الرئيسية / صفحات سورية / سوريا:شهيد مقابل صورة

سوريا:شهيد مقابل صورة


الإعلاميون السوريون يعملون تحت أزيز الرصاص ويتم استهدافهم باستمرار أثناء نقلهم لأحداث الثورة السورية.

عمر عبد اللطيف

كان محمد الرفاعي، يصر على تصوير المظاهرات في مدينته حمص ، عاصمة الثورة كما باتت  تعرف. محمد طبيب لم يتجاوز الثلاثين من عمره. شاب متحمس، صمم منذ بداية  الثورة على نقل مايجري في سوريا إلى العالم الخارجي. ولو كلفه ذلك حياته.

في إحدى المظاهرات التي خرجت من حي جب الجندلي باتجاه باب السباع. لم يدرِ محمد أن الأمن والشبيحة كانوا يتربصون للمتظاهرين عند دوار باب الدريب. وما إن وصلوا هناك حتى أمطرهم الأمن بوابل من الرصاص، كان ينهمر من كل مكان. راح المتظاهرون يلوذون بالفرار والإحتماء خلف البيوت والأشجار. أما محمد فقد اتخذ لنفسه مكانا يستطيع من خلاله تصوير عملية “قتل الناس العزل من قبل الأمن والشبيحة”. كان يريد أن يرى العالم ماذا يفعل النظام السوري بشعبه.

الصورة التي أراد محمد نقلها وصلت، لكن رصاصة متفجرة، أطلقها قناص من على سطح مستوصف الحي، استقرت في قلبه ! كان ذلك في تاريخ 6-5 -2011. يومها استشهد ستة متظاهرين.

 شهيد مقابل صورة

قصة محمد هذه يرويها صديقه حسام، أحد الناشطين في حي باب الدريب بحمص، وهو يتحدث عن الصعوبات التي تعترض عمله كناشط. فاستشهاد صديقه محمد، مثال لما يمكن أن يتعرض له الناشطون في سوريا الذين يحاولون تصوير عمليات العنف ضد المتظاهرين واطلاع العالم عليها.

“كثيرون اعتقلوا أو دفعوا حياتهم ثمنا لتصوير مظاهرة، أجهزة الأمن والشبيحة تستهدف الناشطين بشكل مباشر وحتى اللحظة، هؤلاء هم من يوثق حقيقة مايجري في البلد، بفقدهم نخسر الكثير”. يقول حسام بنبرة حزينة.

عملية تصوير المظاهرات تعد من أصعب المهام التي يقع على عاتق الناشطين القيام بها خاصة في بداية الثورة، حيث كان التصوير يتم بدون تركيز أو خبرة ومن خلال الجوالات. ثم على الناشط أن يبحث عن أشخاص يستطيعون إرسال الصور للقنوات الفضائية. وقتها حصلت أخطاء عديدة مع المصورين، مثل ظهور وجوه المتظاهرين في الصور، وعدم التركيز على المعالم التي تدل على المنطقة التي خرجت منها المظاهرة.

لكن حسام ورفاقه تعلموا من أخطائهم حيث اشتروا كاميرات عالية الجودة. وأصبحوا متخصصين في تصوير المظاهرات. صارو يحددون الاماكن المناسبة التي يقفون فيها أثناء التصويرويرتدون أقنعة تخفي وجوههم حتى لايتعرف عليهم المخبرون الذين ينتشرون في كل مكان. كما أصبح لكل حي ناشطين متخصصين في تحميل مقاطع الفيديو على اليوتيوب، وإرسالها مع الأخبار إلى التنسيقيات والفضائيات عبر ناشطين في الخارج. أو إرسالها لصفحات الثورة على الفيس بوك.

من درايا ، إحدى أهم المناطق الثائرة على نظام بشار الأسد في ريف دمشق. يجد غياث مشكلة ثنائية تعيق عمله كصحفي وناشط. المشكلة الأولى تتعلق بتعقب عناصر الأمن للمصورين، فالمصور هو أول شخص يمكن أن يستهدفه الأمن أو القناصة في المظاهرة. المشكلة الثانية والأصعب هي إنعدام التنظيم خلال المظاهرات مما يجعل عملية التصوير صعبة للغاية، يقول غياث: “كلما كانت المظاهرة ذات تنظيم جيد، كلما نجحت بإيصال صورة أفضل”.

ويتابع غياث شارحا “المصور بحاجة لمن يقف معه دائماً، بحيث يستطيع التقاط صور ولقطات تظهر العبارات المكتوبة على اللافتات، وكذلك لتنظيم الناس أثناء سير المظاهرة، بعض الناس مثلا لا يريدون أن تظهر وجوههم في الفيديو، لأن غالبية المعتقلين يتم اعتقالهم بعد مراجعة الفيديوهات ومشاهدة صورهم خلال المظاهرة. أشخاص كثيرون ممن تم اعتقالهم واطلاق سراحهم أخبرونا أن عناصر الأمن رأت صورهم في المظاهرة بعد سحبها من فيديو مصور، لذلك هذا يرتب علينا مسؤولية إضافية صعبة، وهي عدم إظهار وجوه المتظاهرين حرصا على سلامتهم”.

في المظاهرة عليك اختيار التوقيت المناسب للتصوير. “مثلا هناك أشخاص تتظاهر لكن لاتردد الهتافات، لكنه أمر يتم تجاوزه، ويفضل أن يتم التصوير عندما يهم الجميع بترديد الهتافات والشعارات” يوضح غياث.

معتصم صحفي من حمص، يرى أن نسبة تعرض المتظاهر للقتل من قبل الأمن تبلغ نحو 60%، بينما ترتفع النسبة إلى 80% بالنسبة للمصور أو المنسق الذي يساعده في التصوير. “في النهاية كلنا معرضون للموت بأية لحظة، سواء الصحفيون الذين يحاولون نقل الحقائق أو المواطنون الذين يحاولون مساعدة جيرانهم. حتى من ينقل المؤن إلى المواطنين في المناطق المحاصرة والمنكوبة يتم اعتقاله، والبعض يستشهد بنيران القناصة وهو يحاول حمل الطعام من حارة لأخرى محاصرة”.

وبرأي معتصم فإنه يجب أن يتمتع المصور باللياقة البدنية، وسرعة الحركة والتنقل، والقدرة على التسلق حتى يتمكن من أداء مهمته و الحفاظ على حياته. ويضيف معتصم “نحاول القيام بواجبنا دون تعريض المواطنين للخطر.فمثلا لانصور من شرفات المنازل، كي لا يتضرر أصحاب المنزل إذا رأتنا قوات الجيش أو القناصة وصوبت النيران نحونا”.

“حواجز متنقلة” تلاحق الناشطين

منطقة غياث بريف دمشق، تم تقطيع أوصالها بالحواجز الأمنية والعسكرية. فيما تتجول سيارات الأمن وباصات الشبيحة بزيهم المدني، بين الأحياء على مدى 24 ساعة، خاصة في الشوارع الرئيسية وقرب المساجد، لقمع أي مظاهرة يمكن أن تخرج.

هذه الحواجز تعيق حركة غياث كصحفي يريد  الحصول على المعلومة ثم نقلها إلى الفضاء الخارجي. خاصة أن الحواجز الأمنية لديها قوائم بأسماء الناشطين والصحفيين. وكثيرا ماينصب هؤلاء “حواجز طيارة” في الشوارع الهامة وأمام المساجد. حيث يتم توقيف أي شخص عابر، ليتفقد الأمن بطاقته الشخصية. وكثيرا مايعتقلون الناشطين، أو من يشكون بخروجه لتصوير المظاهرات او المشاركة فيها أو التنسيق لها.

“هذا كله يشكل ضغطا كبيرا على الناشطين الذين يصورون المظاهرات و يتسقطون الأخبار. وعلينا كصحفيين نريد نقل ما يجري على الأرض”. يقول غياث، الذي يضطر للتحايل على تلك الحواجز عبر سلك طرقات أخرى ملتوية وهو ما يتطلب منه المزيد من الوقت والجهد.

لكن عمل غياث الآن صار أسهل من الفترة الأولى للثورة، فقد باتت هناك عمليات تنسيق بين الصحفيين و المصورين و الناشطين في المجال الإعلامي. كما أكسبه طول الممارسة خبرة يعرف بها كيف يؤدي عمله و يحافظ على سلامته. لكن حتى الإجتماعات التنسيقية بين الإعلاميين محفوفة بالمخاطر.

يقول غياث “أكثر من مرة كنا نجتمع ببعض الشباب الإعلاميين و الهواة من أجل التنسيق وتنظيم بعض الأمورالمتعلقة بتغطية المظاهرات، ثم نضطر للخروج بسرعة بسبب اتصال يخبرنا بأن الأمن في المنطقة، وقد يداهم البيت الذي نجتمع فيه”.

عمل حسام أيضا بات أسهل من ذي قبل، فهو  اليوم مختص بنقل الفيديوهات والأخبار التي تحدث في منطقته والمناطق المجاورة إلى أشخاص موثوقين. وهؤلاء يقومون بدورهم بنقلها إلى الفضائيات والصفحات المعروفة بمصداقيتها على الفيس بوك.

لافتات شعارها الحذر

للافتات والشعارات التي يرفعها المتظاهرون السوريون، حكاية أخرى. فلم يكن يتجرأ أحد على حملها أصلا. عدا عن صعوبة الحصول المواد التي تصنع منها كالقماش والدهان، بعد أن فرضت أجهزة الأمن قيودا على شراء تلك المواد.

كي ترفع اللافتات في المظاهرات، عليها أن تمر بعدة مراحل كما يشرح غياث. أولها شراء القماش والأعلام والكرتون والورق. ثم نقلها إلى شخص مختص لتخطيط الشعارات، وقد يضطر الناشطون لكتابتها بأنفسهم إن تعذر الوصول إلى خطاط. بعد ذلك تغلف اللافتات، وتوضع في مكان آمن إلى أن يحين موعد المظاهرة.

ويلفت غياث إلى أن موضوع نقل اللافتات من مكان الى آخريشكل تحدياً أمنياً و يتطلب الكثير من الحذر ” نقل اللافتات يعتبر جريمة في سوريا الثورة حيث قامت عناصر الشرطة و الجيش أكثر من مرة بوقف السيارات التي تحمل اللافتات واعتقلت أصحابها”.

اليوم ومع ازدياد العمل المنظم، بات لكل حي ناشطون متخصصون في إعداد اللافتات، هؤلاء الناشطون غير معروفين حتى لأبناء حيهم. كما يقول وسيم أحد الناشطين في مدينة حمص. الذي يتابع حديثه قائلا “أصبح لكل حي ناشطون يخطون مجموعة من اللافتات بما تيسر لهم من معدات بسيطة. ثم يخفونها في أماكن محددة، ليتم إخراجها في الوقت المناسب”. وقد تم عرض بعض مقاطع على اليوتيوب توضح كيفية الإعداد للافتات التي تعبر عن اسم الجمعة ومضمونها والهدف من المظاهرة.

الحصول على “آي دي إس إل” معجزة

 الانترنت مشكلة أخرى بالنسبة للناشطين على الأرض، فكثيرا ما تقطع السلطات خدمات الانترنت، إما بسبب اقتحام المدن، وإما تعمدا لقطع أخبار الثورة عن العالم. في بداية الثورة مثلا، كان حسام يحتاج ساعتين لإرسال مقطع فيديو حجمه  2 ميغا، بسبب البطئ الشديد للانترنت، خاصة أيام الجمعة، حيث تقطع خدمات الموبايل والانترنت في 90% من المناطق. يقول حسام بنبرة واثقة “الحصول على خط “أي دي إس إل”، “معجزة”، فهو يحتاج لموافقة أمنية، لكن “الحاجة أم الاختراع، نتغلب على هذه المشاكل، ونرسل المقاطع، ونرسل بث مباشر رغما عن أنف النظام بالتعاون مع الناشطين في الخارج”.  مشاكل الانترنت، ترهق غياث أيضا، وتعيق عمله الصحفي، الأمر الذي يدفعه إلى التوجه للعاصمة دمشق في بعض الأحيان. “إحدى الجمع ذهبت إلى دمشق، لرفع الصور. لكن الانترنت كان مقطوعا أيضا في العاصمة. في النهاية لم يعرض شيء عن منطقتي”. رغم كل هذه القبضة الأمنية على الناشطين والمتظاهرين. استطاع حسام وغياث ومعتصم ووسيم،  إيصال صوت الثوار إلى العالم الخارجي. إنهم مستمرون في عملهم النضالي، لفضح وكشف جرائم النظام السوري. حتى لو كلفهن ذلك حياتهم. كما يؤكد وسيم. مستذكرا صورة الرجل العجوز، الذي قبل يده خلال إحدى المظاهرات قائلا له وهو يبكي: “أنتم الأمل القادم”. يومها بكى وسيم كثيرا: ” بكيت أنا وكل من رآنا، حينها قبلت يديه ورأسه أيضا..ووعدته بأن الأمل سيتحقق”.

ملاحظة: غياث ووسيم ومعتصم وحسام أسماء استعرناها للشخصيات الحقيقة حرصا على سلامتهم.

سي ان ان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...