الرئيسية / صفحات سورية / سدنة العرش السوري

سدنة العرش السوري

 

نور الله السيّد

كيف يمكن للجيش السوري أن يقتل السوريين؟ يتساءل المواطنون السوريون بألم ومرارة مضيفين: كيف لهذا الجيــــش أن يقـــتل من يدفع له رواتبه وثمن سلاحه؟ أي أمهات تلك اللاتي ولدن هؤلاء الذين يقتلون أهليهم؟ بالأمس قتلوا فلان واليوم قتلوا آخر وغداً قد أكون أنا المقتول.

قام حزب البعث السوري منذ تسلمه السلطة عام 1963 بإجراء تحولات في السياسة الداخلية والخارجية شملت كل مؤسسات الدولة بما في ذلك الجيش. ووفقاً للمفهوم البعثي حينئذٍ، فقد كان من الواجب إحداث تغيرات في الجيش حتى لا يكون لأي من القوى الموجودة آنذاك أي تأثير يهدد بقاء البعث في السلطة، وخاصة تلك القوى التي كانت توصف حينها بالبورجوازية. لذا كانت ضرورة تحويل الجيش السوري إلى جيش عقائدي بربط الدخول إلى الكليات الحربية بالانتماء إلى حزب البعث من جهة وتنقيته من الضباط المشتبه بولائهم للثورة (الحزب) وخاصة المتحدرين من أصول بورجوازية، الذين كانوا في أغلبيتهم من أبناء المدن التجارية والإقطاعية مثل دمشق وحلب وحماه وحمص. وأُقرَّ تمثيل الجيش في مؤتمرات الحزب القطرية بنسبة لا تزيد عن 20′ من المؤتمرين، وأصبح الجيش من ثمّ ممثلاً في القيادة القطرية نفسها، أي في القيادة السياسية الموجهة للبلد بحسب الدستور السوري.

ولكن الجيش ‘العقائدي’ خضع لتصفيات كثيرة، ليس لأسباب عقائدية فقط وإنما لأسباب تنافسية بعثية وطائفية. فضباط البعث في الستينيات كانوا مشغولين بالاستحواذ على السلطة، وكان لكل ضابط متنفذ منهم ‘شلة’ مناصرين قائمة على الانتماء الطائفي في أغلب الأحيان. انتهت هذه التصفيات إلى بقاء مجموعة واحدة هي مجموعة اللواء حافظ الأسد الذي استحوذ على السلطة أواخر 1970. وكان ضباط مجموعته من الطائفتين السنية والعلوية. ودعّم الأسد ارتباط مجموعته به على أساس مصلحي أولاً وطائفي ثانياً باحثاً عن عزوة تدفع الخطر عنه وفقاً لمنطق العصابة البسيط: الكل للزعيم والزعيم للكل. هذه النقطة أبرزتها واقعة موت باسل الأسد والهالة التي أحيط بها موته ونعته بالشهيد وإطلاق اسمه على الكثير من المواقع والأحداث في سورية مما أثار استهجان بعض المحيطين بالأسد، دفع بعضهم ثمنه مثل اللواء علي حيدر قائد القوات الخاصة بالرغم من خدماته الكبيرة للأسد. وفيما يُقال، فإن الأسد عندما استشعر بعض التململ لدى الصف الأول من الضباط القادة دعاهم إلى وليمة عشاء اختتمها بالقول: يُقال إن الملائكة هم سدنة العرش، ولكن مَنْ يسند مَنْ؟ هل الملائكة من يسندون العرش أم أن العرش من يسندهم؟.

إلا أن ذلك لم يكن يعني للأسد أن بإمكانه أن ينام مطمئناً إلى ضباط شلته، لذا سلّم قيادة سرايا الدفاع، التي كانت مهمتها في البداية الدفاع عن الثورة، إلى أخيه رفعت وأصبحت هذه السرايا جيشاً موازياً للجيش السوري من حيث العتاد خصوصاً.

وأُدخل إلى هذه الوحدات جنودٌ بتلوين طائفي بالاستفادة من ضعف مستواهم التعليمي (حيث تسهل عملية غسل أدمغتهم) وفقرهم وحاجتهم إلى العمل لتصبح هذه السرايا الجيش الحامي للأسد. الجيش الذي تحوّل فيما بعد ليصبح الفرقة الرابعة، أكبر وأقوى فرق الجيش السوري قاطبة. وللحرس الجمهوري قصة مماثلة. كلاهما يحيط بدمشق ومهمتهما الأساسية حماية النظام.

ومنذ منتصف السبعينيات، جرى حرف مهمة الجيش من الذود عن الوطن إلى الذود عن النظام. حيث انطلقت عمليات ‘شراء’ الضباط لهذا الغرض بدغدغة مصالحهم الشخصية وإغداق الهدايا والنعم والمناصب عليهم مباشرة أو مؤجلة إلى حين ترقيتهم المحتملة لرتبة أعلى، ومن ثم جعل هؤلاء يلهثون وراء الترقية متبارين في الدفاع عن النظام. أما غير القابلين للشراء فكان التخلص منهم إما بالتسريح أو الحجر في مناصب أو أماكن لا قيمة لها أو السجن لمن يبدي معارضة تستدعي التوجس، أو القتل لمن خرج عن الطاعة أو فكر بالرئاسة كما في حالة بعض مشاهير ضباط جيش النظام مثل غازي كنعان مع كل ما قدمه من خدمات للأب والابن وآصف شوكت صهر الرئيس. ومع مرور الوقت تزايد عدد ضباط الفئة الأولى وأصبح معظم ضباط الجيش ضباط ارتزاق وليسوا ضباط جيش مهمته حماية الوطن. هؤلاء من سيعطون الأوامر بقتل المتظاهرين والمواطنين وقصفهم. ومن يُنفذ الأوامر يختبئ في إثمه في معظم الأحيان وراء مسؤولية من يعطي الأوامر كما جاء في اختبارات عالم النفس الأمريكي ميليغرام الشهيرة Milgrams test. ومن لا يطيع الأوامر يُقتل وهو ما حدث لأكثر من ألف جندي سوري في الأشهر الأربعة الأولى من الانتفاضة السورية، إلى أن أخذ الانشقاق طريقه حيث بدأت إدارة الأمور بطريقة مختلفة.

ومنذ منتصف الثمانينيات زادت سيطرة الأمن العسكري على الجيش وأصبح ضباط أمن الوحدات العسكرية القادة الفعليين للوحدات. وتعزز بناء القيادة العليا الفاعلة في الجيش، ضباط الأمن خاصة، على أساس المصلحة والمكاسب الشخصية مع استعمال عباءة الطائفية التي تُعرِّض كل من احتمى بها للمصير نفسه في حال عدم الاستماتة في الدفاع عن النظام. بلغت نسبة الضباط من طائفة الأسد أكثر من 85′ من مجموع ضباط الصف الأول القادة في الجيش السوري. وأحاط نفسه بحلقة من الضباط من أقربائه معززاً بذلك صفة الارتزاق أكثر لدى غالبية الضباط الذين أصبحوا رجال أعمال في لباس عسكري أو رجال ابتزاز في لباس رجال أمن. وشكل حُماة النظام بذلك شبكة من أصحاب المصالح المتداخلة تجمعهم ضرورة دوام النظام والدفاع عنه بهدف استدامة مصالحهم. فسقوط النظام يعني انكشافهم وتعرضهم للملاحقة والمساءلة والمحاكمة والزوال.

أما عملية التعبئة النفسية لعناصر الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري لجعلها وحدات تدين بدين الأسد ومستعدة للموت من أجله فقد ازدادت مع وصول الابن إلى الحكم، وهو ما أظهرته على مدى أكثر من عشرين شهراً دون أدنى تصدع، وهي لا تزال تردد: الأسد أو تدمير البلد وفي أماكن وجود هذه الوحدات، ووحدات أخرى اشتهرت بولائها للأسد، يُشاهد بالعين المجردة عبارات تأليه الأب أو الابن مكتوبة بالحجارة المرصوفة على التلال المحيطة بهذه الوحدات، ولا يُشاهد بالمقابل أي عبارة تشيد بالوطن! هذه الوحدات التي استلب منها كل دافع وطني، بإمكانها أن تُطلق النار على السوريين فعلياً، لأن العدو بالنسبة لها هو من عادى الأسد وليس من عادى البلد. وهي أكثر من شارك في العمليات العسكرية الجارية في سورية الآن، يشهد على ذلك عدد قتلى الجيش الذين يُحملون إلى قراهم الواقعة في جبال الساحل السوري أو غرب العاصي، التي فقد معظم بيوتها تقريباً ابناً أو أباً أو أخاً أو قريب.

ضمن هذا السياق لم يبق في الجيش رجالات تضمن استقلاله عن النظام، فلا أحد من الضباط القادة خرج عن الطاعة دفاعاً عن شعبه، ولم تتحرك أية فرقة من فرق هذا الجيش السبع عشرة للذود عن هذا الشعب وهم سيتابعون فعل القتل والتدمير حتى النهاية.

هذه حال جيش امتهن قادته الارتزاق فحولوا جيشهم إلى جيش مرتزق، وبغير هذا لا يمكن فهم كيف يقتل جيشٌ شعبه، وهو ما لم تفعله في التاريخ إلا جيوش المرتزقة أو جيوش السلاطين المرتزقة… لعل الجيش الحر يكون نواة لجيش للوطن وليس جيشاً لشخص أو عقيدة حتى لا تتكرر المأساة السورية ويعيد للجيش اسمه الناصع: الجيش العربي السوري.

‘ استاذ جامعي سوري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...