الرئيسية / صفحات العالم / سـوريـــا بـيــن قعقعــة الســـلاح وأنيــن الإصـــلاح لا مصالحــة مــع «الإخـوان»…ولا مبـرر لغيـاب العـرب

سـوريـــا بـيــن قعقعــة الســـلاح وأنيــن الإصـــلاح لا مصالحــة مــع «الإخـوان»…ولا مبـرر لغيـاب العـرب

 


تقـريـــر مـن دمشـق

سامي كليب

هو زمن السلاح إذاً، زمن المجازر والاشتباكات في المناطق الريفية الزراعية. كم قتيلا سيسقط يوم الجمعة المقبل؟ كم قتيلا سقط في الأيام القليلة الماضية في منطقة جسر الشغور؟ التلفزيون الرسمي يتحدث عن «مجزرة» ارتكبت بحق قوى الأمن السورية. يتأكد خبر المجزرة في خلال النهار، تظهر صور قتلى المؤسسة العسكرية على الشاشات المحلية قبل الدولية. صوت القتال يصم الآذان، فتنكفئ بوادر الإصلاح، وتئن دمشق أمام مصيرها المجهول.

يحمل الرئيس بشار الأسد البندقية بيمينه وورقة إغراءات الإصلاح بيساره، فيميل الميزان، خصوصا بعد معارك حماه ومنطقة الشغور، نحو الحسم العسكري. لا بد من استعادة هيبة الدولة.

ماذا حل بسوريا وبشعبها العربي الأصيل؟ من يريد لوحدتها الوطنية أن تتفكك شيئا فشيئا لتغرق البلاد في أتون فتنة طائفية؟ أين هي الدولة التي كانت حتى الأمس القريب موئلا للهاربين من فتن الطوائف في لبنان والعراق؟ لماذا يهجرها العرب كما هجرتها مياه بردى؟ أين تتقاطع جبهة الإصلاح السياسي مع الجبهات الأمنية والسياسية والاقتصادية؟ لماذا يتأخر عقد مؤتمر وطني عام للإصلاح؟ لماذا تهافتت ضد سوريا كل هذه الآلة الدولية بينما بقي الغرب خجولا إلى حد الريبة حيال اليمن والبحرين، وهلل فرحا لقتل إسرائيل شبانا دغدغتهم أحلام العودة فقطعوا الشريط الشائك وقطعت إسرائيل شرايينهم.

يوما بعد آخر، يتأكد أن السلطة السورية انزلقت إلى فخ الأمن. ما حصل خلال الأيام الماضية في حماه ثم في منطقة جسر الشغور كشف عن وجود فعلي لتنظيمات مسلحة. وردت أنباء كثيرة عن ذبح وسحل واغتصاب. فاحت رائحة الانتقام الطائفي. خرج إلى العلن مخزون من الحقد التاريخي. ذكرت مصادر الأمن أن جنودا قتلوا وتم التمثيل بجثثهم. من أين جاء السلاح إلى تلك المنطقة المحاذية لتركيا. هل تركيا الرسمية أو بعض الأتراك أو بعض التجار عند الحدود يسهلون دخول السلاح؟ هل يتكرر عند الحدود التركية ما حصل عند حدود لبنان والأردن؟

تركيا تستعجل الإصلاح

تمتنع سوريا عن توجيه لوم رسمي لتركيا، ولكن العلاقات تراوح بين انقطاع ثم وصل ثم انقطاع. الاستياء السوري واضح ولكن دمشق تفضل كتمانه لضرورات الدبلوماسية وربما الأمن أيضا. يقول رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان للرئيس السوري في خلال المحادثة الهاتفية بينهما قبل فترة، «لا بد من تسريع وتيرة الإصلاحات، لا بد من الحديث عن الإفراج عن المعتقلين وعن حرية التعبير وعن قانون للانتخابات وآخر للإعلام»، يؤكد الأسد أن أمور الإصلاح تسير في الاتجاه الصحيح وان قانون الانتخاب سيصدر بعد 6 أشهر، يجيب اردوغان متسائلا: لماذا ستة أشهر، ربما ثلاثة تكفي! يحذر القيادي الإسلامي التركي من احتمال تكرار «حلبجة» في سوريا، يتحدث عن عدد قتلى يوم الجمعة، يصحح له الأسد العدد، يكرر اردوغان اقتراحه بالمساعدة وبإرســال فرق تقنية لتسريع وتيرة الإصلاح، تتخلل المكالمة عبارات الصداقة والأخوة والاستمرار في التعاون.

تمضي أيام قليلة على تلك المكالمة الهاتفية. ترد أنباء عن استعداد المعارضة السورية لعقد مؤتمر لها في انتاليا الساحلية التركية. يتدخل مسؤول سوري لسبر احتمال التأثير على تركيا بغية منع المؤتمر. يقترح مسؤول تركي أن يبقى المؤتمر على حاله، وان يأتي إلى انتاليا مؤيدون للنظام السوري بحيث يستطيع كل طرف أن يعبر عن نفسه. تصل الاقتراحات التركية إلى حد التبرع بنقل المؤيدين للنظام عبر طائرات تركية. تؤكد مصادر أخرى أن السلطة السورية لم تكن مهتمة كثيرا بمؤتمر انتاليا لقناعتها بهشاشته وبأن الخلافات بين المؤتمرين هي أكبر من أن تجعلهم يجتمعون على مبادئ مشتركة. تركز بعض وسائل الإعلام على غياب أي كلمة عن الصراع العربي الإسرائيلي في ختام المؤتمر. تشتم دمشق رائحة إغراءات من المؤتمرين للغرب الذي فتح الآن ذراعيه لأي معارض يريد الارتماء هناك. سرعان ما تنبري أصوات معارضة من باريس ترفض التدخل الدولي وتضرب بقفا اليد فكرة «SOS» سوريا وأحد داعميها الفيلسوف الفرنسي اليهودي برنار هنري ليفي.

يشتد القتال على بعض الجبهات. تؤكد المصادر الأمنية السورية أن الجيش جوبه بمقاومة شرسة في بعض قرى جسر الشغور. يتردد أن المسلحين المنتمين وفق التلفزة السورية إلى «تنظيمات مسلحة» سيطروا لفترات زمنية متقطعة على بعض القرى (وهي بالمناسبة قرى ذات غالبية سنية) وتحصنوا فيها واستخدموا أسلحة خفيفة ومتوسطة وقنابل.

تذكِّر عبارة «تنظيمات مسلحة» بثمانينيات القرن الماضي. هل تتكرر تجربة «الطليعة المقاتلة» التي قاتلت نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد مقدمة نفسها آنذاك كجناح عسكري لجماعة الإخوان المسلمين قبل أن يلفظها الإخوان أنفسهم ويتبرأوا منها؟ ربما.

ماذا يعني ذلك؟ يعني بكل بساطة أن السلطة السورية تنظر إلى الإخوان المسلمين كخطر أمني وليس كشريك مقبل في الحوار والإصلاح.

الدوحة والوساطة المقلقة

يتذكر دبلوماسي غربي في دمشق أحد أسباب التنافر بين دمشق والدوحة، ويؤكد أن القطريين عرضوا وساطة بين دمشق والإخوان. يذهب الدبلوماسي الخبير بشؤون سوريا إلى حد القول إن رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني اقترح أن يكون نصف الحكومة السورية من الإخوان المسلمين. ينفي مقربون من الدوحة ذلك، يقولون إن السياسة القطرية حيال سوريا هي التركيز على علاقة الاخوَّة وتقديم بعض النصح والاستعداد لأي وساطة إذا كان في ذلك ما يساهم في الحوار السوري ـ السوري، وان قطر رفضت وترفض أي تدخل عسكري دولي في سوريا.

ترشح معلومات عن اللقاء الدبلوماسي الذي نظمه سفير قطر في دمشق لنظرائه العرب، ودعا إليه وزير الخارجية السوري وليد المعلم. تفيد المعلومات بأن المعلم الذي انتقد أداء قناة «الجزيرة»، ركز على أمرين: أولهما أن سوريا تميز بين قطر و«الجزيرة»، ولكنها على يقين بأن «الجزيرة» ما كانت لتتصرف هكذا لو أنها لم تحصل على غطاء سياسي. يدخل سفير العراق على الخط مدافعا عن سوريا، ويكاد يتهم السعودية بتأجيج الصراع على الأراضي السورية.

الزمن السوري الحالي لا يسمح بتوجيه انتقادات إلى الأشقاء العرب. يذهب وليد المعلم في جولة خليجية. يحصل على دعم علني من دولة الإمارات بعد دعم مماثل جاء قبل فترة من البحرين. الوضع الاقتصادي السوري قد يتأثر ان طال زمن المواجهات. لا بد من توفير بدائل. السياحة شبه معدومة. حركة الفنادق تقهقرت الى ما دون 8 في المئة. بهوا فندقي الشيراتون وديديمان (ميريديان سابقا) شبه خاليين. رأس المال الذي كان يحرك الأسواق مصاب بالقلق. هذا أمر مهم في سياق الوضع السوري العام، كثير من رجال الاعمال واصحاب الثروات والمحال والشركات هم من السنة. ثمة من يقول ان هؤلاء هم سبب الهدوء في حلب ودمشق، فالاقتصاد شهد قفزات نوعية في عهد بشار الأسد. من يضمن المستقبل الاقتصادي خصوصا ان آلة الحصار الدولي تشتد؟ من يضمن ألا يتحول رأس المال نفسه صوب المعارضة إذا ما شعر أن مصالحه باتت مهددة مع النظام الحالي؟ لا بد اذاً من الاشقاء العرب. كان لوم وليد المعلم في اجتماع الدبلوماسيين العرب واضحا. قال صراحة ان سوريا وقفت طويلا الى جانب العرب في أزماتهم وانها عاتبة اليوم.

تحكي بعض المصادر الدبلوماسية في دمشق روايات عديدة عن ادوار سعودية مختلفة حيال الأزمة السورية الحالية. يشير البعض إلى جهات سعودية تساهم في تشجيع الانتفاضة على السلطة، يتم تقديم معلومات شبه موثقة عن اتصالات هاتفية بين جهات سعودية وعدد من قادة الحركة المسلحة. يشار بالبنان إلى جهات لبنانية دائرة في الفلك السعودي. يسارع دبلوماسي آخر لرفض هذه الاتهامات، ويقول انه ليس من مصلحة السعودية مطلقا انهيار النظام في سوريا. سيكون الطوق الثوري العربي حول السعودية خطيرا لو انهارت سوريا. احتمال انتقال العدوى السريعة وارد. يشير ثالث إلى خطاب الرئيس الأميركي باراك اوباما حين أوحى بأن بلاده تدعم الثورات العربية فهو لم يستثن أي دولة لا بل انه انتقد البحرين لكي يُسمع السعودية. معركة الخلافة هناك مراقبة بدقة من الأميركيين، الأمير نايف ربما يثير قلقا أميركيا لتشدده وقربه من المؤسسة الدينية، فلا بد من إعادة تلميع صورة بندر بن سلطان. يظهر الأمير بندر في مناسبات عديدة إلى جانب الملك. ما هي حقيقة مواقف كل واحد من القادة السعوديين حيال سوريا؟ لا احد يعرف بالضبط حتى ولو أن بعض الإعلام السوري انتقد في بداية المواجهات الأمير بندر.

لا مجال حاليا لانتقاد السياسة الرسمية السعودية. ربما الاطمئنان إلى الملك عبد الله لا يزال قائما. ومع ذلك ، فثمة عتب يمكن سماعه في دمشق حيال السعودية. يقال مثلا: «إن سوريا بادرت إلى رفع صفة الاحتلال عن دخول قوات درع الجزيرة العربية إلى البحرين، فوليد المعلم نفسه قال إن الأمر ليس احتلالا، ولعل دمشق لا تزال تنتظر موقفا سعوديا رسميا داعما لها في محنتها الحالية». يقال أيضا ان إيران نفسها كادت تعتب على الموقف السوري حيال البحرين لكن عمق العلاقة بين الدولتين يتخطى كل الاختلافات العابرة في وجهات النظر. يقول آخر ممازحا، لو أن سوريا اتهمت السعودية باحتلال البحرين لكان الأمر نفسه قيل عن الوجود السوري سابقا في لبنان.

وفي الحديث عن لبنان، تبدو سوريا بعيدة عن الجدل القائم في بيروت حول تشكيل الحكومة. يمكن أن يسمع المرء فقط تأكيدا على أن نجيب ميقاتي هو الذي لا يريد تشكيلها لأسباب مجهولة، تماما كما يسمع تشكيكا في التقلبات الأخيرة في مواقف رئيس جبهة النضال وليد جنبلاط، ولوما لبعض الحلفاء الذين يتحدثون باسم سوريا فيسيئون إليها أكثر مما يخدمون.

ماذا عن روسيا والصين؟ مشكورة مواقفهما في سوريا حاليا، وليس غريبا أن يتجاوب الرئيس الأسد مع إلحاح موسكو بشأن تسريع الإعلان عن مبادرات إصلاحية. لا يمكن فهم قرار العفو الأخير إلا في هذا الاتجاه. تريد روسيا من حليفتها السورية مبادرات لكي تساعدها في مواجهة الآلة الأميركية الأوروبية في مجلس الأمن. ربما حصلت مغالاة في تصوير المرسوم الرئاسي للعفو حيال الإخوان المسلمين. لم ينتبه الإعلام العربي والغربي سوى لهذه الفقرة رغم ثانويتها في العقل السوري حاليا. ولكن ماذا سيمنع روسيا من تغيير موقفها لو تغيرت المصالح أو لو سارت الرياح سريعا بعكس ما تشتهي سفن النظام السوري. لا شيء فمصالح الدول أقوى من مبادئها، وليبيا واليمن والبحرين خير أمثلة.

لا للإخوان المسلمين

قصة الإخوان المسلمين في سوريا حاليا ليست مطروحة على بساط البحث. لعل ما يظهر منها إنما يتعلق بالأمن وليس بالسياسة. ثمة شعور بأن جزءا من المسلحين الذين تحركوا في حماه ومنطقة جسر الشغور ينتمون إلى الإخوان أو يعبرون عنهم. لا أحد يؤكد ذلك علانية، ولكن الذي يمكن سماعه بشيء من التأكيد هو أن لا حوار حاليا مع الإخوان، وإنما الحوار مفتوح بالدرجة الأولى مع «المعارضة الشريفة» والأولوية هي لمن هم في الداخل. يقال إن رجب طيب اردوغان قال للأسد انه من الأفضل أيضا أن يلتفت إلى المعارضة في الخارج وان يمد جسور حوار معها. لم يُعرف جواب الأسد، ولكن ثمة من يسوق مقولات في دمشق تفــيد بأن بعــض الجسور قد مُدت لعودة بعض المعارضين الذين كانوا، بالأصل، يتــرددون على سوريا قبل فترة. يحكى عن اتصالات مع هيثم المنــاع في باريس، خصوصا ان هذا المعارض والمدافع عن حقوق الإنسان عــلى المستوى الدولي كان ساهم في الكشف صراحة عن اقتراحات وصلته لنقل أسلحة إلى منطقته درعا.

أما الأميركيون فلهم رأي آخر في موضوع الإخوان المسلمين في سوريا. تقول مصادرهم إن النظام السوري ربما يغالي في حجم القلق الذي يبثه حيال «الإخوان»، والمشكلة وفق المصادر نفسها أن مثل هذه المغالاة قد تقلب السحر على الساحر، بمعنى أن العمق السني في سوريا قد يجد في لحظة ما أن «الإخوان» يعبرون عن الرغبة في قلب النظام لصالحهم. يسارع أحد الإعلاميين المخضرمين المقربين من السلطة السورية إلى القول إن الصفقة بين أميركا و«الإخوان» قائمة منذ فترة، وان وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تحدثت عن ذلك صراحة… وان باراك أوباما قال إن بلاده مستعدة للتعامل مع كل من يؤمن بالديموقراطية. وانه كان يوحي أيضا إلى «الإخوان». يؤكد الإعلامي نفسه أن أميركا مدت جسورا مع «الإخوان» في ليبيا عبر المجلس الانتقالي، وفعلت الأمر عينه مع «حركة النهضة» في تونس، وها هي تفعل الأمر نفسه في اليمن وغدا لا شيء يمنعها من القيام بدعم «الإخوان» في سوريا.

لم يظهر حتى الآن أي مؤشر من قبل الإخوان المسلمين السوريين في الخارج على أنهم يطالبون بدعم أميركي، ولكنهم رفعوا مطالبهم إلى حد دمج المتشددين مع المعتدلين لجهة الرغبة في تغيير النظام. السلطات السورية تتابع بدقة هذه التصريحات والتحركات، تقول إن لها امتدادات أمنية على الأرض. يجري التركيز على الاحتواء الأوروبي وليس الأميركي فقط «للإخوان»، فهذا وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه يبدو أكثر وضوحا حين يدعو قبل أيام في معهد العالم العربي في باريس وخلال الندوة التي نظمتها وزارة الخارجية الفرنسية ودعت إليها شخصيات عربية بينها ممثلان عن «الإخوان»، إلى الانفتاح على الإسلاميين، ثم يقول بعد يومين: «إن الزعماء العرب خدعوا فرنسا حين صوروا الحركات الإسلامية على أنها شيطان. دعونا إذاً نتحدث الآن إلى الجميع، دعونا نتحدث إلى الإخوان المسلمين».

«فرنسا غيرت جلدها»… يقول احد المقربين من النظام، فحتى سفيرها في دمشق شوفالييه تعرض للتوبيخ حين حاول أن يشرح حقيقة ما يجري هنا، وتم اتهامه بأنه يروج للفكرة «البشارية»، أي لأفكار بشار الأسد.

يتذكر دبلوماسي غربي في دمشق أن وساطات سابقة حصلت بين الإخوان المسلمين ونظام بشار الأسد. يجري الحديث عن الراحل الشيخ فيصل المولوي أمين عام الجماعة الإسلامية في لبنان في بداية عهد الاسد عندما تحدث معه حول ملف «الإخوان» فوعده الاسد خيرا وقال له ان هذا من الملفات التي سيعالجها قريبا. (هذا ما أكده صراحة المراقب العام السابق للاخوان المسلمين السوريين علي صدر الدين البيانوني في حديث مع «الجزيرة» قبل 3 سنوات). يحكى أيضا عن الشيخ حارث الضاري أمين عام هيئة العلماء المسلمين في العراق، وكذلك عن الشيخ يوسف القرضاوي. نعم القرضاوي حاول سابقا التوسط في موضوع الاخوان المسلمين ولكنه صار اليوم «شيطان» تلفزيون «الدنيا»، لانه شجع المنتفضين على النظام السوري. وثمة من يشير أيضا إلى الراحل فتحي يكن ودوره في الوساطة.

الفتنة والشبيحة

كل ذلك لم ولن يسفر على الأرجح عن شيء. إن أي تنازل من قبل السلطة السورية حاليا للإخوان المسلمين يعني التمهيد لإزالة النظام الحالي إن لم يكن بالفتنة فبالانتخابات. ثمة من يقول إن الهدف الأول والأخير من محاولات الفتنة الطائفية هو إظهار الطائفة العلوية على أنها العدو بغية إثارة الحساسيات السنية تماما كما حصل سابقا في خلال الضرب في لبنان والخليج على الوتر السني الشيعي.

القلق واضح إذاً من هذه الفتنة. كيف لا وبعض الروايات التي يتم تداولها علانية في الوقت الراهن بين السوريين تقول انه في بعض المناطق المختلطة بين السنة والعلويين دخل مسلحون يقولون في وضح النهار «المسيحيون إلى بيروت والعلويون إلى التابوت». ووفق مصادر أمنية فإن بعض التمثيل في جثث الجنود والضباط انما يتم على هذا الأساس. يرد البعض على ذلك بالقول ان «شبيحة تابعين للنظام فعلوا الشيء نفسه»… روايات الأمن تبقى على الأقل حتى الآن غير قابلة للتحقق وسط استمرار سياسة إبعاد الإعلام عن مناطق المواجهات، ولكن الأكيد انه في منطقة جسر الشغور تم ربط بعض الجنود بالسيارات وسحلهم ورمي آخرين في النهر والتمثيل بجثث وسط شعارات طائفية.

الأمن أولا

ماذا بعد؟ هل يمكن الاستمرار في الوضع الأمني على نحوه الراهن؟

«لا بديل لدينا في الوقت الراهن» يقول احد المقربين من النظام، فالسلطات التي سارعت قبيل الأحداث في سوريا إلى احتواء المشاجرة التي حصلت في حي الحريقة في دمشق بين ابن تاجر ورجل شرطة وحسمت الأمر لصالح التاجر وابنه، وجدت نفسها لاحقا أمام انتشار مسلح في بعض المناطق وتحد لهيبة الدولة وأمنها. وحين يقال إن السلطة هي التي بدأت بالإثارة حين تم تعذيب أطفال في درعا لمجرد كتابتهم شعارات صبيانية مناهضة للنظام، وان «شبيحة» دخلوا إلى بعض المناطق وساهموا في تعزيز الشعور الطائفي قبل غيرهم، يأتي الرد سريعا بأن «بشار الأسد لم يشأ مطلقا استخدام الأمن ضد سوريين في الداخل، ولكن الاختراقات المسلحة التي واجهت الامن في مناطق حدودية، والوثائق والمكالمات التي تم ضبطها، اشارت الى ان الامر لا علاقة له بالاصلاح بل بزعزعة الامن، فكان لا بد من اللجوء الى الوسائل الامنية».

يحكى كثيرا عن القلق والبلبلة اللذين سيطرا على بعض الأجهزة الأمنية في بداية المواجهات. فسوريا كانت مطمئنة جدا إلى وضعها الداخلي، واللافت أنها برغم قواتها العسكرية الكبيرة، فليس لديها أجهزة لمكافحة الشغب. قيل إنها استفادت من تجربتي تركيا وإيران في هذا المجال ولكن الأمر اقتصر على النصح من طهران ومعدات من أنقرة، وهذا ما جعل الأميركيين يتهمونها بالاعتماد على إيران.

أما سياسيا ودبلوماسيا فكل الهياج الدولي ضد سوريا لا يجتاز على ما يبدو الحدود. يتضح يوما بعد آخر أن الأولوية هي للحسم العسكري. لا لغة اليوم غير لغة السلاح ما دامت كل عروض الإصلاح لم تنفع في تهدئة الأوضاع. تزداد السلطة السورية اقتناعا بأن ثمة «تنظيمات مسلحة ومدربة على نحو عال» تقاتل بشراسة لخلق مناطق معزولة بحيث يعجز الجيش عن اختراقها. ما جرى في جسر الشغور بعد حماه عزز الخيار الأمني عند السلطة. لا بأس أن تستمر مسيرة الإصلاح، ولكن الأولوية للأمن حتى ولو صار العالم كله ضد النظام. هيبة الجيش على المحك، وكذلك هيبة الدولة برمتها. لا بد من كسر شوكة المسلحين. وما حصل في درعا وتلكلخ وتبليسي وبانياس ليس شيئا أمام هول ما حصل في منطقة جسر الشغور. اكتشف الأمن السوري انه أمام آلة عسكرية كاملة. تذكر بعض قدماء السوريين الهجوم الذي شنه مسلحو الطلائع المقاتلة الإسلامية في ثمانينيات القرن الماضي ضد ثكنة عسكرية. هل يتكرر الأمر؟ السؤال بحد ذاته مخيف. آنذاك غرقت البلاد في حمام دم خطير. دفعت حماه الثمن غاليا، وكاد حافظ الأسد نفسه يقتل. لا مجال إذاً لترك المسلحين يهربون من تلك المنطقة ليتحصنوا في غيرها. لا بد من الحسم مهما كلف الأمر، مهما كانت النتائج على المستويات الأمنية والدبلوماسية وغيرها.

الهاجس: هيبة الدولة…

باتت استعادة هيبة الدولة هاجسا حقيقيا. ثمة أمور بسيطة في دمشق تحصل وتوحي بأن هذه الهيبة قد اهتزت. انتشرت بسطات البضائع في عدد من شوارع دمشق. برزت ظاهرة البناء العشوائي في بعض الضواحي. استعاد بعض السائقين آفة اجتياز إشارات المرور الحمراء. يمكن بسهولة ملاحظة الدمشقي حاملا هاتفه ويتحدث أثناء القيادة. كانت كل هذه الأمور ممنوعة بفعل القانون وهيبة الدولة.

الأولوية إذاً هي لاستعادة هيبة الجيش والدولة، ثم لكل حادث حديث. هنا بالضبط يكمن لب المشكلة لا بل المأزق في سوريا، فالوقت لا يلعب لصالح نظام الأسد وصورته. الأوضاع الأمنية تهدأ في منطقة لتنفجر في أخرى. انكسر حاجز نفسي أمام المنتفضين. دخل مسلحون على الخط. ازدادت الفتنة الطائفية على نحو يثير القلق. صارت المعارضة قادرة على رفض دعوات الحوار. ولكن هنا أيضا ينقلب السحر على الساحر، فعن أي معارضة يجري الحديث، هل ما شاهده السوريون في انتاليا ثم بروكسل هو ما ينشدونه لدولتهم؟ هل الشيخ عدنان العرعور ودعواته الطائفية بامتياز تعبر عن وجهة نظر الاكاديمي العروبي المثقف برهان غليون؟ هل تعبر عن المعارض المحترم ميشال كيلو، هل تتوافق مع الطروحات العقلانية العميقة لحسين العودات؟ هل تمثل طموحات التغيير التي ينشدها عارف دليلة ومأمون الحمصي وفايز سارة المعارضين السوريين؟ قطعا لا. فهؤلاء حريصون على دولتهم ومستقبلها ويريدونها افضل واكثر حرية وديموقراطية. «فليعبروا اذاً عن رفضهم للسلاح وللعرعور وجماعته» يقول اعلامي سوري.

مخاض المعارضة السورية لا يقل في الواقع اهمية عن مخاض السلطة. فالدول الغربية التي ما دعمت ثورة او معارضة الا وقتلتها وقسمت بلدها، تحاول ان تغري المعارضة السورية، ولكن لحسن الحظ ان بعض المعارضين السوريين في الخارج هم عروبيون وممانعون ومناهضون لإسرائيل وأميركا وينشدون اصلاحا وتغييرا لتحسين حياة مواطنيهم ونشر الديموقراطية الحقيقية، ولكن اللافت هو هذا المزج العجيب القائم حاليا بين كل اطياف المعارضين والمنتفضين والمندسين. لا بد للمعارضة اذاً من ان تعبر عن نفسها بطريقة أفضل، لربما يسهل الحوار معها، او يتم إيجاد قواسم مشتركة تقنع السلطة من جهة بأن المعارضة تريد اصلاحا لا قلبا للنظام وتقنع المعارضة بأن بشار الاسد لا يزال مؤمنا بالاصلاح، حتى ولو ان الاجهزة الامنية تضغط أكثر باتجاه الحسم العسكري قبل المضي قدما في هذا الاصلاح.

الصورة قاتمة فعلا في سوريا. والعرب كعادتهم في نوائب كهذه ينقسمون بين فرح حيال ما يحصل وشامت ومتآمر او متعاطف بخجل. سيسعى النظام بكل قوته للبقاء واجتياز هذه الفترة العصيبة، وهو لا شك سيقاتل بأظافره واسنانه كلما اشتدت المخاطر. مصير النظام على المحك. وسوف يواصل مناهضوه التحرك شعبيا وعسكريا على الأرض اقتناعا منهم بأن الفرصة السانحة حاليا لن تتكرر. كل شيء يوحي بدم كثير قد يبلل حتى الاوراق التي كتبت عليها وعود الإصلاح. ولكن السلطة تبدو واثقة من أن الزمن الأمني لن يطول، وانه ما ان يتم تثبيت الامن و«قطع رأس الافعى» (وفق برنامج وثائقي بثه التلفزيون الرسمي) حتى يكون الاصلاح قد قطع شوطا بعيدا …

من سيفوز في السباق، الدم أم الاصلاح؟ تبدو المواجهات هي الطاغية حاليا، ولكن الدائرين في فلك النظام يؤكدون ان ثمة اوراقا كثيرة اخرى لم تلعب بعد، حتى ولو انهم هم انفسهم يقولون ان اجتياز الشريط الحدودي عند الجولان امس الاول لم يكن من بين هذه الاوراق ولم يحصل على موافقة مسبقة من السلطة. صدق او لا تصدق.

بالامس القريب كان السوريون، وخصوصا بعد حرب 2006، يأملون بأن تكون استعادة الجولان قريبة، وها هم اليوم ينشدون استعادة الوحدة المترنحة بين قعقعة السلاح وأنين الإصلاح. والغد لا شك مجهول عند الشعب الذي ما ألمت بالعرب نائبة الا وكان قلبه ينبض على وقع قلوبهم.

السفير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

2 + 5 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...