الرئيسية / صفحات الثقافة / سؤال المصير والكتابة

سؤال المصير والكتابة


فواز حداد

هل سيجمع بلدان الربيع العربي مآل واحد، أم سيختلف الطريق من بلد لآخر؟ الربيع الذي كان أحد مظاهره الانتقال بالعدوى، لن يغفل نشأته، وستتقاطع مساراته إن لم تتشابه مع اختلاف ظروف كل بلد، ما يخطه الواحد منهم، سيأخذه الآخر بالاعتبار. الخبرات تتوالد سريعة من التجارب اليومية، تُصدر وتستورد بلا مقابل، فالحدود في العالم الافتراضي قنوات تواصل. الشباب العرب عرفوا كيف يُسخّرون الفضاء للتحرر من عوامل الجاذبية الأرضية. حتى الآن، لم يحن الوقت بعد لانفصال المسارات، ما زال هناك ما يربط بينها قبل أن تأخذ كل بلد ظروفه نحو المصير الجامع تحت ضغط تفاصيل تحدد شكله النوعي الأخير، قبل الانضمام إلى العالم، والسير في ركاب التاريخ.

ومهما يكن، هذا الربيع سيكون طويلاً رائعاً ومؤلماً، الشباب يعيشون مغامرتهم الكبرى في إخراج شعوبهم من ظلام وركود سادا المنطقة عدة عقود، وقد يستمر الربيع أكثر مما هو مقدر له لكي يزهر، لكنه على الطريق الصحيح، فالطغيان المعمم أفضى إلى ثورات تشابهت بثوارها ومخططاتها وسلميتها وجرأتها وتضحياتها…. ونظرتها إلى المستقبل. وإذا كان الإسلاميون سيقطفون أولى ثمراتها وأعبائها، فمكافأة على ما أصابهم طوال ما يزيد على نصف قرن من السجون والعذاب والتشرد والموت في المعتقلات. ومع أن اليسار أصابه قدر كبير لا يستهان به مما أصابهم، لكن الإسلاميين هم الأقرب إلى المزاج الشعبي. الشعوب تسلمهم أقدارها، ليس إلى الأبد، فقط ريثما تتأقلم مع تطورات لم تكن مهيأة لها بالقدر الكافي، بعدها يشارك الجميع في صنع المصير المشترك.

العام المقبل الذي سيشرق صباحه قريباً جداً، يعد بالكثير من التفاؤل، وفي الوقت نفسه سيكون عام مواجهة مع واقع بائس، فوضى وأوضاع لا تستقر، طبقات متخمة وفقر مدقع، اقتصاد متعب، ومتغيرات لم تكن على البال، البشر الذين توقعوا الكثير ظفروا بالقليل، عدا أن الانتقال من حال إلى حال، لن يوفر ضحايا إضافيين ليسوا من جماعات الحكم البائد فقط. على كلٍ ستشكل الحرية تعويضاً عن احباطات لا بد منها. لا سيما أن الأوضاع القديمة ما زالت تنغل في رحم الجديد، والثورة مضطرة إلى التعايش مع ما انتفضت عليه، وهذا أكبر خسائرها، ومن حسناتها، لا إبادة ولا قتلى بالجملة، أو تصفية حسابات. هذه كانت وعودها. وحتى في حال انتصرت الديموقراطية، سيأخذ المغلوبون حيزاً في إدارة الشأن العام. لا إلغاء ولا إقصاء، عدا الذين ارتكبوا جرائم في حق الشعب.

قد يبدو ما نتوقعه يمت إلى رومانسيات الثورات الخيالية، بينما الشوارع تغص بدخان القنابل المسيلة للدموع وتراشق الحجارة. لكن هذا ما توحي به الاضطرابات لا الدبابات حتى الآن، وما نرغب في حدوثه. ندرك أننا لسنا في مجال استعارة ثورات أفلحت في حمل هذا الوصف، فلا الثورة الفرنسية، أو أكتوبر الشيوعية، أو يوليو المصرية، حافظت على مبادئها وسلامة غاياتها، كل واحدة منها تعرضت للخيانة حتى من أبنائها، وارتكبت من الفظائع ما فاق سلفها، وأعقبتها أكثر من ردة، لكن ما خلفته كان عميقاً في محاولة تصدي البشر للواقع، وإثراء التجربة الإنسانية في السعي إلى تغيير شروط الحياة إلى عيش كريم، وإعلان مبادئ أصبحت في لب الشريعة الدولية.

وإذا كنا سنتنبأ، فسوف نفشل بخصوص المخاض السوري المكلف والغامض، لا يُعرف كيف سينتهي، هل سينتصر النظام؟ لكن كيف؟ أم الثورة… أيضاً كيف؟ الصراع الداخلي الذي طال، امتد إلى الخارج، وعقده تكاثر اللاعبين الإقليميين والدوليين أكثر مما هو معقد، وأخذ ما بات يدعى بالأزمة السورية إزاء تعنت النظام بالاستعصاء على الحلول السياسية والضغوط الاقتصادية والتهديدات الدولية، وجعل الربيع السوري، ينفتح على احتمالات غير مأمونة، الأكثر ترشيحاً منها، هو الأسوأ؛ ما حاولت الانتفاضة السورية تجنبه والتحذير منه، قد يقودنا إلى ما يمكن أن ندعوه بالجحيم السوري. فاللعب على الوقت سيذهب بالبلاد إلى الحرب الأهلية. وهي صورة مكبرة ومرعبة لانتحار سوريا والسوريين.

في ظل هذه الأوضاع والمتغيرات هل سيكون المثقفون شهوداً على الحياة والموت؟ ثم ماذا بعد كتابة يوميات الثورة. هل ستتمكن الثقافة من تبين أفق واضح لهذا الذي اندلع واستشرى في بلاد العرب؟

الحرية تبعث الأمل وتعيد الروح إلى الجسد، وتبث أيضاً الحيرة والارتباك، وإن كانت تجعل الرؤية أوضح، في اختلاف المدى والمنظور، غير أنها مرهقة في تطلعاتها إلى ابتداع مقاربة لحدث هائل في طور الصيرورة، لا تدري مآلاته بعد. ولا يمكن تأطيره. اعتاد الكاتب على انتقاد أوضاع مستقرة، هذا وضع آخذ بالتغير من دون توقف، يتحداه في انقلابه على كل ما ألفه وتعيّش عليه.

سيواجه الأدباء (لا سيما الروائيون) الورق الأبيض، ماذا سيكتبون؟ نجيب محفوظ واجه هذا الموقف واعتقد أن الثورة أنهت عمله الروائي. لم يطل الوقت عندما أدرك أن الواقع هو أصل الكتابة، مثلما تحتفي بالحياة والإنسان والحب والعيش والجمال، ويبهظها سؤال الكون، تهدف إلى تفسير ونقد وتغيير وترميم… عالم يتشكل والانقضاض على الواقع، بالوسائل كافة، بالثورة ثانية، بالتظاهرات والعنف واللاعنف، وبكتابة موضوعها الإنسان، أحد وجوهها، تساؤلات لا تكف عن الطرح دائماً، عن الحرية والعدالة والكرامة، بحيث يخشى أن يكون هذا السؤال صالحاً للمستقبل: ألا يحق للبشر الانتفاض على سلطة، تعتقد أن لها الحق، كل الحق، في الاعتقال والقتل والتعذيب حتى الموت؟ ما يبدو بديهياً، جوابه بديهي من الطرفين. هذه هي المأساة.

(روائي سوري)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...