الرئيسية / صفحات الثقافة / سعدي يوسف و ‘الربيع العربي’: في امتداح الشيء وذمه!

سعدي يوسف و ‘الربيع العربي’: في امتداح الشيء وذمه!

 


باسم المرعبي

في ‘خَطَراته’ الأخيرة، ‘أي ربيع عربيّ هذا؟’، ـ أفضّل تسميتها خطرات، فهي ليست قصيدة ولم تُكتب بنيّة القصيدة ( ‘القدس العربي’ 6 ـ 5 ـ 2011 ) يرمي سعدي يوسف آخر أوراقه على طاولة اللعب.

المسألة التي تَصدّى لها هنا أوضح من الوضع العراقي الذي لعب عليه لسنوات، وإن كان هذا اللبْس لا وجود له لدى العراقيين ( مَن يريد منهم ذلك). الأمر في منتهى الوضوح هو إما ان تقف مع الناس أو مع قتلتهم، ومَن يريد أن يقف مع القتلة فسيؤلّف أو يجد ألف ذريعة وذريعة. في ما يخصّ الشأن العراقي.. نعم هناك احتلال بل أكثر من احتلال ـ فليس الأمريكي وحسب ـ وهناك حكومة تمثّل كلّ أنواع الفساد. وليس من متسع للدفاع عنها بأيّ حال. لكن أيضاً، هناك قتلانا في الشوارع في الأسواق في المقاهي في البيوت.

الانحياز يتوجّب أن يكون للضحايا فدماؤهم أبرأ وأزكى من أن نضعها تحت أي عنوان أو مسمّىً من أجل استدرار ضَرع التصفيق العربي واعجابه البائس.

في مُتّضح الأمور ليس ثمة ما يواري أو يبرّر ‘اثم’ معاداة العراق ـ الوطن وإن أطبقت عليه كل جيوش العالم. فالعكس هو الذي يصحّ ويجب، وإن كان ثمّة مَن يلتمس العذر لسعدي في حالة العراق مِن مُريديه. لكن وهو يشهر وقوفه في وجه الثورات الشعبية العربية لا أظنّ ان أحداً يستطيع نصرته أو هو ما ينبغي.

( لا أتحدّث عن العبيد طبعاً).

أجل ليس ثمّة من عذر لسعدي في معاداته الثورات العربية والسخرية منها على الشاكلة التي ظهرت بها كتابته تلك. إن وجِدَ من صفّقَ له من بائسين عرب وعراقيينَ بسبب خطابه المتعاطف مع تيارات القتل والجريمة في العراق التي لم نكد نتبيّن منها ‘مقاومة’ حقة، فإنه، هنا في موقفه الأخير، سينفضّ عنه الكثيرون وسيقولون لشيخهم لا نستطيع المضيّ معك أكثر من هذا؟ ( عدا العبيد طبعاً).

يقول سعدي عن أسباب التحرك العربي الذي أحرز حتى الآن أنصع ثورتين في تاريخ العرب الحديث هما التونسية ـ الشرارة ـ والمصرية التي تلقفت التجربة التونسية وطوّرتها بل أبدعت بها شأنَ ما يفعل اليابانيون مع ما يستمدونه من الصينيين وباللمسات اليابانية يستحيل الأصل الصيني الى أصل ياباني آخر. ليس هنا مجال الخوض أعمقَ في هذا التفصيل، أردتُ القولَ انّ العقل المصري سيحيل ما قبسه تونسياً الى أصل ومرجع بفعل الترسيخ والتطوير الذي يتدبره لثورته وبفعل ثقل مصر بطبيعة الحال.

الثورتان التونسية والمصرية حققتا مطلبهما الأساسي بإسقاط النظام. ولأجل تحقيق ذلك، أيضاً، في أوطان بائسة أخرى ثمّة الثورة اليمنية السلمية التي تزعزع الآن كرسي حاكم متهاوٍ آخر. والثورة الليبية المدمّاة التي قدّمت الآلاف على مذبح الحرية حتى اللحظة. ( ولا ينبغي نسيان الثورة البحرينية الموؤودة بفعل عوامل شتى اجتمعت عليها). وعلى ركام الخوف والبطش لحكم مخابراتي بامتياز هو الحكم السوري يتقدم الشباب، هناك، مكتسحين جدار الخوف لإعلاء صرح حريتهم المنشودة.

يخيّل اليّ انّ الخوف من سقوط النظام في دمشق هو الذي دفع سعدي الى كتابة ونشر خَطراته تلك. والا أين كان خلال ما يقارب الخمسة أشهر منذ بدأ انطلاق شرارة تلك الثورات التي سقط خلالها وتزعزع أكثر من نظام في سابقة عجيبة هي المعجرة بعينها؟ ومعروف ان سعدي ـ في سنواته الأخيرة خصوصاً ـ يكتب وينشر بأسرع ما يمكن فيمكن ان ينجز نصاً اليوم لنقرأه في اليوم التالي. إذاً أُعيد طرح السؤال عن انتظاره خمسة أشهر ليبتّ بحدث جَلل كهذا. ويسند ما أذهب اليه بشأن ‘تعاطفه السوري’ هو اتساقه مع الخطاب الذي يروجه النظام نفسه بشأن الممانعة والمقاومة!

وبالعودة الى نصّه، يقول: ( أي ربيع عربي هذا؟ نعرف تماماً أن أمراً صدر من دائرة أميركية معينة). لكن ما هي هذه الدائرة؟ وهل يمكن أن يستبدّ مثل هذا التفكير ‘الخرافي’ بعقلية شاعر واقعي، في اتجاهه، مثل سعدي يوسف المعروف بالقصيدة التسجيلية واليومية والبوستر أي ما يفترض ملامسة نبض الواقع بكلّ تجلياته. القول بأن الأمر صدر من دائرة أميركية، يصدق اذا صدق القول بأنّ البوعزيزي قد استلم بدوره الإشارة أو الأمر الأمريكي بإضرام النار في جسده!

أعَلى هذا رستْ واقعية سعدي؟

هذا استخفافٌ بالناس واستغفال لهم، هؤلاء الذين تغنى بهم طويلاً. فهل ثمة سخرية وانتقاص من الدم الذي أريق أو من روح الشباب الذين يواجهون الرصاص بقلوب عارية، أمرّ من ذلك؟ كلامه هذا يذكّرني باللقاءات المفبركة التي يعدها التلفزيون السوري للظفر بأجوبة تؤكّد الخطاب الرسمي البائس عن المؤامرة والذي لا يمكنه ان يخدع طفلاً. الطفل الذي يُطالب به سعدي في نصّه لـ ‘يقول الحقّ صُراحاً’.

لكن أيّ حق؟

يقول النص: ‘الفيسبوك يقود الثورة في بلدان لا يملك الناس فيها أن يشتروا خبزهم اليومي!/ هذا المدقع حتى التلاشي، الأمي، التقي…/ هذا الذي لا يستطيع ان يذوق وجبة ساخنة في اليوم./ هذا الذي يعيش على الأعشاب والشاي وخبز الحكومة المغشوش./ هل يعرف الانترنيت؟/ ومن هؤلاء القادة الفتيان؟/ عيبٌ والله!’

أهكذا تُنتعل الكلمات لقلب الحقائق أو تسفيهها؟ فلمَ لا يكون الفيسبوك هو وسيلة الاتصال الأحدث لتحقيق ما عجزت عنه المنشورات السرية التي طالما أشاد بها شعر سعدي وجيله. ماذا يعيب انّ أحداثاً جساماً، بحجم التغيير الحاصل حتى الآن، وقعت وستقع عبر هذه الوسيلة؟ لكن القول بأنّ الفيسبوك أداة مسخّرة لتدمير الاستقرار العربي هو ضحك صُراح ـ بلغة سعدي ـ على الناس.

ألا يستحق منه هذا الشيء الإعجاب بدلَ الذمّ و الغمز؟

بلى.. يمكن لسعدي ان يمتدح ذات الشيء ويذمه لكن في الوقت الذي يريد. كما في اشارته الى ‘الشبان الذين أطلّوا على العالم’ بـ ‘وسائل غير تقليدية’ وهو يتحدث عن الحراك العراقي في نص بعنوان ‘الحركة بركة’، مكتوب في آذار ( مارس) من هذا العام.

يريد سعدي أن يبدو منحازاً للمدقعين. والمدقع في اللغة: الفقير الذي قد لصق بالتراب من الفقر.

ولكن هل الانتصار ‘للمدقع، الأمي، التقي’، كما يسمّيه النص، يتمّ بالدعوة الى بقائه تحت جزمات المافيا المسمّاة حكومات عربية كي تبقيه يقتات الأعشاب والخبز المغشوش، بل حتى السمّ.

هل ‘اشفاق’ النص على الضحية يكون بالدفاع المستميت عن حكم المقاولين والسماسرة والشركات والأقبية المظلمة التي جعلت المواطن العربي ممتهناً وبائساً وضعيفاً ومذعوراً؟

على هذا لا يكون هؤلاء الذين يزعم الدفاع عنهم لاصقين بالتراب، فحسب، بل ما هو أدنى من ذلك.

في نزوعه الأخير كأني بسعدي يوسف يُناقض ويَنقض كلّ ما تغنّى به سابقاً من قيم الجمال والحياة وما يُديمهما.

كأني به يتخلى عن ‘البيرية الحمراء على شعر الفتى’ في ‘صباح الخير أيها الفاكهاني’، مثلاً، لأجل طاقية ‘المجاهدين’ الأفغانية الكابية وظلاميتها.

في السبعينيات حين كنّا نقرأ شعر سعدي يُخيّل الينا اننا نمتلك العالم وفي صدورنا يتنفس بيت المتنبي، كأننا نحن مَن عناهم بقوله: ‘أتى الزمانَ بنوه في شبيبته، فسرّهم…’

والآن ليس سوى المرارة تترع قلوبنا. وكأن سعدي الراهن وقصائده من مكمّلات زمن موحش، ناضب، منقبض ليستقرّ علينا ما تبقى من معنى عجز البيت السالف وتلتئم القافية: ‘وأتيناهُ على الهرمِ’ أو هرم بدون أل كما في رواية أخرى.

هل هو فعل الزمن؟ الذي أحالَ الجموح الذي كان عليه الشاعر وقصائده المتوثبة الى ركود وتحفّظ، ومحنّطات؟!

لكن هل يمكن للروح أن تنقلب؟

حقاً ‘ان التقدم قد يكون تقهقرياً والتقهقر تقدمياً’ حسب عبارة نيتشه.

‘ شاعر من العراق يقيم في السويد

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...