكلة أخرى، سواء بحلها أو بعدم حلها، الأولى تتعلق بانتماء أكراد سورية للشعب السوري، مع تبعات كل ذلك بما لهم وما عليهم. والثانية تتعلق بانتمائهم إلى شعبهم، المقسم بين عدة دول (إيران وتركيا والعراق وسورية)، مع ما يستوجبه ذلك من تداعيات والتزامات.

وفي الواقع فإن هاتين الإشكاليتين تطرحان على أكراد سورية مهمة تحديد ذاتهم، أو تعريف هويتهم. ومثلاً، فإن اعتبارهم أنفسهم جزءاً من الشعب السوري يستوجب منهم التصرف على هذا الأساس، من دون أي اعتبار آخر، مع حقهم في الحفاظ على هويتهم وخصوصيتهم القومية وشعورهم بالانتماء إلى قومية أوسع، ومع حقهم بالمساواة مع سائر المواطنين، ومن ضمن ذلك مشاركتهم في تقرير شكل النظام السياسي وصوغ الدستور والحكم.

في المقابل فإن تغليب اعتبارهم لذاتهم جزءاً من الشعب الكردي، على حساب انتمائهم إلى الشعب السوري، مع استخدام أعلام ورموز خاصة، وتبني طموحات دولتية فوق سورية، تحمل سمات هوياتية ـ قومية، فإن هذا يعني افتراقهم عن الشعب السوري، بمعنى أنه لا يمكنك وأنت تقول بدولة كردية، أو باعتبارك جزءاً من أراضي سورية بمثابة جزء من دولة كردية مستقبلية، التورية بادعاء أنك لا تطالب بالتقسيم أو أنك تقف مع الثورة السورية، أو مع وحدة سورية.

بديهي أن من حق الأكراد تبني الهدف الذي يريدون، فهذا جزء من الحرية، وجزء من حق تقرير المصير، وقيم المساواة والعدالة، لكن ذلك الحق لا يمنع طرح المخاوف التي تفيد بأن هذا الانزياح ينم عن تسرّع، أو قد لا يكون مناسباً في هذه الظروف، وأن مثل هذا الأمر قد يفضي إلى وضعهم في مواجهة سعي الشعب السوري إلى الانعتاق والتحرر من ربقة النظام، والإثقال على ثورته، وطرح مخاوف التقسيم، أو من خلال التسهيل على القوى الدولية والإقليمية التلاعب بهم، والعبث بثورة السوريين من خلالهم، واستخدامهم كأداة في مواجهة دولة إقليمية مثل تركيا، بالنظر إلى علاقات «حزب الاتحاد الديموقراطي» (الكردي ـ السوري) بـ «حزب العمال الكردي» في تركيا (بزعامة أوجلان).

بيد أن المشكلة هنا لا تتعلق بالأكراد فقط، ولا بـ «حزب الاتحاد الديموقراطي» (بزعامة صالح مسلم) وإنما تتعلق بالمعارضة أيضاً. فإذا سلمنا أن من حق الأكراد الاطمئنان إلى مستقبلهم كجماعة قومية، وضمان عدم العودة إلى علاقات التذويب أو المحو، والحرمان من الهوية والحقوق، ففي المقابل من حق المعارضة أيضاً، التخوّف من أي مشاريع توظّف المخاوف الكردية باتجاه تقسيم البلد، ما يفيد بأن الطرفين معنيان بإزالة المخاوف والشكوك المتبادلة، ومعنيان بالتوصل إلى قواسم مشتركة.

المشكلة أن هذا النقاش لا يحصل بطريقة سليمة، وبقصد الوصول إلى تفهّم متبادل، أو إلى إجماعات أو قواسم مشتركة، وإنما يحصل كأنه في ساحة حرب بين معسكرين أو خندقين متواجهين، الأمر الذي يصبّ في مصلحة النظام ويظهر الأطراف الأخرى باعتبارها ليست أهلاً للثقة، أو يظهر افتقادها إلى الأهلية والمسؤولية. طبعاً قد يمكن تفهّم ما يجري باعتباره جزءاً من أعراض الانفجار السوري، ومما يمكن اعتباره جزءاً من حرب أهلية سورية، دخلت على واقع الثورة، بغض النظر عن مقاصده، حيث ثمة ضحايا في مواجهة ضحايا، لكن استمراء هذه الحالة، وتكريسها، لا يفيد الأكراد ويضر بالمعارضة ويضعف صدقيتها بخصوص تصورها لسورية المستقبل. والمعنى أن الأسئلة بخصوص المصير والمستقبل السوريين تخص جميع مكونات السوريين، فالجميع معنيون بهذا النقاش، إذا أردنا أن نبني سورية الجديدة لكل السوريين، بمختلف ألوانهم وهوياتهم الإثنية والطائفية والمذهبية والأيديولوجية.

الآن ثمة أسئلة يمكن طرحها على المعارضة، مع تفهّم تخوّفها من المشروع الكردي الفيديرالي، وملاحظاتها المشروعة على ممارسات «قوات حماية الشعب»، والإدارة الذاتية، ومثلاً، لماذا لم تتم مجابهة مشروع «جبهة النصرة» وأخواتها، وهي المحسوبة على تنظيم «القاعدة»، بنفس المعارضة والتخوف، على رغم أن هذه لا تحسب نفسها على الثورة السورية ولا تعترف بمقاصدها، ولها مشروعها وعلمها الخاصان، فضلاً عن أنها قاتلت «الجيش الحر» وتحاول فرض طريقتها في الحياة على مجتمعات السوريين في المناطق التي تسيطر عليها؟ ثم ألم يكن مشروع الجماعات الإسلامية المسلحة من «النصرة» إلى «أحرار الشام» إلى «جيش الإسلام» انشقاقاً وافتراقاً، بمعنى ما، عن ثورة السوريين ورفضاً لمقاصدها المتعلقة بإقامة نظام يتأسس على الحرية والديموقراطية؟ أيضاً، هل المناطق «المحررة» التي تخضع للجماعات الإسلامية المسلحة، مثل «النصرة» وأخواتها هي في وضع أفضل من المناطق التي تخضع لقوات «حماية الشعب» على صعيد الحريات والإدارة والعلاقة مع المجتمع؟ وأخيراً هل تستطيع قوى «الائتلاف الوطني» أو النشطاء المدنيون التواجد والنشاط في تلك المناطق «المحررة» مثلاً، علماً أن رئيس الحكومة الموقتة مُنع قبل فترة من دخول هذه المناطق؟

القصد من طرح هذه الأسئلة التوضيح أن ثمة معايير مزدوجة في التعامل مع إشكاليات الحالة السورية، وأن ثمة عدم وضوح في الرؤية السياسية للمعارضة، وضعف تبصّر لكيفية التعامل مع هذه الإشكاليات وكيفية حلها. ولعله ضمن هذا الإطار يأتي التعامل مع المكونات السياسية الكردية، ومن ضمنه التعاطي مع فكرة الفيديرالية. وفي الواقع فقد كان الأجدى للمعارضة السورية عدم الاعتراض على فكرة الفيديرالية، لأن هذه لا تعني البتّة التقسيم، ولا الكونفيديرالية، بل إنها تعني وحدة جغرافية وسياسية واقتصادية مع نظام سياسي أكثر إنصافاً وعدالة لمناطق البلد. ولأن الفيديرالية هي أحد الأجوبة الضرورية لتقويض نظام الاستبداد في سورية، وضمان عدم إعادة إنتاجه من جديد، ولأنها النقيض لفكرة التمركز والمركزية التي تفضي إلى تهميش الأطراف، وخلق حالة من النمو المتفاوت والمشوه بين مختلف المناطق السورية. وهذا يفيد أن النقاش بخصوص الفيديرالية وغيرها، لا يتم بصورة سليمة، أو مجدية، وأنه ينطلق عند المتعاطفين في المعسكرين بطريقة عصبية، وهوياتية، وهذا لا يخدم النقاش ولا يخدم فكرة سورية واحدة لكل السوريين.

على ذلك، وبغض النظر عن هذا الانحراف أو الخلط في النقاش، فقد يمكن تفهّم حق الأكراد في تقرير المصير، أو في الحكم الذاتي، أو أي تصور آخر، فهم لم يهبطوا بالمظلات، وهم جزء من النسيج الاجتماعي لهذه المنطقة عبر التاريخ، لا سيما لمن يتغنّون بصلاح الدين الأيوبي، مع ذلك لا بد من ملاحظة أنهم في التصور المتعلق بالفيديرالية يستبقون الأمور، إذا كانوا يشتغلون أو يفكرون باعتبارهم سوريين، عدا عن أن هذا يحمل شبهات التحول إلى أداة تتلاعب بها قوى إقليمية ودولية، لا تريد الخير للسوريين. وفوق كل ذلك فإن الحديث عن فيديرالية وديموقراطية لا يستقيم مع وجود حزب مهيمن يفرض سطوته الأحادية بالقوة المسلحة، لأن هذا سيكون نموذجاً لحزب بعث آخر، مع اعتبارنا لأيديولوجية هذا الحزب المنسجمة مع نظيره «حزب العمال الكردستاني» في تركيا. أما في حال أخرى، أي في حال حسم الأكراد الأمر باعتبارهم غير سوريين، أي أكراد يريدون انتزاع دولتهم القومية، ومن ضمن ذلك ما يعتبرونه أرضهم الخاصة من سورية، في هذه الظروف الصعبة والدقيقة، فهذا شأن آخر، ويخشى أن هذا سيضعهم في مشكلة أخرى، وإزاء حروب أهلية أخرى، ووقوداً لمآرب دولية وإقليمية، بغض النظر عن رأينا بمظلومية الأكراد التاريخية، وعدالة أو مشروعية حقهم في دولة قومية، في أراضيهم المتوزعة بين إيران وتركيا والعراق وسورية.

والحال فالأجدى للسوريين، عرباً وكرداً ومن كل المكونات، البحث عن حلول لسورية المستقبل تنطوي على الفيديرالية والنظام البرلماني، بدل الرئاسي، في نظام ديموقراطي يتأسس على دولة مواطنين أحرار ومتساوين، لأن العكس من ذلك يحتمل إعادة إنتاج نظام الاستبداد والإقصاء والتهميش، وبالتأكيد فإن السوريين لم يقدموا كل هذه التضحيات من أجل ذلك.

* كاتب فلسطيني

الحياة

 

 

مخاطر الافتتان بخيار التقسيم في سوريا/ جوناثان ستيفينسون

مر على انزلاق سوريا في حرب وحشية خمس سنوات حتى الآن، ومهما يكن من شأن المحادثات الجارية من أجل انتقال سياسي من الصعب تصور عودة البلاد دولة موحدة بحدودها المعروفة قبل الحرب. والحقيقة أن المفاوضين بدؤوا يفكرون بالتقسيم. وقد قال وزير الخارجية جون كيري في حديثه أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الشهر الماضي بأنه في حال فشل وقف إطلاق النار الحالي والمفاوضات في سوريا سيكون التقسيم هو الخطة البديلة. كما اقترح الروس علناً الفدرالية كحل، ووفقاً لدبلوماسيين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فإن فكرة وجود حكم مركزي فضفاض جدا مع حكم ذاتي مع درجة عالية من الاستقلالية للأقاليم المختلفة بدأت تلقى جاذبية لدى القوى الغربية الكبرى.

لكن التقسيم لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون الحل المثالي: فهو يعني السكوت على همجية الرئيس بشار الأسد رغم اعتراضات المعارضة الحادة، وسيؤدي إلى مزيد من النزوح الداخلي نتيجة إعادة التموضع الطائفي وربما التنازل عن أراض لتنظيم الدولة الإسلامية.

كما أن التقسيم أو النظام الكونفدرالي المهلهل ربما لا ينهي الحرب الأهلية والكارثة الإنسانية المصاحبة لها. لكنه سيؤدي نظرياً إلى بقاء دويلة الأسد سليمة يعمل تنظيم الدولة على مواصلة حشد الدعم ضدها، ودويلة سنية قد يعمل العلويون على تقويضها.

وعلى نطاق أوسع فإن التقسيم الناجم عن الحرب له سمعة ليست محمودة، كما حدث في كوريا وألمانيا على سبيل المثال، حيث أدى التقسيم إلى عزل وحشي لعدد كبير من السكان وزرع الطريق بألغام يمكن أن تشعل حروباً كبيرة في المستقبل. وفي الهند أنتج التقسيم تمزقاً سكانياً كبيراً وعداوة دائمة، كما لم ينجح تقسيم فيتنام أيضاً.

لكن في ظروف استثنائية، يمكن للتقسيم أن ينتج الأمن والاستقرار على المدى الطويل نسبياً في التجمعات البشرية الصغيرة والمعزولة، مثل قبرص فقد قسمت لحوالي أربعين سنة مع وجود دوريات لقوات الأمم المتحدة على الخط الأخضر الفاصل بين الجزأين التركي واليوناني للجزيرة، وحدث استقرار مماثل في إيرلندا الشمالية عندما قسمت وفق اتفاق بيلفاست، كما أدى تقسيم البوسنة رسمياً إلى إنهاء حرب شعواء بين الصرب ومسلمي البوسنة والكروات. لكن في هذه الحالات الثلاث ساعد السلام الشامل والاستقرار في أوروبا في نجاح التقسيم، كما أن وجود جهة فوق وطنية قوية في الاتحاد الأوروبي قلل من أهمية السيادة الوطنية المفترضة للدول، والأهم من ذلك في هذه الحالات هو غياب الاستفزاز الخارجي نسبياً.

ولكن أياً من هذه الظروف لا تنطبق على سوريا، فالحرب السورية حدثت في منطقة فيها مشاكل عويصة، ولم تتمكن جامعة الدول العربية التخفيف منها. كما عملت أطراف خارجية على تغذية الحرب متعاملين معها كحرب بالوكالة، والصراع في سوريا أكثر دموية ومقاتليها أكثر وفرة وتسلحاً من أولئك الذين كانوا في قبرص أو إيرلندا. لذلك فإن الطريقة الوحيدة للقيام بالتقسيم في سوريا هي بمشاركة القوى الخارجية في تطبيق هدنة من شأنها تجميد الصراع وعزل الدولة الإسلامية، واستخدام القوة تحت رعاية الأمم المتحدة للحفاظ على هذه الهدنة، وتسهيل التقسيم وثني الجهات الإقليمية الفاعلة عن التدخل العسكري.

وهذا بدوره يتطلب جهداً كبيراً لإحلال السلام ربما بمشاركة العنصر الأمريكي والناتو جنباً إلى جنب مع قوات جامعة الدولة العربية وعناصر روسية. وقد يتعين على مثل هذه قوات أن تُشرف على نقل السوريين الذي يشعرون بعدم الأمان في أماكنهم الحالية. صياغة هكذا اتفاق ليس بمهمة سهلة، فيجب أن تعرف القوى المختلفة كيف ستعمل معاً وتوافق على التزامات التمويل وتقديم الأفراد والتعامل مع الخسائر التي لا مفر منها والتي يحتمل أن تكون كبيرة. في المقابل من المستبعد أن توافق الولايات المتحدة ودول الناتو وروسيا، دع عنك السعودية أو تركيا، على دعم نشر مقاتلين على نطاق واسع لفرض تقسيم سوريا بشكل يعرضها للمواجهة مع الدولة الإسلامية والجماعات الجهادية الأخرى على الأرض. وحتى لو عملت القوة المتوافق عليها على تجنب خوض عمليات برية كبيرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية وتحولت تدريجياً إلى قوات حفظ السلام فإنها ستزداد هشاشة بالتدريج.

وسيبقى هناك تحديات معقدة أخرى منها المفاوضات العويصة بين النظام والمعارضة المعتدلة على من يسيطر على كل مدينة، فسيصر النظام على الاحتفاظ بدمشق وهو ما يعني ربما نزوح كتلة ضخمة من السنة، وقد شهدنا مثل ذلك في العراق قبل عشر سنوات. من جهة ثانية لن تقبل تركيا وجود كيان يسيطر عليه الأكراد، مما يعني أنه سيتم إحباطه للحفاظ على توافق الناتو بشأن دعم التقسيم، وهذا بدوره غير منصف بالنظر إلى قتال الأكراد المستميت في سوريا، مما يجعل الأمر أشبه بحلقة مفرغة.

أخيراً إن تقسيم سوريا يتعارض مع معاهدة لوزان لعام 1923، ويحتاج تفعيله إلى معاهدة مماثلة. ويمكن أن يحرك تقسيم سوريا الدوافع الانفصالية في أماكن أخرى في الشرق الأوسط . لذلك يبقى تقسيم سوريا فكرة حين لا يبقى بديل أفضل منها. صحيح أن الوصول إلى سوريا موحدة ذات حكومة تشاركية في السلطة يتطلب جهوداً ديبلوماسية خيالية، لكن إنجاح التقسيم ليس أقل خيالية. وباعتبر أن خيار الدولة الموحدة هو الخيار الأفضل والأكثر مواءمة، فينبغي على واشنطن أن تسعى فيه ضمن إطار العمل الحالي. فكونه صعب التخيل حالياً لا يعني أنه مستحيل.

ترجمة مرقاب

المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...