الرئيسية / صفحات العالم / سوريا إلى أين؟

سوريا إلى أين؟

 


أمجد عرار

ما هو واضح، سواء اعتصم السوريون بالملايين أو انطفأت جذوة التظاهرات الأسبوعية الحالية، أن هناك وضعاً بحاجة إلى تغيير، وأن الشعب السوري، كأي شعب حر في هذا العالم، يريد التغيير ويطمح إلى أن يكون نظامه السياسي مواكباً لحركة العصر ومنطق التاريخ الذي صنعه أبناء سوريا، وهم أبناء عراقة ثورية أصيلة ومشهودة، ومآثر استقلالية تنشئ أكاديميات، ويستحقون نظاماً سياسياً يعبّر عن هذا التاريخ وينتمي إلى العصر . لكن في وقت الأزمة ينفجر سؤال أكبر كثيراً من كلمتيه: ما العمل؟ فالقضية ليست مباراة رياضية لننقسم حولها كمشجّعين، كل منا لفريق، ولا هي تعالج بمنطق المناكفة والخلفية الانتقامية .

ستة أسابيع انقضت على الحراك الملوّن بالدم في الشارع السوري، ولم يتحوّل إلى ثورة شعبية تمكننا من سماع الصوت المليوني الذي سمعناه في شوارع تونس ومصر يصدح “الشعب يريد إسقاط النظام” . حتى العشرات والمئات والآلاف التي تخرج كل جمعة في هذه المدينة أو تلك من المناطق التي أصبحت بؤراً متأجّجة، لم ترفع كلّها هذا الشعار على نحو واضح وإجماعي . كان يوم الجمعة الماضي أقل كثيراً من أن يسمى “جمعة التحدي” . حتى السفير الأمريكي في دمشق اعترف بأنّ ما يجري في سوريا لا يتطابق بالكامل مع ما يقال . إذا أخذنا بالاعتبار ما شاهدناه وما سمعناه، حقيقياً كان أم مضخّماً، نلمس أنه ليس هناك هدف جامع واضح يقدّمه أحد ممن يقفون خلف هذا الحراك في الشارع السوري ليلتف حوله معظم الشعب السوري . نتحدّث عن الشارع السوري في الداخل، ولا نقصد من يراقب من خارج الحدود لأنه يبقى بعيداً عن الحدث لا يكتوي بناره ولا يكلّفه موقفه شيئاً . وبما يحمل البعض من موقف مسبق، يمكنه أن يعتقد أن الشعب السوري كلّه يقدّس النظام، أو أنه كلّه يريد إسقاط النظام . ليست الأمور هكذا، وليس الواقع هو ما نريده أو نتمناه دائماً، خاصّة عندما يدفع آخرون من دمائهم ثمن رغباتنا . ليس مجدياً الجدل غير مدفوع الثمن في حين تراق دماء ويدفع البعض باتجاه تفتيت الوحدة الوطنية، مع نزوع غربي واضح للتدخل غير المهذب .

وفي الوضع الحالي، أي ما نراه وليس ما نرغب فيه، لا ينبعي أن نقوّل الشعب ما لم يقله، ولا يملك أحد الحق بالحديث نيابة عن أي شعب . الديمقراطية نفسها تقول هذا، فإذا حصل استفتاء وحازت القضية المستفتى بشأنها واحداً وخمسين في المئة من الأصوات، فإن التسعة والأربعين في المئة الباقين لا يحق لهم الحديث في القضية المعنية باسم الشعب، بل باسمهم كأقلية . أنظمة ما بعد الاستقلال، في فترة ما، لا تستطيع أن تستمر في أن تستمد شرعيتها من التاريخ، ولا بد أن تحتكم إلى قوانين جديدة وعصرية بحيث تكون إرادة الشعب المعبّر عنها في صناديق الاقتراع هي الشرعية الوحيدة . هذا ما ينبغي على النظام في سوريا أن يفعله وبالسرعة المطلوبة، والأسرع من ذلك التحقيق الفوري بكل جرائم إطلاق النار ومحاكمة كل من يثبت تورّطه . ويجب تفعيل قوانين وإجراءات الإصلاح المعلنة، والانطلاق في القوانين والإجراءات الأخرى التي تصل بالفعل إلى التغيير الحقيقي والجوهري . وفي المقابل، يجب أن تُعطى مسيرة الإصلاح هذه فرصتها، ما دام الإخلال بموازين القوى لم يرق إلى مستوى الثورة التي تغيّر النظام بيدها، ذلك بأن قوى الثورة إذا لم تستطع قيادة معظم الشارع يتحوّل حراكها إلى عملية انتحارية .

الخليج

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...