سكسفون

 


نهاد حلبي

الآن أصبح بالإمكان إسترجاع شريط الصور لذلك اليوم بعد أن هدأ الطنين في الرأس, مُختَرَقين  بتلك الكثافه للصوت والصورة معاً  في حالة من التوافق والتنافر.

ها هم  يمارسون طقساً جماعياً خلف السد التُّرابي كما لو كان “دبكة” فلكلوريه,تنحني الهامات فتميل تضامناً.. سيقان السنابل البرّيه بإتجاهها وقد أثنتها النسمات…تنتصب الهامات لتنتصب أعواد الخافور والسيسبان …رقصة جميله على وقع أزيز الرصاص المتقطّع طبقاً لظهور أول رأس خلف الساتر الترابي.. يعدّلون من جلستهم ..يلتفتون يمنة ويسرى كما لو كانوا أصحاب مصير واحد..يركعون جماعة ,تلتصق الجباه بتراب وحصى قد أُهيل حديثاً لخندق حفرته الجرّافات بعد العبور الأول.

يصعب تمييز الأفراد من تلك المسافه ,لربما هناك من أخذه الطمع في تكرار التجربه ممن نجحوا في الوصول إلى البلده المُحتلّه وعادوا للتأكد من المسافة الفعليه بالأمتار إلى طبريا …وقد أُصبتُ بعدوى قياس المسافات ……. طبريا ..عبلّين …الناصره ……حيفا …يافا .

طبريا وشاطئها الليلي الحالك إلاّ من أضواء المدينه وأبراج مستوطنيها ومفرقعات إستقبال العريس تشعُّ في فضاء الشاطيء وما أن تخبو حتى تتناوب تلك القناديل المُضاءه على وقع الموسيقى بتقنية “الليزر” لتصفع بنورها بقايا شواهد وحيطان لأبنيه بازلتية.. الأحجار مجاوره تومىء بلحظها الأسود ..ذكريات شبه ميته ظاهراً, تتململ تحت وقع السؤال ……….كم تبعد طبريا من هنا ؟؟؟؟ لراقصي “دبكة” العوده واختراق  خط وقف إطلاق النار.

يقفز في المسافات الضيّقه بين الطاولات ببذلته الحريريّه وبطنه الناتيء بوضوح تحت القميص ..يعلو ويهبط ورتابة الهواء المنفوخ في آلة “السكسفون “…,العازف اليهودي يتجول بين الأزواج والعشّاق ليستجدي التصفيق عند آخر زفير قاءه في فم الآله..في حين شغلتني قليلاً ميوله السياسيه بين يساري أو متطرف..وهل سيقوى على الإستمرار في العزف والنفخ في بوقه العجيب لو أخبرته عن النقّاله البرتقاليه و”السيسبان ” الراقص حامل الأرواح الصاعده ؟؟.

الألوان هنا على شاطيء طبريا أكثر زهوّاً..مقارنة بألوان ملابس ووجوه العابرين برفقة الرقعه الخضراء للأعشاب البرّيه بعد أن سكنتها السحالي والدبابير لأكثر من أربعين عاماً…إلاّ من نقّالة برتقاليه من الخندق الأبعد للأقرب….تتزحلق برشاقه فوق الحصى ليلتقطها من في المقدّمه ويهدأ الرصاص ريثما ينقلون المصاب .”هيلا هوب”حملوه….عدّوا الشهداء ..نفذت أصابعكم إستعيروا أصابع الجيران ..هناك الكثير منها.

ينقطع أزيز الرصاص في  حالة من  إنضباط أخلاقي لمُطلقيه أمام الكاميرات والسلطه الرابعه…ليعاودوا الكرّه في اجتراح المزيد من البطوله وتحدّي الرّصاص الحي…غبيّة كانت أم ذكيه تلك الأسباب ..لا يهم..الآن أنت تسلّم برئتيك أو شغاف قلبك  ورأسك المليء بالحب والذكريات والشهادات الجامعيّه ,أمك ..وطفلك على وشك الولاده….تهبها “للعوزي”تلك الثقّابه المجنونه ..والهمجيّه…في حين لم تخض بعد..ذلك الإمتحان مُسبقاً واختبار الألم..فلا بد من دافع خرافي لتواجه إحتمال ثقب تافه في جسدك ينهي حياتك والعمر الذي عشت ولم تعش ..حتى ألحّ السؤال من أين يُقتل الإنسان ومن أين يُجرح؟؟؟..نريد قائمه بتلك المواضع في الجسم من أطباء محايدين…..وها هو يخرُّ صريعاً بأبعاده الثُّلاثيه….وفي حضرة سينما دون سيناريست أو مخرج مع ممثلين وكومبارس غير مدربين هناك فيلم مجاني من وحي الآفتار تشاهده قسراً….وبحق العشب الأخضر وزهور الأقحوان التي تطل خلف السياج الشائك ..هل من ترجمه؟؟.

من السهل ترجمة غابه من السيقان اليافعه والكعوب العاليه وتنانير ال” الميني جوب”تتحرّك مدفوعةً بوقع أغاني هابطه ونصف هابطه لفتيات  هُجّرت جداتهن من قرية “سحيتا” في ال 67″ وذلك العتب يفوح من قبور راعيات الماعز  مع فقدان الحلقه والمسافه المريعه ..لماذا الجدات ؟؟يمكن القول بأن هناك بقايا لأصابع الجدّه بين الظفائر المجدوله بعنايه فائقه كفرس بريه على وشك الترويض وغطاء مربوط بقوه تحت الذقن ليزحل عن الرأس عن أول “تصوينه”سور أتوارى خلفه مغادرة بلدة الجدّه إلى “الضيعه”, إذاً لا يزلن يقعين في أعماقنا…..وبين هذه  وتلك

تُجرُّ زجاجات الويسكي كالذبائح من رقابها إلى الطاولات ..تُسفح بمزيد من النهم ,تؤخذ من أعناقها جماعة وليس على نقّالة برتقاليه مع أصوات التكبير والترحُّم …النبيذ أفضل …أكثر رفعة فهو لا يُجرُّ من عنقه او هكذا يُخيًّل إلي.

عازف “السكسفون “مجدداً..يتحرّش بالعروسين ويدسُّ مقدمة بوقه بجوارهما.. وبعض الراقصين ,يعزف للشرقيين لحناً غربياً..يستجدي التصفيق كبهلوان فاشل  في سيرك أو كإوزّة مذعورة  شردت عن سربها…يعلو الدخان حولهما ,العريس يمسك بالعروس من خصرها …يحملها ..يدور ..ويدور.. ويلفُّ ,يغيبان….وتدور الأرض تحت قدميهما كما دارت تحت قدمي أول وآخر صريع  بالرصاص قبل سويعات لم يجف دمه بعد.

لم يبقى إلاّ السماء لتجنُّب هذه الوحشيّه وهذا التنافر.. ..هروب للأعلى في البصر والوجدان ,لتبدو  حالكه ..فضلاً عن  مسخ مجهول المعالم , يكرع الويسكي على وقع أزيز الرصاص …الأجساد المُجندله وسيقان “الميني جوب”…فالخامس من حزيران لهذا العام كان وحشيّاً بإمتياز.

هو :نخب الوحشيّه…فاشربوه

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 79 = 82

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...