الرئيسية / صفحات الحوار / سمير عيطة: انتهت قصّة “سوريا الأسد”

سمير عيطة: انتهت قصّة “سوريا الأسد”


 ·        قرار الحسم العسكري، كان قمّة الجنون.

·        الأسد وضع نفسه منذ خطابه الأوّل كجزء من المشكلة لا كجزء من الحلّ.

·        التدخل العسكري الأجنبي مرفوض من الشعب السوري.

·        الربيع السوري يشكل مفترق طرق بالنسبة للربيع العربي.

·        صعود أو نزول تيار الإسلام السياسي يتوقف على قدرته على الوفاء للحراك الشعبي.

·        الزمن الاجتماعي في الربيع العربي أسرع بكثير من الزمن السياسي.

إسلام أون لاين – خاص

الجزء الأول

اعتبر الكاتب السوري د. سمير عيطة، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك، ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب أن قرار النظام السوري بالحسم العسكري، كان قمّة الجنون، ودليلا على عدم فهم لصلب هويّة الحراك الاجتماعي وعمقه.

 وقال في حوار مع ” إسلام أون لاين ” الأربعاء 17-8-2011 – ننشره على جزءين- إن التسونامي الشبابي الاجتماعي هو ظاهرة عميقة، لا يمكن “الانتصار” عليها عسكريّاً، مؤكدا في الوقت نفسه سلميّة الحراك الشعبي ونبذ التسلّح والجماعات المتطرّفة، وعن قوة البلاد ورفض التدخّلات الأجنبية، قال إن الشعب السوري يرحّب بكلّ من يدعم قضيّته بضغوط سياسية ودبلوماسية، في حين يرفض التدخّل الذي يمسّ بسيادته، وفيما يلي نص الحوار:

الحسم العسكري

·        بداية ، كيف ترى الأمور الآن في سوريا على ضوء حسم النظام أمره باتجاه الحل الأمني واجتياح حماة ودير الزور واللاذقية بالدبابات ؟

بعد أيام قليلة مما سمي المؤتمر التشاوري للحوار الوطني، قرّرت السلطة حسم الأمور عسكرياً من خلال هجوم واسع متزامن في كلّ أمكنة انتشار انتفاضة الشعب السوري، وإطلاق شبيحة القمع على نطاق كبير. المؤتمر التشاوري، وبيانه الختامي، ومواقف القوى والشخصيات التي شاركت فيه، كما تلك التي لم تشارك، أظهروا كلّهم أن الأمور ستذهب حتماً إلى تغيير السلطة كما هي قائمة اليوم. انتهت قصّة الحزب “القائد للدولة والمجتمع”، وانتهت قصّة “سوريا الأسد”، إذ هناك توافق أساسي بين مجموع المكوّنات الاجتماعية والسياسية، للحديث فقط عن “الجمهورية العربية السورية” كنظامٍ جمهوري يجب إعادة تأسيسه على أسس تعدديّة ديموقراطية يحمي الحريات والحقوق.

حتماً السلطة غير مستعدّة بأي شكلٍ كان للتخلّي عن كونها سلطة فوق الدولة. ولا تقبل أجهزة الأمن أن تتخلّى عن هيمنتها. ولا قيادات الحزب أو الجبهة أو النقابات أن تفقد مزاياها. بالتالي تمّ إذاً إغلاق موضوع الحوار، والتحضير للهجمة العسكرية. وكان حساب السلطة هو التالي: أنّها إذا قضت على الحراك في أوجه، أي خلال شهر رمضان، فسيخضع مجمل مسار الحراك الاجتماعي والسياسي لما تراه هي: أي مخرج على طريقة مصر قبل ثورة يناير.

لكن قرار الحسم العسكري، كان قمّة الجنون، ودليل على عدم فهم لصلب هويّة الحراك الاجتماعي وعمقه: فالتسونامي الشبابي الاجتماعي هو ظاهرة عميقة، لا يمكن “الانتصار” عليها عسكريّاً. الحلّ هو بالطبع حلّ سياسي – اجتماعي، لن يؤدّي اشتداد القمع إلاّ إلى جعله أكثر صعوبة، مع المخاطرة بإضعاف البلاد داخليّاً وأمام القوى الخارجية، ومع المخاطرة بفتنة طائفيّة وتدخّل خارجي. فماذا بعد أن تحتلّ الدبابات كلّ الساحات العامة؟ وماذا بعد أن يزجّ بالجيش في معركة لا معنى لها ضدّ شعبه؟ وماذا بعد فقدان كلّ الأصدقاء خارجيّاً، فما بالك بالأعداء؟

هكذا أخذت السلطة المجتمع السوري، وسوريا كوطن، ومجمل المنطقة، رهائن لبقائها. وهذا بحدّ ذاته جريمة، كما القتل والتعذيب ودوس الكرامات.

التدخل العسكري الأجنبي مرفوض

* وكيف ترى قرار مجلس الأمن الأخير .. وماهي الخطوات التي يمكن أن تتخذها المعارضة على ضوء هذا القرار ؟

ما صدر عن مجلس الأمن لم يكن قراراً، بل بياناً رئاسياً. يشكّل ورقة ضغط على السلطة في سوريا، ويشدّد عزلتها الدولية، ولكنّه يخشى أن يكون تحضيراً إلى أنّ تكون الخطوة التالية هي قرار من المجلس يسمح بتدخّل عسكري أجنبي في سوريا. هذا الأمر مرفوض من الشعب السوري الذي قرّر أن يسطّر طريق حريته بنفسه وبسبلٍ سلميّة دافعاً التضحيات اللازمة لذلك. فهو يعرف أنّ ثمن التدخلات الخارجية باهظ، إن كان في العراق أو اليوم في ليبيا حيث أعداد القتلى عشرات أضعاف ما في سوريا. وهو يعرف أيضاً أنّه عندما ستأتي هذه التدخّلات، حتّى بحجّة الإنسانية أو الديموقراطية، فإنّ الثمن سيكون فقدان البلد لسيادته ولتقرير مستقبله. الشعب السوري يرحّب إذاً بكلّ من يدعم قضيّته بضغوط سياسية ودبلوماسية، في حين يرفض التدخّل الذي يمسّ بسيادته.

الشعب السوري شعب واع، وقد أسقط حتّى الآن محاولتين قام بها أناس يسمّون أنفسهم “معارضين”، تارة للدعوة لقرار من مجلس الأمن، وأخرى لطلب منطقة عازلة تقيمها تركيا داخل الأراضي السورية. وقد رفض الحراك الشعبي بوضوح مساعيهم. حتّى أنّك ترى مراعاة لهذا الرفض في نص بيان مجلس الأمن نفسه. لكن المهمّ هو ماذا ستكون الخطوات التالية من القوى الخارجية إذا ما استمرّت الأزمة بالتعمّق؟

من ناحية أخرى، لا يمكن قراءة الأمور في سورية على أساس معارضة وموالاة، بالمعنى السياسي لهذين التعبيرين. هنالك كما في كل بلدان الربيع العربي حراك اجتماعي يواجه سلطة استبدادية وأزلامها. وهناك قوى سياسية وشخصيات معروفة، تختلف مواقفها حسب دعمها للحراك أو تخوّفها من تداعياته، أو أيضاً الأمل في أن يقود الرئيس السوري عملية التغيير. إلاّ أنّ هذه الفئة الأخيرة قد أصبحت قليلة جدّاً اليوم، لأنّ الرئيس ذاته قد وضع نفسه منذ خطابه الأوّل كجزء من المشكلة لا كجزء من الحلّ. ولكنْ هناك أمور هامّة أخرى تثير خلافات جوهريّة ضمن هذه الفئات الثلاث: الخطاب والممارسة الطائفية مثلاً، فهناك طائفيّون بين من يدعم السلطة، كما هناك من يدعم الحراك الشعبي بدوافع طائفيّة. وهناك أيضاً من يريد تدخّلات خارجية حالماً أن يأتي إلى السلطة عبرها. وكما أنّ هناك من ينبذ الحلّ الأمني بقوّة حتّى ضمن أجهزة الدولة وحزب البعث والجبهة الحاكمة، هناك في المقابل من يريد أن يحيد الحراك الشعبي عن جوهره السلمي ويثير الفوضى. الطيف واسع جدّاً في جميع الفئات، ضمن الإسلاميين كما ضمن العلمانيين، ضمن سوريي الداخل كما أولئك في الخارج.

وما يهمّ بالنسبة لسورية، كما أرى، هو بروز تيار وطني لا يدعم فقط الحراك الشعبي بصلابة نحو الحرية والكرامة، بل أيضاً يدافع عن قيم “الدين لله والوطن للجميع”، وعن سلميّة الحراك ونبذ التسلّح والجماعات المتطرّفة، وعن منعة البلاد ورفض التدخّلات الأجنبية، وعن صون مؤسسات الدولة السورية وخاصّة الجيش الوطني عن الانقسام. وأنا متأكّد أن هكذا تيار يمثّل تطلّعات معظم أبناء الشعب السوري والحراك الاجتماعي.

بيان مجلس الأمن إذاً هو نذير لخطورة الأوضاع، ولضرورة أن يبرز هذا التيار الوطني الأصيل بقوّة، ويفرز حول هذه القيم الأساسية بين من يدّعي دعم الحراك الشعبي ومن يريد له أن ينتصر لحريات وكرامة كلّ السوريين من دون استثناء. كما يدفع إلى الفرز حتّى ضمن أجهزة الدولة وحتّى السلطة الحالية بين من تلطّخت أيديه بالدماء وبين من يريد حماية البلاد من المخاطر التي تتهدّدها. في هذا السياق، لا معنى للنداءات لتوحيد “المعارضة”، بلّ المطلوب هو الفرز ضمنها وبروز هذا التيار الوطني بقوّة، مع العمل على صياغة عقد وطني لسوريا المستقبل يلتزم به الجميع. وبرأيي هذا ما سيصنع انتصاراً سياسياً للحراك الشعبي.

المواقف العربية

في الاتجاه ذاته كيف تنظر إلى المواقف العربية الأخيرة.. وما هو سبب تغير موقفها أخيرا برأيك؟

 انبعث الأمل لدى جميع الشعوب العربية في الربيع والنهضة الجديدة، خاصّة بعد انتفاضتي تونس ومصر. وجميع الشعوب العربية تدعم انتفاضة الشعب السوري ووطنيّته وسلميّته وتضحياته، وتتمنّى له أن ينجح في الوصول حتّى إلى أبعد مما وصلت إليه ثورتا تونس ومصر، وأن ينأى بنفسه عن المسار الليبي. الربيع السوري يشكل إذاً مفترق طرق بالنسبة للربيع العربي.

أمّا الحكومات العربية، فهي محرجة أمام التطوّرات السورية. فهي لا تريد للربيع العربي أن ينتشر إليها، ولكنّها لا تستطيع الوقوف صامتة أمام القمع الدامي، في الوقت الذي يطمح بعضها لتصفية حسابات قديمة مع النظام السوري. ويمكن هنا التساؤل، هل ستدعم هكذا سلطات مخرجاً للانتفاضة يحقّق تقدّماً حقيقيّاً لرسالة قيم الوطن والمواطنة التي يأتي بها الربيع العربي؟ أشك في ذلك، إلاّ إذا فرض الشعب السوري الأمر. في المقابل، هناك تخوّف لدى بعض الحكّام العرب من انفجار الوضع في سوريا، وإلى تداعيات هذا الانفجار من لبنان إلى العراق إلى العربية السعودية، وإلى إمكانية استخدام هذا الانفجار في سياق المواجهة بين القوى الغربية وإيران.

ولكن بعد تصاعد الضغوطات الغربية مؤخراً على النظام السوري، وتغيّر موقف تركيا وروسيا، كان من الصعوبة بمكان البقاء على الصمت المحرج. ومن هنا تصاعد لهجة الخطاب لبعض الأنظمة العربية. والسؤال هنا هو هل يمكن للدول العربية أن تذهب أبعد من ذلك: مثلاً عبر موقف قوي من الجامعة العربية؟ لا أظن ذلك، خاصّة بعد أن تحمّلت الجامعة العربية مسؤولية تشريع قرار لمجلس الأمن على ليبيا نصّ على حظر جوّي وانتهى بحرب أهلية في هذا البلد أضحت قوى غربية طرفاً فاعلاً فيها.

مؤتمرات المعارضة

·        سمعت أن مؤتمرا جديدا للمعارضة سوف يعقد قريبا في تونس ..ما مدى صحة الخبر .. وما هو رأيك في مجمل مؤتمرات المعارضة التي عقدت سواء في الداخل أو في الخارج .. و ماذا تعني هذه المؤتمرات في ظل غياب ممثلين حقيقيين لحركة الشارع ؟

لم أسمع عن مؤتمر مزمع في تونس. وفي الحقيقة تطرح قصة مؤتمرات المعارضة إشكالية سياسية بامتياز. هذا الحراك هو بالأساس حراك اجتماعي شبابي في معظمه، تخطّى كلّ القوى السياسية المتواجدة. والزمن الاجتماعي في الربيع العربي أسرع بكثير من الزمن السياسي. في الوقت الذي لا يمكن لهذا الحراك أن ينتصر إلاّ عبر مشروع سياسيّ.

هكذا شكّلت المؤتمرات التي عقدها سوريّون في الخارج محاولات للتلاقي بين قوى سياسية والحركة الاجتماعية. لكنّ القوى السياسية تختلف في طبيعتها: فهناك بينها تيارات تدافع صورياً عن الديموقراطية ولكنّها لا تمانع التدخّلات الخارجية، بل تدفع إليها. وهذا يعني أنهّا مع المواطنة من دون الوطن. وهذا مرفوض لدى الأغلبية العظمى من الشعب السوري. وهناك قوى أخرى تمثّل فئات معيّنة من الحراك السياسي لا يمكن أن تحمل مشروعاً يحمي حق التساوي في المواطنة لكلّ السوريين. أقلّ ما يمكن أن يقال أنّه كان هناك تسرّع في عقد بعض هذه المؤتمرات، وإشكال في الأسس التي عقدت من أجلها.

فما معنى مؤتمر يهدف إلى تشكيل قيادات أو حكومات مؤقتة أو مجالس انتقالية قبل التفاهم على الأرضية الوطنية التي يمكن أن تلتقي عليها جميع القوى السياسية والحركة الاجتماعية؟ والملفت أنّ المؤتمر الذي عقد داخل سوريا في ظلّ القمع والتضييق كان أكثر نضجاً سياسياً من ذلك الذي عقد في اسطنبول؛ إذ هدف بالضبط إلى البحث عن توافق حول صورة المستقبل، في حين ظهرت في اسطنبول خلافات أساءت كثيراً للحراك الاجتماعي. وما معنى أن يزايد منظّمو مؤتمر اسطنبول في أنّ مؤتمرهم سيعقد بتواصل مع مؤتمرين في ضاحية القابون بدمشق، كي تستغلّ قوات الأمن الموضوع وتقوم بحملة قمع عنيفة هناك موقعة عشرات القتلى؟ وما معنى الدعوة لتشكيل مجلس انتقالي، في حين هناك حساسية شديدة من أن تؤول الأمور إلى ما يجري في ليبيا؟

الحراك في سوريا هو بالأساس حراك شعبي. والمسؤولية أمام هذا الحراك الشعبي وتضحياته هو أن يقوم كلّ تيار سياسي في سوريا بتوضيح مشروعه وتنظيم صفوفه، وليس أن يعيد ويكرّر فقط أنّ “الشعب يريد إسقاط النظام”. ويجب على كلّ تيار سياسي أن يأخذ العبر من التجربة التونسية والمصرية بعد سقوط رئيسيهما، وكذلك لما آل إليه الحراك في اليمن وليبيا والبحرين. فالقضية ليست انتقاماً من نظام أو رئيس، بل حمل مشروع لسوريا المستقبل وفاءً لدماء الشهداء والجرحى، ولكرامة المعتقلين والمقموعين. المؤتمرات والندوات مفيدة عندما تبحث عن توضيح هذا المشروع سياسياً، وجعله أرضيّة لانتصارٍ للحراك الاجتماعي لن يكون إلاّ سياسياً. وتوضيح هذا المشروع السياسي شيء أساسي إذ سيزيل تردّد من لم ينخرطوا في الحراك، وهم كثيرون، خوفاً من الفوضى والفراغ.

وفقط عندما يوضّح كلّ تيار سياسي مشروعه دون التباس، يمكن أن تلتقي تيارات عدة حول أسس واضحة (ميثاق وطني أو عقد اجتماعي) وبرنامج مشترك لمرحلة انتقالية، ويفرضوا انتصاراً سياسياً للحراك الاجتماعي. لأنّ هذه الأسس الواضحة والبرنامج المشترك يمكن أن يلاقي قبولاً حتّى من المتردّدين أو المتخوّفين من عدم الاستقرار، وضمن أجهزة الدولة والجيش الذين لا بدّ من كسبهم للانتصار سياسياً.

في هذا السياق، أخطر مقولة تنتشر اليوم هي أنّ “المعارضة يجب أن تتوحّد حتّى تأتي بمن يمثّلها أمام القوى الخارجية”. ليس فقط لأنّ هذا التوحّد لا معنى له دون أسس ومشروع واضحين، بل لأنّه يقدّم الاتصال بالقوى الخارجية على الوفاء للحراك الشعبي. الأزمة هي أزمة في سوريا، والحلّ يأتي من السوريين، وإذا رضي به السوريون ستعترف به القوى الخارجية. أمّا القوى الخارجية فكلّ منها له مصالحه، والارتكاز عليها لإسقاط نظام سقط أصلاً على المستوى الشعبي – لأنّ لا مشروع له للخروج من الأزمة سوى القمع والإرضاخ – يشكّل خطراً على الوطن ويفتح المجال للتدخّلات الخارجية في المسار السياسي للشعب السوري وفي خياراته.

·        بالتالي كيف تنظر إلى علاقة أطراف المعارضة السورية ببعضها بعضا، لاسيما العلمانية منها والدينية ؟

هناك تيارات سياسية متعدّدة في سوريا. من يسمّى منها معارضة هو من يقف صراحة وعلناً مع التحرّك الشعبي، ولكن لا يمكن تسمية المتردّدين أو المتخوّفين من عدم الاستقرار… ببساطة بالموالاة. لا أعني هنا حتماً “شبيحة” القمع ومن تلطخت أيديهم بالدماء، ولكن كلّ المواطنين الذين لا يقبلون هذا القمع الدامي الأعمى ولكنّهم يخشون أن تذهب الأمور إلى حرب أهلية أو إلى هيمنة خارجية. لا يجوز تخوين هؤلاء بالنسبة للحراك الشعبي، فالكثير منهم ينجدون المتظاهرين ويحموهم على الأرض.

هكذا تختلف التيارات السياسية حسب انخراطها العلني مع الحراك أم لا، وكذلك حسب توجّهاتها الديموقراطية الحقيقيّة أو التسلّطية، بل أيضاً حسب خطابها الطائفي أو قبولها بالمبدأ المؤسس للدولة السورية الحديثة: “الدين لله والوطن للجميع”. هناك تفرّعات واختلافات كثيرة، حتّى ضمن التيارات الدينية ذاتها أو تلك العلمانية (بمعنى هذا الشعار المؤسّس). وضمن هذه الاختلافات، هناك شخصنة مفرطة للقائمين على هذه التيارات السياسية، ربّما هي أكثر ما يميّز العلاقات بينها.

حتماً هناك تيارات إسلام سياسي تشعر أنّها مقموعة منذ أحداث 1979-1982، وعانت القمع والقتل والتنكيل، حيث سمح مثلاً للقوميين السوريين أن ينضموا للجبهة الحاكمة بعد عقود من الإقصاء، في حين لم يسمح لأي تيار إسلام سياسي بذلك، علماً أنّ السلطة تغاضت طويلاً عن انتشار بعض التيارات الإسلامية على الأرض. في المقابل، هناك أزمة ثقة حيال التيارات الإسلامية لأنّها لم تأتِ بنقد ذاتي حقيقي لتجربة “الطليعة المقاتلة” للأخوان المسلمين في فترة الأحداث الأليمة، وكيف تحالفت هذه الطليعة مع نظام صدّام حسين وحملت السلاح لأخذ السلطة وعبثت باغتيالات طائفيّة. وتبرز أزمة الثقة كلّما تحدّث قائمون على التيار الديني عن أغلبية وأقلية بعد إسقاط النظام. وحتماً لطالما لعبت السلطة السورية على هذه التناقضات الأساسية: فهي لم تذهب أبداً لتضميد الجراح في بعض المناطق التي عانت خلال أحداث الثمانينيات، حيث عرفت كلّ العائلات مآسي قتلى ومختفين لم يعرف مصيرهم. منها مثلاً منطقة جسر الشغور، حيث ظهرت مجموعات مسلّحة مثيرة للتساؤل بسبب ما ترتب عليها من إمكانية حرف مسار الحركة الاجتماعية السلمية.

إذاً هذه الأمور موجودة بحكم الواقع، والمسؤولية الوطنية هي أن يعترف كلّ من هذه الأطياف بوجود الآخر، وأن يضعوا أرضية للمستقبل، تمكّن جميع التيارات السياسية في سوريا من أن تتنافس ديمقراطياً، ولكن من دون المساس بأسس لا يمكن تجاوزها. و”الدين لله والوطن للجميع”، هو أحد هذه الأسس، ويشمل حرية المعتقد، وإدانة التحريض الطائفي.

الإخوان المسلمون

·        هل يمكن الحديث عن محاولة هيمنة من حركة الإخوان المسلمين على المعارضة بشكل ما ..؟

هناك تيار إسلام سياسي في سوريا، بل تيارات، ومن الصعب معرفة إذا كان لدى “الإخوان المسلمين” كحزب سياسي قاعدة كبيرة داخل البلاد. كذلك لا تناصر كلّ تيارات الإسلام السياسي الحراك الاجتماعي، بل هناك من يناصر السلطة أو متخوّف من الفوضى.

وحتّى ضمن تيار الإخوان المسلمين نفسه هناك اختلافات كبيرة. تفاوضوا مع السلطة حيناً، ودخلوا مع القوى العلمانية في تحالفات في أحيان أخرى، ثمّ تحالفوا مع جبهة نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدّام ثم تركوا هذا التحالف. لهم إذاً مسارهم السياسي.

تيار الإسلام السياسي هو مكوّن موجود في المجتمع السوري، ومن ضمنه “الإخوان المسلمون”. وحتماً يضعه الحراك الاجتماعي أمام مسؤولياته، كما جميع المكوّنات الأخرى. هكذا يشارك مناصروه في مؤتمرات وفي لقاءات وغير ذلك. والحكم على هذه المؤتمرات هو حكم النتائج الذي ناقشته أعلاه. أمّا صعود أو نزول تيار الإسلام السياسي فيتعلّق بقدرة هذا التيار على الوفاء للحراك الشعبي لإنجاحه سياسياً، وهذا يتعلّق بقدرة مكوّناته على طرح مشروع سياسي، ضمن أسس النظام الجمهوري السوري، يكون لكلّ السوريين كمواطنين.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ وضع سوريا يختلف عن تونس ومصر، اليوم كما حين قامت النهضة العربية الأولى في أواخر القرن التاسع عشر. فعلى عكس هذين البلدين، ليس هناك سوريون مسيحيون ويهود فقط هم جزء أساسي من الوطن، بل أيضاً هناك مسلمون ينتمون إلى مذاهب إسلامية مختلفة غير سنية، وكذلك مسلمون سنيون لهم توجهات يمكن أن تسمّى علمانية (بمعنى فصل أمور الحكم عن الدين، وأنا هذا إرثي الديني والثقافي)، وكلّ هذا متجذّر منذ القدم في التاريخ العربي الإسلامي. وفي حين نسيت مصر اليوم تاريخها العباسي أو الفاطمي – وهذا الأخير هو الذي أسّس أصلاً الأزهر -، ما زالت سوريا تحتفظ بعمقها الإسلامي وتتمسّك بهذه الجذور التعدّدية لفترة ازدهار الإسلام. وهذه خصوصية تجعل سوريا تقدّم شيئاً نوعيّاً إلى الربيع العربي.

الجزء الثاني

أكد الكاتب السوري د. سمير عيطة، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك، ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب أن الإصلاح في سورية لا يكمن بقوانين أحزاب أو انتخابات، كما لا يكمن بإلغاء حالة الطوارئ، بل يكمن في إخضاع السلطة إلى الدولة، والانتقال إلى دولة القانون والمؤسسات، مشيرا إلى أن الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها السلطة تبدو صورية ولا تؤسّس إلاّ لتغيير شكليّ للنظام يصل في النهاية إلى حالة مصر قبل سقوط نظام حسني مبارك.

ورأى في الجزء الثاني من حواره مع موقع “إسلام أون لاين” أن المعايير الحقيقية للإصلاح تكمن في الاعتراف بسيادة الشعب، وحقّه في الحرية والكرامة، وتحييد الجيش والأمن عن الحياة السياسية وحصر مهمّاتهما في حماية الوطن من المخاطر الخارجية؛ والاتفاق على طريقة إدارة مرحلة انتقالية سياسية تصل بسوريا إلى برّ الأمان، مع آلية لجمعية تأسيسية تعيد صياغة دستور جديد.

واعتبر أن الجيش زجّ به من قبل السلطة في معركة لا جدوى لها ضد شعبه، داعيا الجيش ليقف لحظة تفكّر ويرى أن الحلّ الأمني قد فشل، مشددا على أنه لا انتصار لجيش على شعبه، ولا مستقبل لشعب لا يحميه جيشه، ولا مستقبل لجيش لا يقف الشعب وراءه، وأكد أن الجميع ينتظر عودة الجيش للشعب وإيقافه الحل الأمني، وفيما يلي نص الحوار:

الأحزاب الكردية

* كيف تنظر إلى خلاف بعض أطراف المعارضة مع الأحزاب الكردية .. وبالتالي كيف تنظر إلى المسألة الكردية في سوريا بشكل عام  ؟

هناك تساؤل عمّن مثّل من حضر مؤتمرات انطاليا وبروكسيل واسطنبول بالنسبة للحراك الاجتماعي، بما فيه ما مثّله الكرد الذين حضروها بالنسبة لأكراد سورية وأحزابهم السياسية؟ وقد أساءت الطريقة التي طرحت فيها الأمور في اسطنبول للحراك الاجتماعي كما للخصوصية الكردية، مما سمح للسلطة باستغلال الأمر.

يمتاز الأكراد في سورية بحراك سياسي قويّ تاريخياً وبتجذّر قضية الهوية لديهم، خاصّة في الشمال الشرقي والغربي للبلاد، في حين يشكلون مكوّن أساسي للهوية السورية. فقد كان زعيم الثورة السورية ابراهيم هنانو كردياً، كما وصل كثير من الكرد إلى مناصب رئيسية في الدولة بما فيها رئاسة الجمهورية (فوزي سلو). وكان كلّ هؤلاء يعملون في إطار عروبة سوريا التي كانت في المقابل تنتصر لهويّتهم ولخصوصياتهم.

لسنين طوال، انحصرت المسألة الكردية في سوريا بقضيتين أساسيتين: الظلم الذي لحق بكثير من الكرد السوريين وحجب الجنسية السورية عنهم، مّما منعهم من الحقوق الكاملة في المواطنة (وللدقّة كانت حكومة في عهد الانفصال، أي قبل البعث، هي التي منعت عنهم أصلاً هذه الحقوق، في مزايدة قومية وعلى خلفية توزيع أراضي الإصلاح الزراعي)؛ كما هناك قضية الاحتفال بعيد النوروز، رمز التجمّع حول الهوية الكردية (وكانت أغلب الاحتجاجات تجري بالضبط لأخذ الحق للاحتفال بهذا العيد، في حين يتشارك معهم آخرون في أهمية الاحتفال به).

رغم طول المناشدات، واعتراف السلطات الرسمية السورية بالأمر، لم تجر تسوية قضية الجنسية السورية لمن منعوا عنها إلاّ مؤخّراً بعد انطلاق الحراك الشعبي في سوريا. إذ كانت السلطة في سورية، على غرار قضية ضحايا أحداث الثمانينات، تلعب على إبقاء هذا الشرخ مفتوحاً لترسيخ الانقسام بين السوريين. ولكن الكرد عبر انتصارهم الفوري لانتفاضة درعا وحوران، وهتافهم أن “الشعب السوري واحد”، كسروا منذ البداية محاولة “شرائهم”. هكذا هي سوريا، ينتصر فيها كلّ مكوّن للآخر إذا ما تعرّض للظلم.

وكما بالنسبة للأديان والمذاهب، يقوم المشروع الوطني لسوريا على تساوي الجميع في المواطنة، أفراداً وجماعات، عرباً وكرداً وأرمن وآشوريين وشركس، إلخ. مع الاعتراف لكلّ منهم بحقّه في مشاعره الهويّاتية وبأعياده ضمن الإطار الوطني. أنا حضرت النوروز في القامشلي ورقصت مع الكرد وتمنيت أن يكون النوروز عيداً وطنياً سورياً، يحتفل به الجميع.

تركيا ومؤتمرات المعارضة

* سؤال يفرض نفسه لماذا تقام معظم مؤتمرات المعارضة في تركيا .. وكيف تقيم الموقف التركي من الحدث السوري ولاسيما على ضوء تصريحات بثينة شعبان و زيارة وزير الخارجية التركي إلى دمشق .. وأين أصبحت  مسألة اللاجئين السوريين في خضم هذه الأحداث ؟

هناك سبب عملي، أن سوريا وتركيا وقعتا معاهدة لحرية حركة الأشخاص بينهما، ولا يحتاج السوريون الذين يذهبون إلى تركيا إلى سمات سفر، كما هي الحال بالنسبة لأوروبا مثلاً. وهناك تواصل اجتماعي بين سوريا وتركيا، خاصّة مع جنوب تركيا.

هناك أيضاً حركات إسلام سياسي قويّة في تركيا، تشكّل القاعدة الجماهيرية لحزب العدالة والتنمية، وترتبط بحركات الإسلام السياسي في سوريا. وعلى ما فهمته، أنّ إحدى حركات الإسلام السياسي هي التي دعت إلى مؤتمر انطاليا وموّلته، على الأقلّ جزئياً. لا أعرف إذا كانت الحكومة التركية قد شجعت عقد هذه المؤتمرات، إلاّ أنّها لا تستطيع منعها أو إعاقتها، خصوصاً في الفترة الانتخابية التي كانت تشهدها تركيا.

هناك حساسية تركية خاصّة تجاه الأحداث في سوريا. جزء منها يتعلق بهذه التيارات الإسلامية، وأخرى بالتواصل الاجتماعي بين البلدين، وإمكانية أن يطال انفجار سوري اثني أو طائفي الأوضاع الداخلية في تركيا. كما أنّ تركيا عضو في حلف الأطلسي. أخيراً يطيح التوتّر في المنطقة العربية وخاصّة في سوريا بالمشروع التركي للتوجّه نحو البلدان العربية بعد إعاقة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

إذاً هناك عوامل كثيرة تضع السياسة الخارجية التركية على المحكّ وفي الصفّ الأوّل خارجياً بالنسبة للأزمة في سوريا. أظن أنّ الإدارة التركية حاولت في البداية مساعدة السلطة في سوريا على إيجاد مخرج لائق للأزمة، ولكن السلطة تعنّتت في انغماسها في الحلّ الأمني. ومع تصاعد القمع والإدانات الدولية له، لم يعد بإمكان تركيا إلا أن تأخذ موقفاً أكثر قسوة من هذه السلطة بالرغم من حساسية الموضوع.

وبعد خمسة شهور تعمّقت الأزمة، والعلاقات بين القادة الأتراك والسلطة السورية التي كانت مميّزة تدهورت رويداً رويداً. في حين يظهر موقع تركيا أساسياً لمآلات الأزمة في سوريا: فإذا تحقّق التهديد بتدخّل لحلف الأطلسي ستكون هي رأس الحربة لذلك، كما أنّ لها دوراً مميّزاً إذا أتى مخرج سياسي للأزمة عبر إشراك تيار الإسلام السياسي في صيغة حكم مستقبلية للبلاد. ولكن كل هذه رهانات تضع القادة الأتراك، ربّما للمرّة الأولى في تاريخهم، وربّما أكثر من يوم غزو العراق حين رفضوا أن يمرّ الغزو البرّي – لا الجويّ – عبر أراضيهم، في موقعٍ محوريّ في السياسة الدولية، عليهم أن يلعبوه بحنكة فائقة.

مسألة اللاجئين السوريين إلى تركيا كانت أوّل اختبار عمليّ. فقد شيدت تركيا مئات الخيم وكأنّ آلافاً من اللاجئين سيتدفقون إليها، حتّى ظهرت هذه الاستعدادات وكأنّها تشجيع لهكذا هجرة. كما أنّه من الواضح أنّ منطقة جسر الشغور قد شهدت عناصر مسلّحة اشتبكت بعنف مع قوّات الأمن والجيش، على عكس الحراك الشعبي في مناطق أخرى الذي بقي سلمياً. صحيح أن سبب هذا هو خصوصية للمنطقة وجراح لم تندمل منذ الثمانينات، إلاّ أنّ كيفيّة حركة هؤلاء المسلحين على ضفتي الحدود ليست واضحة، خصوصاً أنّ المنطقة المحاذية في لواء الاسكندرون يمكن أن تشهد أيضاً تشنّجاً طائفياً. أوضاع معقّدة وحساسة إذاً فيما يخصّ اللاجئين من منطقة جسر الشغور. لكن يبدو أنّه تمّ احتواءها، وتناقص عدد اللاجئين إلى تركيا.

انشقاقات الجيش

*شهد الجيش السوري انشقاقات محدودة في صفوفه .. والسؤال هل تفيد هذه الانشقاقات المحدودة الثوار أم أنها عبء عليهم .. وبالتالي إلى أي مدى يمكن الرهان على انشقاق حقيقي لصالح الثورة ؟

كلّ ضابط وجندي سوري موضوع أمام خيار صعب: إما أن ينفّذ الأوامر بإطلاق الرصاص أو أن يخلف تعهّده لهذه المؤسسة الوطنية. ومعضلته تشابه معضلة المتظاهر الذي يلاحق إلى منزله وتنتهك حرماته، في حين يصرّ على سلمية التحرّك حتّى لا يخرج الحراك الشعبي عن مساره ويخسر سياسياً. وأتصوّر أن معظم فرق الجيش السوري لم تشارك في عمليات القمع، في حين تبقي السلطة القطاعات في حال استنفار دائمة منذ أشهر دون أن يتصل العسكريون بأهاليهم أو يزوروهم.

إنّني أفهم المعضلة التي يعيشها العسكريون والمدنيون في سوريا، ومدى حدّتها، ولكنّني لا يمكن أن أكون مع أي انقسام للجيش السوري. الجيش معين الوحدة الوطنية وعماد الدولة. وإذا انهار فعلى سوريا السلام. لقد زجّ من قبل السلطة في معركة لا جدوى لها ضد شعبه، ولا بدّ له أن يقف لحظة تفكّر ويرى أن الحلّ الأمني قد فشل، وأنّ السلطة أخذته كما الوطن والمواطنين في رهان خطير. في حين لا انتصار لجيش على شعبه، ولا مستقبل لشعب لا يحميه جيشه، ولا مستقبل لجيش لا يقف الشعب وراءه.

لا أحد في سوريا، مع كلّ المآسي والمعانات يريد أن ينقسم الجيش السوري. بل الجميع ينتظر لحظة إيقافه للحلّ الأمني واحتفاء الشعب به وتسهيله لمخرج سياسي للأزمة. لا انقلاباً عسكرياً واستلاماً للسلطة السياسية، بل فقط اعتراضاً ضد الأمر بالقتل والتعاون مع الأهالي لحمايتهم.

الطائفية والطائفيين

* على الصعيد الداخلي .. هل ترى أن النظام قد ينجح فعلا في تحويل الصراع إلى صراع طائفي بين السنة والعلويين ؟

قام الأهالي باحتواء الكثير من محاولات الفتنة الطائفية، التي كان يمكن أن تؤدّي إلى كارثة. ولكنّ التشنّج كبير ويزداد، فالسلطة تهيّج ووسائل الإعلام تهيّج على الجهة المقابلة. المجتمع السوري قادر وقوي، وقد احتوى الكثير من التحديات، كما عاش في وجدانه محنتي لبنان والعراق.

لا أرى انفجاراً طائفياً في سوريا، إلاّ إذا استمرّت الأزمة والتهييج زمناً طويلاً. مثلاً إذا فرضت عقوبات جائرة على البلاد لسنين لتفسيخ المجتمع السوري، كما فعلته الولايات المتحدة في العراق. وما يجب أن يقال أنّ على قوى التغيير أيضاً مسؤولية تاريخية في أن توضح أن مشروعها هو لكلّ السوريين ولحقهم المتساوي في المواطنة وأن تنبذ جانباً الطائفيين الذين يدّعون دعم الحراك الشعبي – وليس فقط أن تقول أنّها ضد الطائفية، فالطائفية مفهوم فضفاض أمّا الطائفيين فهم أفراد أو مجموعات – لأنّ كلّ السوريين حريصون على المبدأ المؤسّس: “الدين لله والوطن للجميع”.

السلطة أخذت الجميع رهينة كي تبقى في السلطة. وسيحاسبها الشعب السوري سياسياً على ذلك، إذ سترحل هذه السلطة، وسيحتفل كلّ الشعب السوري بذلك.

 الخطوات الإصلاحية

*  أقر النظام مؤخرا قانوني الأحزاب والانتخابات ..والسؤال كيف تنظر إلى مجمل الخطوات الإصلاحية التي اتخذها النظام حتى الآن .. وهل ترى إنه يمكن أن يقوم بخطوات إصلاحية جدية ؟

لا يكمن الإصلاح في سورية بقوانين أحزاب أو انتخابات، كما لا تكمن بإلغاء حالة الطوارئ. بل يكمن في إخضاع السلطة إلى الدولة، والانتقال إلى دولة القانون والمؤسسات. أجهزة الأمن كانت تعتقل تعسفياً في ظل قانون الطوارئ، وما زالت بعد إلغائه. وكانت تختار من يجب أن ينتخب وستظلّ تفعل ذلك إن لم تكبح جموحها.

 المشكلة في الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها السلطة أنّها تبدو صورية ولا تؤسّس إلاّ لتغيير شكليّ للنظام يصل في النهاية إلى حالة مصر قبل سقوط نظام حسني مبارك. كان بشار الأسد قد وعد بهكذا خطوات في بداية حكمه، وتأمّل الناس بها حتّى مع معرفتهم بمحدوديتها، ومن هنا أتى “ربيع دمشق”، لكن بعد 11 سنة من الحكم وفي خضم الربيع العربي بعد تونس ومصر، لا يمكن أن يتأسس الإصلاح فقط على تعددية أحزاب شكلية. الشعب دفع ثمن حريته وكرامته ويريد أن يأخذها كاملة، والرئيس أضحى مسؤولاً أنّه لم يقم بإصلاحات سياسية وأنّه فشل في الإصلاحات الاقتصادية الاجتماعية بعد أن أخذ فرصة كاملة لتحقيقها.

 اليوم، يتضح الخلاف بين السلطة والحراك الشعبي في الاختلاف بين شعاري: “الله، وسورية، و… وبس”. بشار الأسد من ناحية والحرية من ناحية أخرى. كما يتضح في الاختلاف بين شعاري “سورية الأسد” و”سورية الجمهورية العربية السورية”، وكذلك في أنّه لا معنى لشعار “الأسد إلى الأبد، وما بعد الأبد”. يجب العودة إلى النظام الجمهوري الحقيقي. وهناك مشكلة في الدستور الحالي الذي لم يعد يوافق الإرادة الشعبية، في حين علّقته السلطة أساساً منذ سنين واخترقته روحاً ونصّاً.

 الإصلاح الحقيقي يقوم على إقرار مبدأ التداول على السلطة وتقوية مؤسسات الدولة، بدل الضعف والارتهان إلى الأجهزة الأمنية التي تعيشها حالياً. لا بدّ إذاً من تعليق الدستور الحالي – المخترق أصلاً – والذهاب إلى صياغة دستور جديد للبلاد، مثلاً على أسس دستور 1951 ولكن مع أخذ التجربة التاريخية بعين الاعتبار وإيجاد استقرار مؤسساتي يضمن منعة الوطن وحقوق المواطنة.

وبرأيي تكمن المعايير الحقيقية للإصلاح في النقاط التالية:

الاعتراف بسيادة الشعب، وحقّه في الحرية والكرامة، وفي فرض التغيير بما فيه عبر التظاهر السلمي؛ وهذا يعني أنّه إذا أوقف القمع وعبّر الشعب بوضوح عن أنّه يجب على هذه السلطة أن ترحل، فعليها بكل بساطة أن ترحل.

تحييد الجيش والأمن عن الحياة السياسية وحصر مهمّاتهما في حماية الوطن من المخاطر الخارجية؛ ويمكن أن يتمّ هذا بصيغة تشبه المثال التركي المؤسساتي حيث هناك مجلس للأمن القومي يحرص على منعة البلاد في حين تخضع مؤسسات الجيش والأمن لإمكانية المحاسبة من قبل السلطة التشريعية والقضائية، بدل أن تهيمن على السلطة التنفيذية.

الاتفاق على طريقة إدارة مرحلة انتقالية سياسية تصل بسوريا إلى برّ الأمان، مع آلية لجمعية تأسيسية تعيد صياغة دستور جديد، وبرنامج عملي يخرج سورية من الأزمة السياسية الاقتصادية الاجتماعية التي تعيشها، حتّى تأتي انتخابات حرّة تشارك فيها كلّ القوى السياسية.

آفاق المستقبل

*  بالتالي ماهي آفاق المستقبل برأيك وما هي السيناريوهات المتوقعة .. بمعنى إلى أي مدى يمكن أن يذهب النظام في قمعه للانتفاضة أكثر مما ذهب .. والى أي مدى يمكن لحركة الاحتجاج أن تصمد في وجه آلة القمع الرهيبة هذه؟

صمد الحراك الشعبي خمسة أشهر كاملة رغم القمع والقتل والاعتقال والتنكيل، وأبرز إرادة منقطعة النظير على تصميمه على التغيير. عملت السلطة على شرذمته وعلى إضعافه وإنهاكه وإذلاله، وشنّت حملة واسعة للإجهاز عليه في شهر رمضان. لكنّ هذا الحراك ظلّ وفياً لشعاره الأوّل الذي أطلقه تلقائياً، أنّ: “الشعب السوري لا يذلّ”.

 وأضحت السلطة اليوم مشكلة على معظم فئات الشعب السوري، حتّى تلك المتخوّفة من الانخراط صراحة في الحراك الشعبي. خسرت السلطة سياسياً، بالرغم من أخطاء ما يسمّى بالمعارضة ومن التدخّلات الخارجية الإعلامية حتّى الآن. حتى المقتنعون بنظرية المؤامرة أصبحوا يدركون أنّ السلطة مسؤولة عن طريقة معالجة الأمور وأدخلت البلاد في مأزق حقيقي.

 إلى أيّ مدى يمكن أن يستمرّ الحلّ الأمني وإنهاك الجيش السوري في معركة لا جدوى لها؟ لا أظن طويلاً، لأنّ هذا الجيش وطني وهو جيش شعبه ولا بدّ له من لحظة تفكّر يقف فيها ويقول: “لقد نفّذت الأوامر، والآن أنا أعترض”. حلّ الأزمة في سوريا هو حلّ سياسي وليس حلاًّ عسكرياً. الشعب السوري كلّه ينتظر هذه اللحظة، ولحظة احتضان جيشه وأبنائه من جديد. وهو يصبر على جراحه وآلامه انتظاراً لهذه اللحظة.

 وقوف الجيش هذا الموقف ضروري، لضبط الأمن في المرحلة الانتقالية بالتعاون مع الأهالي. وأنا واثق أنّ الشعب السوري واعي كفاية كي تحصل هذه العملية الانتقالية في جوّ من المسؤولية والتسامح لأنّ المهمّ هو الوصول إلى برّ أمان يحفظ الوطن والمواطن على حدّ سواء.

كلّ السيناريوهات الأخرى لا تحفظ هذه الأسس، من العقوبات الاقتصادية الدولية الشاملة إلى التدخّلات الخارجية العسكرية، ومن انقسام الجيش إلى حرب أهلية.

الشعب السوري شعب عظيم وكذلك جيشه، وكلاهما يعرفان أن الربيع السوري هو مفترق طرق الربيع العربي والنهضة العربية الجديدة.

تعليق واحد

  1. الجيش السوري جيش خائن لقد سقط عند اول تجربة انه يقتل الشعب انه عبد للنظام الاسدي القاتل نحن نريد التدخل الخارجي نريد حماية دولية للشعب كفاكم غباء وهزلا حاج تبيعونا وطنيات زائفة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...