الرئيسية / صفحات الثقافة / سـقوط الثقافـة فـي جائـزة (الثقافـة) الروسـية

سـقوط الثقافـة فـي جائـزة (الثقافـة) الروسـية


منذر بدر حلوم

هي حادثة مفصلية في تاريخ الثقافة الروسية، أن يخص اتحاد كتّاب روسيا هنا والآن وعلى مرأى من الجميع- بجائزة تُمنح، منذ تأسست عام 2001 تحت اسم (جائزة الثقافة الإمبراطورية)، لشخصيات قدّمت مساهمة جليلة في بعث الثقافة الروسية. فما الذي يريد اتحاد الكتّاب بعثه في الثقافة الروسية عبر منحه الجائزة للأسد الوارث عن أبيه؟ هل يريد تذكير الكتاب الروس بواجبهم الوطني- مقاومة الهيمنة الغربية على طريقته!

يوم قرأتُ كلمات السكرتير السابق لمنظمة اتحاد الكتاب في مدينة فورونيج الغاضب من فكرة تسمية شارع باسم أوسيب ماندلشتام أو حتى تعليق لوحة تذكارية على بيت أقام فيه، لم أصدّق أن يجرؤ رجل خط بأصابعه المبدعة كتاب إعدام ماندلشتام عقاباً على مقطع شعري سخر فيه من شاربي ستالين..أن يجرؤ على التذكير بجريمته، ناهيكم بأن يعلن إعدامه الثاني للشاعر المغدور. ومع ذلك فعل! واليوم، لا أريد أن أصدّق أن تكون ذاكرة الكتّاب الروس قصيرة إلى هذه الدرجة. أم أنّ العلة ليست في الذاكرة ولا في الجهل بل في شيء آخر. العماء الأخلاقي ممكن أيضاً. وربما، أمكن رؤية انسجام فيما أقره الكتّاب مع ما يقره السياسيون الداعمون لنظام الأسد. لكنّ فهماً كهذا يزيد خسارة الثقافة خسارة، بل يعلن هزيمتها ويجعل الحاجة إلى استنهاض قيم الثقافة أشد وأكثر ملحاحية في روسيا، وإلا فإن روسيا في طريقها إلى ظلام دامس مديد أو دم حار وافر قريب.

ما الذي يبقى من روسيا إذا ما نُزعت قيمها الثقافية؟ (الانتلجينسيا) من هنا ولدت فأين الانتلجينسيا وأين (المحلّفون الإثنا عشر) الذين ينتصرون على عصبياتهم وعنصريتهم وقوالبهم وبالتالي عماءاتهم السابقة لطفل مظلوم في وجه آلة حرب شديدة البطش؟ لكأن الكتّاب لم يروا فيلم ميخائيلكوف أم أنهم رأوه وفهموه على طريقتهم؟ ولم يقرأوا صرخة يوري غالانسكوف:

هذا أنا

الداعي إلى الحقيقة

إلى العصيان

أمزّق طرقكم السوداء

المنسوجة من رياء،

ولا عناهم في شيء نداء تشيخوف «اعصروا العبد من ذواتكم قطرة فقطرة»، ولا مرارة أولغا بيرغوليس:

كم يخجلني يا مواطنيَّ،

الأحياء منكم والأموات،

أننا نمجّد أولئك

الذين كبّلونا بالأصفاد.

ولا عناهم ما كانت هذه الشاعرة تعرّضت له حين دعيت إلى التحقيق بعد اعتقال زوجها الشاعر بوريس كورنيلوف، ولم يكن قد أعدم بعد، وكانت حاملاً فداسوها هناك بأحذيتهم الثقيلة حتى أخرجوا الجنين من رحمها، ولا كأنّ هؤلاء الكتّاب سمعوا بإعدام ستالين للشعراء الشباب غوميليوف وماندلشتام وفاسيليف وكلوييف وكليتشكوف وسيميلياكوف ومارطينوف وزابولوتسكي وناربوت وبريبلودني وشيفتسوف وأوريشين وهيراسيموف وهارمس وكينيازوف..وكثيرين غيرهم، ولا أثّر فيهم انتحار ماياكوفسكي وتسفيتايفا من بعده، ولا أظنهم كان سيغيّر في قرارهم شيئاً لو قدّمت إليهم قوائم بأسماء المعتقلين والمقتولين السوريين؟!!

وكأنّ كتاّب روسيا لم يسمعوا أيضاً بما تعرض له أدباء كبار حازوا نوبل في بلادهم على يد نظام ورث نظام دمشق آليات القمع عنه وطورها وحدّثها! فهل هناك مهزلة أشد من محاكمة يوسف برودسكي على (ادّعاء) أنه شاعر، ومن إجبار باسترناك على التخلي عن جائزة نوبل ومن نزع الجنسية عن سولجينيتسن؟ أم أنّ ذلك كله طبيعي إذا نظرنا إليه من وجهة نظر منظمة (إبداعية) ساهمت في قهر المبدعين، وطردتهم من صفوفها بعدما أغنت ملفاتهم بما يكفي لتهجيرهم أو قتلهم؟ أليست ذات دلالة خاصة سخرية بولغاكوف في (المعلم ومرغريتا) من اتحاد الكتّاب؟ أم أن ما تعرض له الكاتب العظيم من ظلم وتضييق لا يساوي شيئاً في تاريخ الثقافة الروسي، أيها المحتفون بالقتل على الأرض السورية بعد أن أشبع آباؤكم الأرض الروسية بالموت لا بد من أنكم تذكرون أن الكسندر سولجينيتسن، حائز نوبل 1970 قد طرده آباؤكم من اتحاد الكتاب بعد نشره الأرخبيل 1969 واحتفوا بتهجيره وعائلته من البلاد وتفاخروا بأنهم لم يقرأوا الكتاب، كما جعلوا بوريس باسترناك يتبرأ من نوبل (1958) كأنها رجس، وطردوه من اتحادهم بعد نشر (دكتور جيفاغو)..ولمن منكم لا وقت لديه للذهاب بعيداً في التاريخ، فما زال فيكتور ييروفييف الذي طرده آباؤكم من الاتحاد عام 1979 لأنه كان واحداً من محرري الدورية (ميتروبول) التي لم تحصل على ترخيص أمني..ما زال حياً يكتب ويقدم برنامجه التلفزيوني، ومثله فلاديمير فَينوفيتش الذي طرد من اتحاد آبائكم 1974، لنشاطه في الدفاع عن حقوق الإنسان ولأشياء لم تعجبهم وردت في عمله الساخر (حياة الجندي إيفان تونكين ومغامراته)..أجل ولا تنسوا أن يوسف برودسكي، حائز نوبل 1987، طرده الذين ورثتم كراسيهم ليس لإبداع من اتحاد الكتاب ومن البلاد، وكذلك الكسندر غاليتش بعد صدور مجموعة من قصائده الناقدة في الغرب، عام 1971 فمات في منفاه!! ومن منكم لا يعرف آنا أخماتوفا وكيف طردت من اتحاد الكتاب، وكان زوجها أعدم وابنها اعتقل، وأمضت مئات الأيام على أبواب السجون ترجو رؤية ليف، ومثلها صديقها الكاتب ميخائيل زوشينكا وغيرهم كثيرون.. أم أنكم لم تقرأوا قصيدة أخماتوفا المعذّبة؟

الدون الهادئ يجري هادئا

هلال أصفر يدخل البيت

يدخل بقبعة مائلة على الرأس

يرى الهلال الأصفر ظلاّ

هذه المرأة مريضة

هذه المرأة وحيدة

زوجها في القبر وابنها في السجن

صلّوا من أجلي.

أو قصيدتها المتألمة على ماندلشتام؟

وفي غرفة الشاعر المغضوب عليه

يتناوب الخوف مع جنيّة الشعر

والليل يسير

الليل الذي لا ينبئ بالفجر.

وتصمتون، كما صمتَ آباؤكم في الحبر، وتشاركون كما شاركوا في تسهيل الاعتقال والقتل، هم على أرض وأنتم على غير أرض. الجلاد يشتغل في مكان، ويشتغل الكتّاب في مكان مواز. تجري في فضاءات أبنية الاتحاد المضاءة والمزينة بالزهور عمليات موازية لتلك التي تجري في الأقبية. الحبر هنا يعادل الرصاص. أم أنّ الوارثين يحبون الوارثين ويمجّدون، في السياسة وفي الكتابة الخادمة للطغيان؟

وليت علة الروس، كتّاباً وسياسيين، تقتصر على موقفهم مما يجري في سوريا. فالسوريون سينتصرون بهم ومن دونهم وسينالون حريتهم. لكنّ موقفاً أشد سوءاً سيشهده الروس ويشهدون عليه عما قريب، طالما أن قيم الثقافة تداس وتهان إلى هذه الدرجة. فما زال الوقت مبكراً على القول بحرية نالها الروس، بعد انهيار النظام الشمولي، بل هناك عودة إلى تمجيد القوة المفقودة التي سحقت البشر ولا زالت تسحقهم.

وللأسف، فإن الكتّاب الروس مانحي الجائزة، لا يرون تناقضاً بين إنكارهم صفة الضحية عمّن دخلوا السجون وعذبوا وأعدموا أو هجّروا في العهد السوفياتي، أو يعذّبون اليوم ويقتلون في العهد الحالي في سوريا، وبين إعلائهم من شأن أمثلة الحرية في ثقافتهم ومنها المثال الديسمبري. أجل، يستحق بوشكين المنفي كصديق للديسمبريين التقدير، وكذلك ليرمَنتوف مؤلف (بطل زماننا)، المنفي على قصيدة قالها في موت صديقه بوشكين يستحق الإكبار، وكلاهما جدير بالإعلاء من شأن مثاله. ولكن أمثالهما ممن تُنزع عنهم صفة الضحية جديرون بأن تراهم عين المثقف الإنسان، بل من واجب الثقافة أن لا تنساهم، وأن لا تناصر الظالم عليهم وعلى مثالهم، مهما بعدت الجغرافيا أو بعد الزمن. كتب ليرمونتوف عن موت بوشكين قتيل عهر القصر المتجسد بالضابط دانتيس، كأنما كتب ما كتبه صباح اليوم حيث لا يزال دم الضحايا ساخناً يسيل:

وأنتم أيها الورثة الرافعون أنوفكم

المعروفون بحقارة آبائكم الممجَّدين

يا مَن تدوسون باستعلاء

أشلاء شعبكم فرحين

أيها القطيع المحيط بالعرش

يا جلادي الحرية والإبداع والمجد

المختبئين تحت تبن القوانين

أمام عدالة صماء وحقيقة بكماء

بانتظاركم محكمة الله يا أبناء العهر

عدالة لا يغريها رنين الذهب اللماع

ويومها، لن يكفي دمكم الأسود

لغسل دم الشاعر الحق

فهل يكفي ما قاله الشاعر الحر ليرمَنتوف لغسل عار اتحاد الكتاب الروس؟ رصيد الحرية في تاريخ الثقافة الروسية يكفي لاحترامها على الرغم من كل ما يفعله بها وبالشعب الروسي اليوم حكّامٌ ورجال ثقافة مستبدون.

(كاتب سوري)

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...