الرئيسية / صفحات العالم / سوريا: أي طريق سلمي للديمقراطية؟

سوريا: أي طريق سلمي للديمقراطية؟

 


هيلينا كوبان
دفعت الحركة المؤيدة للديمقراطية بجماهير حاشدة إلى الشوارع في سوريا في تحد واضح لنظام “البعث” الذي يحكم البلاد منذ 48 عاماً. وحتى الآن لقي ما يزيد عن 200 شخص مصرعهم في المصادمات بين المتظاهرين وقوات الأمن، مما يطرح السؤال: هل يمكن لسوريا إنجاز التحول نحو الديمقراطية من دون أن تواجه احتمالات الوقوع في معارك ضارية كالتي تدور في ليبيا حالياً، أو حدوث قمع شديد كالذي قوبلت به المظاهرات في أجزاء أخرى من العالم العربي.

الإجابة: نعم، يمكن أن يحدث ذلك إذا ما توافر لسوريا عدد كاف من القادة الذين يتمتعون بضبط النفس، ورباطة الجأش، والرؤية الثاقبة، وإذا ما كانت سوريا كبلد على استعداد للقبول بنوع من الوساطة الأجنبية.

البديل لذلك سوف يكون المزيد من العنف، والسقوط في هوة الطائفية، والتمزقات الاجتماعية السياسية أو ما يعرف في اللغة العربية بـ”الفتنة”. والفتنة إذا ما حدثت، فسوف تترتب عليها عواقب وخيمة بالنسبة لسكان سوريا البالغ تعدادهم 22 مليون نسمة، وللدول المجاورة أيضاً. والسوريون يعرفون جيداً ماذا فعلت الفتنة بالعراق بعد الغزو الأميركي له وسقوط نظام صدام حسين عام 2003، وكيف دمرت نسيج مجتمعه، ودفعت أعداداً هائلة من شعبه للجوء للخارج، وقد استقبلت سوريا منهم نحو مليون شخص.

السؤال: كيف تستطيع القوى الخارجية مساعدة سوريا على تحقيق تقدم حقيقي، وسريع، نحو الديمقراطية دون أن تتعرض لخطر الوقوع في براثن الفتنة؟

أولاً، يجب إدراك أن سوريا اليوم، مثلما كان العراق قبل 2003، عبارة عن دولة يقودها حزب واحد، ينتمي إلى أقلية ديمغرافية، ويتغلغل في كافة أرجاء المجتمع، ويسيطر على كافة مفاصل الحياة فيه سيطرة شبه كاملة.

في العراق كانت هذه الأقلية هي العرب السنة، أما في سوريا فهم العلويون الذين يشكلون نسبة لا تتجاوز 13 في المئة، بينما غالبية السوريين هم من السنة.

ومن التحديات الكبيرة التي واجهت عراق ما بعد صدام، وواجهت جنوب أفريقيا، التحدي الخاص بكيفية إقناع أعضاء الأقلية المسيطرة (الخائفة غالباً) بتخفيف قبضتها على السلطة والانتقال إلى النظام الانتخابي الديمقراطي القائم على صوت واحد للشخص الواحد.

التحدي الثاني؛ كيفية إقناع الأغلبية (الغاضبة غالباً والراغبة في الانتقام) بالتسامح عما مضى وفتح صفحة جديدة مع الأقلية التي كانت متحكمة وظالمة، بينما يجري التحرك نحو تحقيق الديمقراطية.

والعثور على أناس أصحاب رؤية من الجانبين (الأغلبية والأقلية) ليس بالأمر السهل؛ فالسوريون يحتاجون إلى نموذجهم الخاص المعادل لكل من نيلسون مانديلا ودو كليرك حتى يستطيعان التفاوض على إيجاد مسار ديمقراطي سلمي لسوريا.

لكن يجب هنا الالتفات إلى نقطة، وهي أن الأمر في سوريا سوف يكون أكثر صعوبة مما كان عليه في جنوب أفريقيا، لأن “مانديلا” و”دو كليرك” عندما كانا يتفاوضان كانت تقف وراءهما حركة سياسية عاملة ونشطة، وكانت الصفقة الديمقراطية التي توصلا إليها من خلال المفاوضات، عبارة عن اتفاقية عريضة القاعدة بين الحركات السياسية الكبرى العاملة في البلد، وليس بين الرجلين فقط.

وفي سوريا يصعب على أي شخص أن يتخيل أن الأقلية البعثية تؤيد الانفتاح على قادة في الأغلبية السنية، وربما يكون أصعب من ذلك العثور على قادة في الحركة المطالبة بالديمقراطية لديهم القدرة على إقناع أغلبية السكان بالوقوف وراء صفقة تضم العلويين والبعثيين ودفع هذه الصفقة قدماً للأمام.

نخرج من هذه الحقائق كلها بنتيجة، وهي أن التوصل لحل للوضع المتأزم في سوريا ربما يحتاج إلى مساعدة من طرف خارجي وربما يكون هذا الطرف هو جنوب أفريقيا ذاتها.

وهناك دولة أخرى يمكن أن تمد يد المساعدة لسوريا أيضاً وهي تركيا. فتركيا لها حدود مشتركة بطول 800 ميل مع سوريا، علاوة على أنها دولة ديمقراطية ذات أغلبية سنية يحكمها حزب إسلامي معتدل. وهي مركز قوة اقتصادية صاعدة كما أن قادتها يرتبطون بعلاقات وثيقة مع الحكومة والشعب في سوريا. وهي عضو في “الناتو”، وقد نجحت عبر تاريخ طويل من تحييد جيشها الذي كان ميالاً إلى تدبير الانقلابات إلى الكف عن التدخل في الشؤون المدنية. كل تلك الصفات تجعل تركيا مرشحاً محتملاً للتدخل وتقديم حلول نافعة للوضع السياسي البالغ التعقيد في سوريا.

 

وما الدور لذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة في ذلك؟ أولا، يجب أن تمنح الولايات المتحدة موافقتها على أي خطة للتوصل إلى مسار سلمي متفاوض عليه، بعيد عن العنف، للتحول نحو الديمقراطية. والثاني، أن تقنع إسرائيل المجاورة بالامتناع عن التدخل في الشؤون السورية الداخلية. وإقناعها أيضاً بضرورة الدخول في عملية تفاوض مع سوريا تقوم على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام وإعادة الجولان السوري.

في أي دولة يستغرق بناء ديمقراطية عاملة ما هو أكثر من عملية انتخابية واحدة أوعمليتان. كما يحتاج ذلك إلى مؤسسات قوية والتزام ببناء مستقبل مشترك بين كافة أطياف المجتمع، وفوق كل ذلك؛ ضمان توفير الاحترام للفكرة القائلة بأن أعقد الاختلافات السياسية يمكن حلها من خلال المداولات والمفاوضات وليس من خلال العنف.

السؤال الآن: هل تستطيع جنوب أفريقيا، وتركيا، والولايات المتحدة، وباقي أصدقاء سوريا، مساعدة الشعب السوري، بكافة أطيافه ومذاهبه، على السعى من أجل تحقيق ذلك؟

هيلينا كوبان

كاتبة ومحللة سياسية أميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة “كريستيان ساينس مونيتور”

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...