سنة اولى


ساطع نور الدين

لم تكن في الأصل ثورة، كانت عصياناً مدنياً تحوّلت الى تمرد مسلح الى حرب أهلية، لن تنتهي الا بمنتصر ومهزوم ، كما هي الحال في جميع الحروب الأهلية التي قيل عنها كلها إنها كانت عبثاً دموياً، لكن ثبت في ما بعد أنها غيرت ديموغرافيات وحسمت هويات وخيارات وطنية لجميع الشعوب التي ابتليت بهذا البلاء.

لم تتعلّم سوريا الدرس اللبناني النموذجي الفريد في العالم كله، على الرغم من أنه ليس هناك حدود بين البلدين وفوارق بين الشعبين إلا في الادعاءات الوظيفية لكل دولة، التي ثبت الآن وبعد تصدّع الكيان السوري أنها متشابهة تماماً، وهي تتيح للسوريين، مثلما سبق أن أتاحت للبنانيين، ان يتذابحوا لفترة طويلة من دون أن يتغير الكثير في محيطهم ومن دون أن يشعر العالم أنه أمام معضلة إنسانية وأخلاقية حقيقية.

السر الوحيد الذي لم يدركه السوريون حتى الآن ولم يكتشفه اللبنانيون إلا أخيراً، هو أن الحرب الأهلية نقمة على بلدها وشعبها ونعمة على الجيران، لا تقتصر على فوائد خطوط التهريب المتواضعة، بقدر ما تشمل الأمن والاقتصاد والسياسة وحتى الاجتماع في الدول المجاورة التي لا يمكن لأي منها ان تنكر أنها حققت مكاسب هائلة من الحرب الأهلية اللبنانية.

فات الأوان على وعظ السوريين وتحذيرهم مما يفعلونه ببلدهم. لم يبق أحد على الحياد كما يبدو لا في سوريا ولا طبعاً خارجها. والخطاب الرسمي الذي ينشد تصفية مناوئيه لا يقل سوءاً عن الخطاب المعارض الذي ينفي وجود موالين. واللعب على وتر الغالبية والأقلية، سواء في بعدها السياسي ام الطائفي صار من القواعد التي لا تجادل ولا تحاسب.. وكذا الأمر بالنسبة الى التطلع المتبادل خارج الحدود بحثاً عما يعدّل موازين القوى في شوارع المدن والقرى السورية.

مثلما كان الخيار الأمني للنظام مرعباً، صار ظهور السلاح المعارض مروّعاً. الدفاع عن النفس حجة مشتركة والبرهان الوحيد أنه لم يعد أحد يملك عقلاً في سوريا، ولا في خارجها أيضاً.. حيث الحرب الأهلية الطويلة هي اختيار الجميع واختبارهم الوحيد، مع أن البحث عن بديل لهذا الانتحار الجماعي، هو المنطق الإنساني الوحيد.. او حتى البحث عن مخرج خاطف ومؤلم، لأحد فريقي تلك الحرب.

آن الأوان لهذا البحث، الذي لا يمكن أن يأتي من الداخل السوري، كما لم يأت من أي داخل غرق في الدم. الحرب مأزق الجميع. وما يبدو أنه تقدم أمني وتراجع سياسي للنظام، يمكن أن ينقلب في اي لحظة الى عكسه، ويمكن أن يصيب المعارضة بما هو أخطر من الظن أن الدم السوري يمكن أن يستدعي التدخل الخارجي بينما العكس هو الصحيح.

الانسحاب من حرب أهلية هو شرف كبير لمن يُقدم على هذه الخطوة، أياً كان، مهما كان إغراء النصر شديداً.. لأن النصر من دون دم كثير يصبح أكبر وأقوى وأبعد مدى.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...