الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بشير البكر / سوريا: الدم يهدّد الإصلاح

سوريا: الدم يهدّد الإصلاح

مجموعة مقالات في مقال واحد

بشير البكر

سوريا في خطر. تتردد هذه اللازمة منذ أن بدا الطريق مسدوداً. لا عجلة الإصلاحات الفعلية انطلقت ولا العنف تراجع. دم يجرّ الدم، وفي كل يوم يمر يصبح الموقف أكثر تعقيداً، وتتسع المسافة بين الشارع والنظام، وتلوح في الأفق علامات التدخل الدولي

تحضر بقوة مقولة الجنرال ديغول «ذهبت إلى الشرق المعقد بأفكار مبسّطة». كان ديغول في تلك الفترة من ثلاثينيات القرن الماضي مفتشاً عاماً للقوات الفرنسية في سوريا حين أطلق تلك العبارة، وقصد منها أن سوريا بلد ليس ككل البلدان، بل هي بلد ذو تكوين خاص ومعقّد.

وفي أمكنة كثيرة من كتابات الرحالة الأوروبيين، يطيب المشي في سوريا، لأنه يقود دائماً إلى برّ الأمان، ويفتح العين على التعدد والتنوع والتعايش، وهذا هو سر قوة المكان السوري في الميثولوجيا والوعي على حدّ

سواء.

حين هبّت رياح التغيير على تونس ومصر، كان الحكم في سوريا ينام على حرير الطمأنينة، واثقاً من أن أسواره محصنة جيداً. ونبع هذا اليقين من أن الثورة في البلدين حركتها دوافع ذات بعد سياسي مباشر، على صلة بارتهان نظامي زين العابدين بن علي وحسني مبارك للإرادتين الأميركية والإسرائيلية، فيما سوريا بلا أثقال خارجية وصاحبة مشروع وطني يرتكز على قاعدتي الممانعة ودعم المقاومة في لبنان وفي

فلسطين.

وهذا وحده يكفي لكي يميزها عن البلدان الأخرى، ويجنّبها عوارض الانهيارات السريعة. وحسب أوساط قريبة من الحكم في سوريا، فإن هناك من تصرّف على هذا الأساس، حتى إن الرئيس السوري بشار الأسد أدلى بحديث إلى صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية في نهاية كانون الثاني، قال فيه إن سوريا ليست تونس أو مصر. وأسهب في شرح رؤيته التي تقوم على أن بلاده تمتلك كافة عناصر الحصانة الداخلية.

كان من حق الحكم أن يستمر بمقاربة التطورات في تونس ومصر على هذا النحو، ما دامت عاصفة التغيير لم تقترب من الحدود السورية. إلا أن هبوبها من درعا بوابة الجنوب، لم يترك مجالاً للشك في أن سوريا مثلها مثل تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا، ستجد نفسها وسط المعمعة، وعليها أن تجد طريقها الخاص لتخرج منها بأقل الأثمان. ولكن حصيلة الحركة الاحتجاجية ومسارها جاءا ليُظهرا أن سوريا، فعلاً، ليست تونس أو مصر، بل إن حالتها أكثر تعقيداً.

وبرزت في الأفق منذ اليوم الأول سلسلة من الإشارات إلى أن الوضع ذاهب نحو تمثلات دراماتيكية، وربما لن يطول الوقت حتى يصل إلى نقطة الخطر. فالحريق يشتعل بقوة، رغم أن النظام يعمل جاهداً لتطويقه والقضاء عليه قبل أن يعمّ البلاد بأكملها. وتؤكد أحداث «جمعة أطفال الحرية» أن العودة إلى ما قبل 15 آذار باتت مستحيلة، فلا الشارع يقل زخمه ويتراجع أمام سيل الرصاص وهدير الدبابات، ولا النظام يتّعظ من الدرس ويبادر إلى تغيير أسلوبه الأمني الفظ.

تكمن المعضلة الفعلية في أن هناك اتجاهاً في الحكم لا يريد أن يرى الحقائق في صورتها العارية، ويصعب عليه الاعتراف بالأمر الواقع، وهو أن هناك سوريا جديدة تريد أن تولد رغم الكلفة الباهظة، وهي تبتكر نموذجاً في التغيير يختلف عن المسارات المصرية والتونسية واليمنية، وميزته الأساسية هي أن الشارع بلا سند من الجيش.

أصحاب الاتجاه المتصلّب وجدوا اللجوء إلى الحل الأمني أقصر الطرق لحرف اتجاه رياح التغيير.

ولكن بعد أكثر من شهرين ونصف شهر من تجربة الدم والاعتقالات الواسعة، تبيّن أن فاتورة مواصلة هذا النهج عالية التكاليف محلياً وخارجياً، عدا عن أنها قلّلت من هيبة النظام وعمّقت الهوة بينه وبين الشارع، وزادت

الإصرار الشعبي،

وأخذت تدفع بمناطق جديدة إلى ساحة المواجهة، مثلما حصل في مدينة حماة يوم الجمعة الماضي. فهذه المدينة التي ظلت تتحرك بحياء شديد طيلة أسابيع الاحتجاجات، كسرت حاجز الخوف ونزلت إلى الشارع بقوة، وتحدثت وسائل

الإعلام عن تظاهرات كبيرة ومشاركة أكثر من خمسين ألفاً في منطقة الحاضر التي تمثل العمق الشعبي للمدينة، وكانت الحصيلة نحو 70 قتيلاً، شارك في تشييعهم أكثر من مئة ألف، وسط غياب

للأمن.

والإشارة الثانية هي أن التحرك يأتي حتى الآن، في غالبيته، من الريف، ولم تلتحق به مراكز المدن الكبرى باستثناء حمص. وظلت دمشق وحلب تتمتعان بهدوء حذر وملتبس. وهذا الأمر يمثل خطورة كبيرة على النظام في الحالين.

فأن يبقى الريف هو الرافع لراية الاحتجاج، والذي يدفع ضريبة الدم، فذلك يعني انهيار لبنة أساسية من أركان النظام الذي قام، تاريخياً، على أكتاف أبناء الريف، على المستويات الاقتصادية والعسكرية والأمنية. إن الركون إلى تأييد تجار المدن يمثّل نوعاً من الأمل المخادع، فهؤلاء لا يستطيعون أن يمدوا النظام بأسباب البقاء حتى لو كسب المواجهة، كذلك فإن صمتهم ليس دليلاً على تأييد النظام، بل هو انتظار للحظة التي تميل فيها الكفة، لكي ينحازوا ويعلنوا موقفهم.

أما الإشارة الثالثة فهي تتمثل في أن احتمالات الاستثمار الخارجي وتصفية الحسابات حتمية. وهنا يشار إلى جملة من الاعتبارات؛ دعم المقاومة في لبنان وفلسطين، الانسحاب الأميركي من العراق، الوضع في لبنان، والعلاقات مع إيران.

ولا يخفى على أحد هنا أن مسألة الانفتاح على النظام السوري، التي بدأها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سنة 2008 وسارت عليها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، ليست بلا ثمن.

فالمطلوب من الحكم السوري أن يتعاطى بمرونة كبيرة مع الملفات الأربعة. فالولايات المتحدة وأوروبا لا تريدان ولا تعملان على إسقاط النظام السوري، لكنهما تصرّان على تجريده من الأوراق الأربع،

وهما لن تجدا فرصة ثمينة أكثر من التي تلوح في الأفق اليوم. والملاحظ هنا أن الغربيين على عجلة من أمرهم لانتزاع هذه الأوراق من يد النظام، وهم يستغلون زخم الحراك الشعبي لإنجاز هذه

المهمة.

فبالنسبة إليهم، لم يعد مقبولاً أن تستمر المقاومة في لبنان طرفاً قوياً وقادراً على ردع إسرائيل، كذلك فإن استحقاق الانسحاب العسكري الأميركي من العراق خلال الفترة القصيرة المقبلة يجري العمل عليه ليكون مأمون الجانب، وألا تكون لسوريا أي حصة في الشأن العراقي. والمفارقة هنا أن الشارع يعي هذه الحقائق، لكنه لم يعد في وارد التراجع عن التغيير، ويرى أنه صبر طويلاً على نظامه، وتحمّل منه الكثير لكي لا يضعفه أمام الضغوط الخارجية، ولكن النظام لم يردّ له الجميل حين خرج من حالة الحصار الدولي التي واجهها منذ سنة

2004.

إزاء هذا الوضع المعقّد، هناك عدة أسئلة ملحّة تطرح نفسها: هل يمكن تدارك الموقف؟ وهل في وسع الأسد قيادة الإصلاحات؟ واذا قرر ذلك، كيف يمكن أن تكون عليه الإصلاحات؟

تبيّن منذ البداية حتى اليوم أن الفرصة متاحة لتدارك الانزلاق إلى الخطر. ومن دون مبالغة يمكن القول إن الشعب السوري هو من أكثر الشعوب العربية التي أعطت الحكم فرص سماح في انتظار أن يبادر إلى الإصلاح.

لقد صبر السوريون طويلاً على القمع والجوع والإهانات على أيدي مؤسسة الأمن، وكان صبرهم أو إذعانهم، في جانب منه، تعويلاً على الرئيس الشاب الذي حظي بشعبية كبيرة منذ وصوله إلى الحكم سنة 2000، ولكن الجانب الثاني منه كان بفعل عامل الإكراه وإشاعة ثقافة

الخوف.

وقد تبيّن خلال الشهر الأول من الحركة الاحتجاجية أن الشارع مستعد لأن يصبر أكثر، لكنه يريد من الحكم أن يسلّحه بالأمل الفعلي، وليس خيبة الأمل. إن الذي دفع السوريين إلى رفع منسوب شعارات الاحتجاج هو الإحباط الذي عبّرت عنه المعالجة الأمنية الفظّة من جهة، وعدم القدرة على التقاط رسائل الشارع من جهة ثانية.

وهناك مثال صارخ يمثّل منعطفاً في الوضع السوري، يتمثّل في التظاهرات التي خرجت لتأييد الرئيس السوري قبل يوم من خطابه أمام مجلس الشعب في الثلاثين من آذار الماضي. لقد قرأ الحكم ذلك الزخم على أنه تعبير عن رضى شعبي حيال الوضع القائم، ولكن في حقيقة الأمر كان لسان حال الناس أنهم ينزلون إلى الشارع ليساندوا الرئيس في وجه معارضي الإصلاح.

وتفيد المعطيات المتوافرة اليوم أن قسماً كبيراً من ذلك الشارع لا يزال يرى أن الفرصة سانحة لتدارك الانزلاق إلى نقطة اللاعودة، من خلال القيام بتسوية مؤلمة على حساب النظام، أولى خطواتها التراجع عن الحل الأمني، والإصلاح بالتوافق لا

بالدم.

العشائر السوريّة خزّان البارود

«دقوا النشامى هيلنا وديغول خبّر دولتك مربط حصنّا وخيلنا». تلك كانت أهزوجة فرسان العشائر الذين حاربوا فرنسا في الأرياف التي انطلقت منها الثورة السورية على الاحتلال الفرنسي. تردد صدى الأهازيج من جبل العرب إلى سهل حوران، فالبادية صعوداً إلى الجزيرة العليا، ليصل إلى المدن التي هبّت على المستعمر. واليوم هناك من يريد أن يعيد التاريخ على نحو آخر من خلال زج العشائر في حرب مسلحة ضد النظام، من طريق استنفار عصبيتها لنصرة درعا

تعود العشائر السورية اليوم إلى المشهد السياسي، بعد تراجع دورها المباشر طوال نصف قرن، وصار لا يخلو اجتماع للمعارضين من رموز عشائرية تنتمي إلى جميع المناطق، يترافق مع حديث عن ضرورة إشراك العشائر في الحراك الاحتجاجي. ورغم أن بعض المشاركين في مؤتمر أنطاليا للمعارضة السورية أعلنوا ولادة ائتلاف للعشائر السورية، تعارض بعض الرموز العشائرية هذا التوجه من ثلاث زوايا: الأولى أن تمييز العشائر على هذا النحو يضر بالوحدة الوطنية ويهدد سلامة المجتمع السوري الذي انصهرت مكوناته بعيداً عن العامل السياسي. والزاوية الثانية، أن هناك أطرافاً سياسية تحاول أن تستثمر ورقة العشائر في مواجهة مسلحة مع النظام، لأهداف حزبية، وهذا أمر من شأنه أن يضر بالحراك السلمي ويخرجه عن مساره، ويفتح الباب أمام نزاع أهلي. أما الزاوية الثالثة، فهي أن أبناء العشائر جزء من الحركة السياسية العامة في سوريا، وكانوا على الدوام يشاركون فيها من منطلقات أبعد ما تكون عن العصبية القبلية، وهناك رموز عشائرية بارزة اليوم في الحركة الاحتجاجية، ليس بصفتها العشائرية.

تنتشر العشائر السورية في مناطق الأطراف والبادية، وتكوّن ما يشبه السور الواقي جغرافياً من الجنوب في درعا والسويداء، مروراً بالوسط حيث ريف حماة وحمص وحلب والرقة، وصولاً إلى الجزيرة العليا التي تتكون من محافظتي دير الزور والحسكة. وتعد درعا والرقة ومنطقة الجزيرة ذات تركيبة عشائرية بحتة، ولا تزال تقاليد العشائر وأعرافها وقيمها سارية المفعول، لكن تحت سقف الدولة، لا خروجاً أو موازاة لها، كما هي الحال في بعض البلدان مثل اليمن. بناءً علىه، انخرط أبناء العشائر في مسيرة التعليم ودخلوا مؤسسات الدولة، وبرزت منهم شخصيات سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية، رغم أن هذه المناطق الغنية عانت التهميش الرسمي والتمييز على مستوى مشاريع التنمية الكبرى.

في درعا تهيمن على المشهد عشيرتان كبيرتان، هما الزعبي وبازيد، اللتان ضربتا المثل في مقاومة الاستعمار الفرنسي، ونصرتا الملك فيصل الأول لكونه نجل الشريف حسين صاحب مشروع الحلم العربي، ووقفتا إلى جانبه في صورة أساسية عندما قرر الجنرال غورو ترحيله من سوريا في تموز 1920، وكان لثورتهما على أعوان الفرنسيين الدور الكبير في إشعال الثورة السورية الكبرى التي قادها الشيخ سلطان باشا الأطرش المنحدر من بني معروف. وتقول الوقائع التاريخية إن الأطرش قرر إعلان الحرب على الفرنسيين سنة 1922 في لحظة نخوة عشائرية، عندما اعتقل الفرنسيون في منزله، نتيجة وشاية، الثائر الجنوبي اللبناني أدهم خنجر، الذي أطلق النار على الجنرال غورو في القنيطرة سنة 1921. وتجد عشائر جنوب سوريا امتدادات لها مع عشائر الأردن والسعودية، وصولاً إلى لبنان. ومنذ أكثر من قرنين من الزمن تمددت عشائر سهل حوران خارج حماها، فعبر المسيحيون والدروز في اتجاه لبنان، وذهب المسلمون نحو الفضاء البدوي الواسع في اتجاه الخليج عبر الأردن، وهناك الكثير من العائلات والبيوت الكبيرة في لبنان والخليج تعتز بأصولها الحورانية، وانتسابها إلى قبائل عربية قديمة مثل الغساسنة.

على الجانب الآخر، تمثّل البادية خزان العشائر التي ظلت تتنقل تبعاً لمصادر الماء والكلأ، بين الشامية ونجد والحجاز. ومن أبرز قبائل البادية السورية النعيم والحديديين والفواعرة، بالإضافة إلى عشيرتي شمّر وعنزة. لكن شمّر، التي نزحت رموزها الكبيرة في أوائل القرن الماضي من حائل بعد الصراع مع آل سعود (قبيلة عنزة)، كانت تسيطر أساساً على المنطقة الواقعة ما بين سوريا والأردن والعراق والسعودية، وصولاً إلى الكويت، وكان طرفها السوري بزعامة فواز الشعلان في البادية السورية ودهام الهادي في أقصى الجزيرة، وعجيل الياور في العراق، الذي أدى دوراً أساسياً في ثورة العشرين على الإنكليز إلى جانب رشيد عالي الكيلاني، حتى إن المقيمة الإنكليزية في تلك الفترة في بغداد، غروترد بيل، الملقبة بـ«الخاتون»، أفردت له فصلاً كاملاً في مذكراتها تتحدث فيه عن شخصيته الكاريزمية.

وحاول فواز الشعلان أن يؤدي دوراً سياسياً بعد استقلال سوريا، وكان على صلة بالملك عبد العزيز آل سعود الذي حمله هدية نقدية كبيرة، هي عبارة عن عدة أكياس من الليرات الذهبية للرئيس السوري شكري القوتلي، فكان أن رد القوتلي الهدية، وقال إن سوريا ليست للبيع. ومن يومه عرفت العشائر قاطبة الحدود التي يجب أن تحترمها إن أرادت الحياة داخل سوريا، ولم يكن الأمر سهلاً في حينه، فقد كان الملك عبد العزيز يعدّ نفسه زعيماً على كل من يضع على رأسه الكوفية والعقال، وكان من الجبروت حتى شاع المثل البدوي «الله أقوى من ابن سعود».

في الجزيرة السورية العليا يختلف أمر العشائر لأسباب تتعلق بعوامل الاستقرار، ومنها الماء. فهذه المنطقة الواقعة بين نهري الفرات ودجلة تعد ذات طبيعة ومزاج خاصين؛ فهي من جهة تمثّل إحدى أقدم الحواضر في سوريا، وهناك آثار تعود إلى العهد السابع قبل الميلاد (تل بيدر بقرب الحسكة يعود العهد المؤابي)، وتل حلف الأثري بالقرب من راس العين عُدّ معياراً عالمياً يعرف بـ«عصر تل حلف».

على هذه الأرض أخذت البداوة صبغة أخرى، حيث وجدت قيمها حاضنة تاريخية صاغت الوجدان بشعور وطني أساسه الأرض التي تقدست بعد ذلك بالديانتين المسيحية والإسلامية. ومن هنا يتحول أبناء هذه المناطق مقاتلين أشداء حين يتعلق الأمر بالأرض والماء. من أكبر العشائر في هذه المنطقة الجبور والبكارة والعكيدات، وتُعَدّ عشيرة الجبور عابرة للحدود بين سوريا والعراق، وتعد أكثر من ثلاثة ملايين، هي بمثابة خيمة كبيرة، يلخصها المثل الذي يقول: «إذا ضاع أصلك قول جبوري». ولهذه العشيرة زعامتان تاريخيتان، واحدة قبلية هي «الملحم»، التي برز منها الشيخ عبد العزيز المسلط الذي عرف كبار رجالات السياسة في المنطقة، والزعامة الثانية دينية رُفع لواؤها للسادة الهاشميين، الذين تذهب أصولهم للحجاز، وبعضهم كان قد قدم مع الملك فيصل، لكنه استقر هناك. ومن أبرز رجالات السادة، السيد علي الخليف، الذي نفاه الفرنسيون إلى السيشل لأنه رفض إقامة دولة في الجزيرة العليا، وقال قولته الشهيرة للجنرال غورو: «الجزيرة من سوريا مثل الرأس من الجسد».

انطلاقاً من أن البنية العشائرية هي بنية تنظيمية وسياسية في آن واحد، كما تعلمنا الانتروبولوجيا السياسية، يمكن القول إن هذه البنية، كانت تتحدد على الضد من سكان المدينة. فقد كانت المدن المحيطة بعالم البداوة هشة وتفتقر إلى التنظيم وعاجزة عن حماية نفسها تجاه المحيط القبلي الذي يكاد يطبق عليها. وهذا ما يراه حنا بطاطو، في دراسته عن العراق. فالمجتمعات القبلية هي «مجتمعات من أجل الحرب»، وخصوصاً في مجتمع يقوم على الحرب، حيث تمجد البنية القبلية الغزو وتحتقر الزراعة والفلاحة وحتى سكنى المدن التي اشترى فيها زعماء القبائل بيوتاً جميلة لارتيادها في المناسبات فقط. من هنا كانت التحالفات بين القبائل العربية، «تحالفات من أجل الغزو والحرب». وظلت العشائر تأنف سكنى المدن الناشئة، حتى بداية الثلث الأخير من القرن العشرين، الذي تميّز بهجرة ريفية كثيفة إلى هذه المدن.

يجري اليوم الرهان على دور للعشائر لنقل الحركة الاحتجاجية إلى العنف المسلح، وأكثر طرف يدفع في هذا الاتجاه هم جماعة الإخوان المسلمين، الذين يتولى قيادتهم حالياً رجلان من جناح «الطليعة المقاتلة»، التي خاضت مواجهات مسلحة مع الحكم في نهايات السبعينيات ومطلع الثمانينيات، انتهت بمذبحة حماة الشهيرة، وهما محمد رياض الشقفة المراقب العام ونائبه محمد فاروق طيفور. وهناك إشارات إلى أن الإخوان يحاولون استدراج العشائر إلى معركة مع الحكم لعدة أسباب: الأول هو أن الحركة الاحتجاجية التي بدأت من درعا، كانت شرارتها الصدام مع عشائر المحافظة، حيث تشير أكثر من رواية إلى أن مسؤولي الأمن وجهوا إهانات لزعماء عشائر المحافظة الذين توسطوا لتطويق الأزمة في بدايتها، وهذا ما يفسر انخراط المحافظة على هذا النحو الواسع. وبالتالي يسعى «الإخوان» إلى استنفار العصبية العشائرية، وجر عشائر أخرى من منطلق نصرة عشائر درعا، وهو أمر مأخوذ به في العرف العشائري. والسبب الثاني هو أن الجيش يتكون في غالبية جسمه العام من أبناء العشائر، الذين يؤلفون القوة المقاتلة الفعلية، وهذه مسألة معروفة، ويمكن تفسيرها من خلال نظام الخدمة الإجبارية من جهة، وتركيبة الجيش العامل القائم على التطوع، وقد عرف الجيش حركة تطوع واسعة من أبناء العشائر في العقود الثلاثة الأخيرة، وخصوصاً بعد تدهور الريف وتراجع الزراعة. ويجري الرهان على استمالة أبناء العشائر للتمرد ورفع السلاح للدفاع عن الحركة الاحتجاجية.

أما السبب الثالث فهو أن العشائر مقاتلة، ورغم دخولها في عالم المدنية والتحضر، فإنها ظلت تضع قدماً على أرض البداوة، وتستطيع أن تعود إلى لحمتها وعصبيتها العشائرية بسرعة شديدة إذا ما أحست بأن هناك تهديداً لأعرافها وتقاليدها وقيمها، وهذا يفسر الطريقة التي تعامل بها الرئيس حافظ الأسد، الذي جعل من شيوخ العشائر مقربين منه.

والسؤال: هل ينجح الرهان على ورقة العشائر؟ ليس هناك معطيات تؤكد ذلك، فالعشائر تدرك خطورة رفع السلاح، فضلاً عن أن لا مصلحة لها في إدخال البلد في حرب أهلية، وهي من جهة أخرى ليست في صف الإخوان المسلمين، وسبق للرئيس العراقي السابق صدام حسين أن لعب هذه الورقة من خلال عشائر الجبور في الحسكة، ولكنه فشل، ولم يكسب العشائر، ولم يستمل من رموزها إلا بعض الشخصيات غير المؤثرة.

أكراد سوريا: مواطنون لا رعايا

يشارك الأكراد في الحركة الاحتجاجية السورية على نحو ملحوظ، ورغم صدور مرسوم بتسوية أوضاع الجنسية لأكثر من 100 ألف منهم، انحاز الخيار الكردي إلى صف الشارع ضد النظام، فيما كانت المخاوف قائمة من ظهور نزعات انفصالية

لم ينجح المرسوم الذي أصدره الرئيس السوري بشار الأسد في السابع من نيسان الماضي في استقطاب الأكراد أو تحييدهم. ورغم أن المرسوم يلبّي مطالب تاريخية للأكراد تتعلق بحل مشكلة التجنيس، حظي بالتجاهل من خلال جملة الشعارات التي رفعها المتظاهرون الأكراد، وكلها تصبّ في صلب مطالب الحركة الاحتجاجية، وأبرزها «قضية الأكراد ليست الجنسية بل الحرية».

وفاجأ هذا الموقف أطراف الحركة الاحتجاجية قبل النظام، ذلك أن الحراك الكردي في السنوات الأخيرة ابتعد عن مطالب الشارع السوري في جوهرها العام، وأخذ له منحىً مختلفاً تمثّل في اتجاهين متعاكسين: الأول مطلبيّ يركز على حل مشكلة أكثر من 300 الف كردي محرومين من الجنسية، والثاني سياسي ذو طابع قومي انفصالي. وبرز هذا التيار بقوة بعد احتلال العراق، وقيام الكيان الكردي هناك.

عانى الأكراد السوريون التمييز والتهميش طيلة حكم حزب «البعث»، صاحب العقيدة القومية، وشعار «سوريا قلب العروبة النابض»، الذي تعامل معهم على نحو إقصائي، بدأ بعدم الاعتراف بهم مكوّناً من مكونات الشعب السوري المتعدد دينياً وقومياً، فمن جهة أسقط عن بعضهم حقوق المواطنة، ومن جهة أخرى عمل على مسح هويتهم الوطنية، من خلال تحريم التحدث بالكردية ومنع الأكراد من ممارسة طقوسهم الفولكلورية مثل عيد النوروز.

يؤلف الأكراد في سوريا قرابة 10 في المئة من السكان، ويتجاوز عددهم 2 مليون، يتوزعون في عدة محافظات، لكنهم يتركزون بنحو أساسي في محافظة الحسكة. وتعد منطقة القامشلي نقطة ثقلهم الرئيسية، فينتشرون على خطيّ الحدود، ما بين سوريا والعراق، وما بين سوريا وتركيا، وهناك كتلة كردية كبيرة في منطقة عفرين في ريف حلب، بالإضافة الى دمشق، حيث يعد حي ركن الدين، المعروف بـ«الأكراد»، أحد المعاقل الخاصة بهم. ورغم أن بعض الأكراد استوطنوا المدن الكبرى مثل حلب ودمشق، وبرزوا في الحياة العامة، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، فإن الغالبية العظمى تنحدر من قبائل عاشت في منطقة الجزيرة السورية، مثلها مثل القبائل العربية، وخضعت لنفس شروط الحياة وأنماط الإنتاج، من الرعي الى الزراعة والسكن على ضفاف نهر الخابور الذي ينبع من منطقة رأس العين على الحدود السورية ـــــ التركية، ويصبّ في الفرات قرب دير الزور، وعاش الأكراد تاريخياً على الضفة الشرقية للنهر، ولم يعبروا الى ضفته الغربية، فظلوا يتحركون بين حدود محافظة الحسكة الشمالية والحدود مع تركيا والعراق. وقبل أن يصل حزب البعث الى السلطة، كان الأكراد جزءاً من نسيج الجغرافيا والتاريخ، وعاشوا مع القبائل العربية في تفاهم، وشاركوا مثلهم مثل باقي أبناء المنطقة في الدفاع عنها، سواء في الثورة على الاتراك أو خلال الثورة على الاستعمار الفرنسي، وتقدم بعضهم صفوف الثورات مثل القائد ابراهيم هنانو.

بدأت معاناة الأكراد الفعلية مع وصول حزب البعث إلى السلطة، ومرت بعدة مراحل. المرحلة الأولى هي الاحصاء السكاني لسنة 1962، اثناء حكم عبد الكريم النحلاوي، الذي قاد انقلاب الانفصال عن مصر في سنة 1961. وجاء حزب البعث سنة 1963 إلى السلطة وكرس هذا الأمر وحوّله إلى واقع مر، ونشأت نتيجة لإحصاء الحسكة عام 1962 فئة كردية خاصة عُدّ أفرادها من الأجانب أو غير مسجلين. وحسب الإحصاءات الرسمية السورية يوجد 142،465 كردياً من مواليد سوريا، لكنهم لا يعدّون مواطنين سوريين، ولا يمكن هؤلاء السفر إلى دولة أخرى لعدم امتلاكهم لوثيقة أو جواز السفر، ثم زُوّدوا ببطاقات هوية، لكن تجيز القوانين لهؤلاء امتلاك أراض أو عقارات، ولا يمكنهم العمل في مؤسسات حكومية أو دخول كليات الطب والهندسة وحتى الزواج من مواطن سوري أو مواطنة سورية. لا تشمل هذه القوانين جميع الأكراد في سوريا بل الأشخاص الذين، وحسب الحكومة السورية، لا يمتلكون وثائق تؤكد أنهم من سوريا قبل عام 1945.

أجري الإحصاء السكاني في 23 آب سنة 1962 وكان واضحاً أنه حصل بقرار سياسي في ظل معطيين بارزين. الأول هو حصول الانفصال بين سوريا ومصر. والثاني قيادة الزعيم الكردي العراقي الملا مصطفى البرزاني تمرداً مسلحاً في شمال العراق في ايلول سنة 1961. وحُصر الأكراد في ثلاث فئات. الأولى من يتمتعون بالجنسية، وهؤلاء كان لزاماً عليهم أن يثبتوا أنهم مواطنون سوريون منذ سنة 1945، وتضم الثانية المجردين من الجنسية والمسجلين في القيود الرسمية على أنهم أجانب. والثالثة لا يتمتع أفرادها بالجنسية وهم غير مسجلين في القيود، وأطلقت على هؤلاء صفة المكتوم، وانسحب ذلك على كل المواليد من أم مكتومة وأب مواطن، ومن أب مكتوم وأم مواطنة، ولما كان الاكراد يتزاوجون في ما بينهم، فقد ولّد هذا الإجراء إشكالات كبيرة، فعاشت الكثير من العائلات مقسومة بين مواطنين ومكتومين. وعلى الطرف الآخر برز الأكراد على نحو ملحوظ خلال حكم البعث، فهناك الوزراء وأعضاء مجلس الشعب ورؤساء الأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية الحاكمة والكتّاب والفنانون ورجال الأعمال، وكانت هناك شخصيات بارزة مثل محمود الأيوبي الذي تولى رئاسة الحكومة السورية خلال حكم الأسد الأب، وخالد بكداش مؤسس الحزب الشيوعي السوري اللبناني.

المرحلة الثانية في السبعينيات، والتي عرفت باسم «الحزام العازل». وفي هذه الفترة نقلت الدولة السورية عشائر عربية من منطقة الفرات إلى الحدود السورية ـــــ التركية، وأسكنتها على حدود القرى الكردية، لتكوّن ما يشبه الحاجز بينها وبين الحدود التركية، وقد تضرر الأكراد من جراء ذلك لعدة أسباب، منها أن الحدود كانت تمثّل بالنسبة إلى لكثير من العوائل الكردية مصدر رزق بفضل التهريب ما بين سوريا وتركيا. والسبب الثاني ترحيل قسم من الأكراد من قراهم لتصبح ملكاً للقادمين الجدد، الذين أطلق عليهم الاكراد اسم «المستوطنين العرب». وقد نفت الدولة السورية هذه المزاعم، وكانت حجتها أنها استقدمت العشائر العربية التي كانت تقطن على ضفاف نهر الفرات، حيث أقيم «سد الطبقة»، ولأن مياه «بحيرة الأسد» غمرت أراضي هؤلاء، فإنها عوضتهم بأراض أخرى من ملكية الدولة في المناطق الحدودية. وفي كل الأحوال ظلت هذه المسألة مثار نزاع بين الأكراد والقادمين الجدد، ولم تستقم العلاقة حتى الآن. وفي نظر الكثير من الأوساط أن العملية ذات بعد سياسي مباشر، انطلق من حسابات ترى في صلات الاكراد السوريين بأكراد العراق وتركيا خطراً، بسبب النزعات الانفصالية، ولذا أرادت أن تقيم عازلاً يمنع انتقال الحرارة والعدوى.

المرحلة الثالثة بعد احتلال العراق. وفي هذه الفترة بدأ يتبلور الكيان الكردي في شمال العراق، الأمر الذي أثار نشوة أكراد سوريا، لكنه في نفس الوقت استنفر مشاعر العشائر العربية، التي أحست بالهزيمة، ومردّ ذلك إلى التمازج العشائري الحدودي بين سوريا والعراق، وخصوصاً بالنسبة إلى عشائر كبيرة وواسعة الانتشار مثل الجبور وطي. وكادت الأفراح والاحتفالات الكردية بسبب هذا الحدث، ان تقود الى مواجهات بين الاكراد والعشائر، إلا أن اجهزة الدولة حالت دون ذلك. لكن الأمر لم يدم طويلاً حتى تفجّرت هبّة كردية كبيرة في 12 آذار سنة 2004 في منطقة القامشلي، وامتدت الى مدينة الحسكة، وريف حلب وضواحي دمشق. ودامت عدة ايام، وكانت تنذر بمخاطر كبيرة، بسبب عدم قدرة جهاز الدولة الأمني والعسكري على التحكم بها، وخصوصاً في القامشلي والحسكة، وكان العامل الحاسم في إنهاء انتفاضة الاكراد هو تدخل عشائر الحسكة.

انطلقت شرارة هذه الاحداث أثناء مباراة لكرة القدم في الملعب البلدي في القامشلي، عندما نشب شجار بين مشجعين أكراد لفريق القامشلي ومشجعين عرب للفريق الضيف الآتي من دير الزور، وقتل في ذلك اليوم 13 شخصاً. وانتشرت أعمال العنف إلى مناطق مجاورة ووصلت حتى إلى حلب ودمشق، ونُفّذت حملة اعتقالات في المنطقة. واستناداً إلى منظمة العفو الدولية، اعتُقل ما يقارب 2000 شخص كانوا من الأكراد، وكان من بينهم نساء وأطفال بعمر 12 سنة، وفُصل العديد من الطلاب الأكراد من الجامعات. وقالت رواية الاكراد في حينه إن مشجعي فريق دير الزور هم الذين بدأوا الاستفزازات عندما رفعوا صور صدام حسين، وأخذوا يهتفون بشعارات عنصرية ضد الأكراد.

رغم تطويق الحادث في حينه، ظلّت النار تشتعل تحت الرماد، وكانت شرارة صغيرة، في كل مرة، كافية لإشعال الحريق، وهذا ما حصل في سنة 2008، عندما قتل ثلاثة شبان أعمارهم ما بين 17 و22 سنة أثناء إشعالهم النار حسب تقاليد احتفال عيد النوروز الكردي في القامشلي، حيث فرّقت الشرطة الجموع بإطلاق النار عشوائياً.

الحركة السياسية الكردية لا تختلف كثيراً عن نظيرتها العربية، فالقمع فعل فعله فيها، وعملت أجهزة الاستخبارات على تشتيتها، وتفريخ احزاب صغيرة ودكاكين سياسية، وهي لا تعد ضعيفة، لكنها أخذت تتبلور منذ نهاية السبعينيات في اتجاه قومي. وبعدما ألّف الاكراد الجسم العام للحزب الشيوعي خلال قيادة خالد بكداش، بدأوا يتحولون نحو الاحزاب القومية الكردية بسبب الإحباط العام، لكن قسماً كبيراً من الأجيال الجديدة انخرط في مجرى الحياة السياسية العامة، ولم يعر اعتباراً كبيراً لأصوله الكردية.

وكانت المفاجأة الكبرى أن الأكراد ساروا حتى الآن وفق إيقاع الحراك الاحتجاجي، ولم تأخذهم الغيرة على حقوقهم من منطلق أناني، وصبّوا في المجرى العام بوضوح عبّر عنه زعماء الأحزاب الفاعلة في الحركة الكردية، مثل حبيب ابراهيم رئيس حزب الاتحاد الديموقراطي، الذي علّق على المرسوم الرئاسي لمنح الجنسية لنحو مئة ألف كردي بقوله «قضيتنا هي قضية الديموقراطية لكل سوريا، والمواطنة هي حق لكل سوري وليست تفضيلاً»، وسار على نفس الطريق محيي الدين شيخ آلي زعيم حزب «يكيتي»، الذي رأى أن «هناك مطالب وطنية كردية تتوافق وتلتقي مع مطالب الشعب السوري والمحتجين في معظم المدن».

وعلى غرار أحزاب المعارضة السورية، لم تتخذ الأحزاب الكردية قراراً بالتظاهر بوصفها أحزاباً، لكنها أبلغت قواعدها أن التظاهر حق مشروع، وأنها تؤيد الاحتجاجات الشعبية في كل انحاء سوريا، وأن مطالب مكوّنات الشعب السوري واحدة، منها اطلاق الحريات وإجازة الأحزاب السياسية وإلغاء قوانين الطوارئ والتوجه نحو المزيد من الديموقراطية.

«جمعة آزادي» أثلجت قلوب الأكراد، فالحركة الاحتجاجية كلها هتفت للحرية باللغة الكردية، وبالنسبة إلى الاكراد، يمثّل ذلك مؤشراً لا يخلو من دلالات وهو يؤسس للمستقبل، حيث يطمح الأكراد إلى اعتراف دستوري بوجودهم بما هم قومية ثانية في سوريا، ورفع الحظر عن استخدام اللغة والثقافة الكردية، وإلغاء جميع القوانين التمييزية ضدهم، والتي تمنع حتى الغناء بالكردية.

إخوان سوريا بين التقيّة والأخطاء القاتلة

يحاول الإخوان المسلمون ركوب موجة الحركة الاحتجاجية في سوريا، وفي البداية أرادوا تصدر المشهد الإعلامي، لكنهم سرعان ما تراجعوا، حين اكتشفوا أن النظام أراد أن يستدرجهم إلى هذا المربع، وصاروا ينشطون من خلال قنوات أخرى مثل المؤتمرات التي تعقد في الخارج، لكن حضورهم في الداخل باهت وصدقيتهم مجروحة

كان الإخوان المسلمون أول من بادر من بين أطراف المعارضة السورية إلى مواكبة الحركة الاحتجاجية في داخل سوريا. وفي الأسبوع الأول من اشتداد زخم المواجهات في درعا، أطلت شخصيتان بارزتان من الإخوان، هما المراقب العام المهندس محمد رياض الشقفة، والناطق الرسمي زهير سالم. ظهر الأول من إسطنبول التي وصل إليها من مقر إقامته في اليمن ليقول في أحاديث ولقاءات إعلامية إن جماعة الإخوان «تدير التظاهرات وتشارك فيها بفاعلية»، وهو ما تقاطع مع اتهامات النظام السوري عن أن «التظاهرات وأعمال الشغب والتخريب هي من صنيع جماعة الإخوان المسلمين».

واستدعى ذلك رداً من وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية، في صيغة بيان تحذيري أصدره المتحدث باسم وزارة الخارجية، جاء «رداً على تصريحات المسؤول في جماعة الإخوان المسلمين السورية محمد رياض الشقفة من إسطنبول حيث هو الآن». ونقلت الوكالة عن البيان قوله «إنه في هذه المرحلة الدقيقة، يستحيل أن تسمح تركيا بأية مبادرة (من الإخوان المسلمين السوريين) يمكن أن تضر بالرغبة بإجراء إصلاحات في سوريا». وأضاف: «نحن واثقون بأن الشعب السوري سيلبي مطالبه وتطلعاته من خلال السبل السلمية، وأن الإدارة السورية ستبدأ عملية الإصلاح التي وعدت بها في أقرب وقت ممكن». وبحسب مراقبين أتراك، إن حرص وزارة الخارجية التركية على التشديد في بيانها على «السبل السلمية»، إنما يعكس تلقيها معلومات من سوريا تشير إلى وقوف جماعة الإخوان المسلمين وراء أعمال العنف التي شهدتها التظاهرات في أكثر من مكان. وبينما كانت مواقف سالم الإعلامية في بداية الحركة الاحتجاجية مواربة، فإنه تدارك الأمر في تصريحات لاحقة أراد منها تصويب الرؤية، وأعلن في الأول من أيار «أن الجماعة قررت استئناف نشاطاتها المعارضة، واتخذت قراراً بهذا الشأن عبر مؤسساتها»، نافياً أن يكون الإخوان قد دعوا في بيانهم الأخير الشعب السوري إلى التظاهر. وقال: «بياننا الأخير لم يتضمن أي دعوة مباشرة إلى التظاهر، وكان هذا العنوان قراءة غير دقيقة من بعض وسائل الإعلام، والذي وجهه البيان هو دعوة لكل أبناء الشعب السوري بكافة فئاته للالتحام بالحراك الوطني». وأضاف: «الجماعة أكدت في بياناتها السابقة أنها ملتحمة بهذا الحراك ومصرة على أن يبقى وطنياً ودون أي احتواء من أي جهة كانت، ولا يحق لأحد أن يدعيه وأن يفرض الوصاية عليه». وأكد أن الإخوان المسلمين «جزء من المجتمع وليسوا وراء هذا الحراك وليسوا المحركين له، ولا الأوصياء عليه».

والسؤال الذي يطرح نفسه هو، لماذا تنصل سالم من تصريحات المراقب العام، وأنكر على جماعته أي دعوة للتظاهر؟ الإجابة تتلخص في ثلاثة أسباب: الأول هو أن الإخوان، بعد شهرين من الحركة الاحتجاجية، اعترفوا بحجمهم الفعلي ودورهم المتواضع فيها. ويعرف السوريون أن رهان الإخوان الرئيسي كان على مدينتي حلب وحماة، حيث مراكز ثقلهم التاريخية، وبينما لم تتحرك الأولى حتى الآن، فإن الثانية انتظرت حتى «جمعة أطفال الحرية» الأخيرة لكي تنزل بقوة. ورغم التلميحات التي صدرت بشأن دور للإخوان في استنفار حماة، فإن أوساطاً سورية تؤكد أن الحراك تلقائي، وغير مسيّر. واعترف سالم بإمكان مشاركة الجماعة في الحراك الذي تشهده سوريا، بالقول: «لكوننا لا نملك قواعد تنظيمية بالمعنى الاصطلاحي، لكون التنظيم محكوماً عليه بالإعدام، فإن لنا قواعد فكرية تؤمن بمبادئنا وأهدافنا ضمن المجتمع السوري، وهي تتحرك تلقائياً ضمن هذا المجتمع، وتشارك في الحراك الدائر حالياً على طريقتها وبقرارها». السبب الثاني أن الإخوان تعرضوا لانتقادات داخلية وخارجية. في الداخل عابت عليهم أطراف في الحراك الجماهيري أن ينسبوا إلى أنفسهم تسيير التظاهرات، ورأت أنهم شذوا عن الخط العام للمعارضة الذي تواضع أمام حركة الشارع وسار خلفها من دون ضجيج أو بيانات. وخارجياً، نبهتهم أطراف مثل تركيا إلى مخاطر سلوكهم السياسي، الذي يثير الحرج، ويخلق أزمة دبلوماسية مع سوريا. أما السبب الثالث، فهو أن ادعاءهم أبوّة الحركة الاحتجاجية يعطي للنظام ذرائع لضربها بقسوة، ولا سيما أنه درج على توجيه اتهامات للمتظاهرين بأنهم «سلفيون» يمارسون التخريب، ويعتدون على قوى الأمن والجيش. يمكن تلخيص تاريخ حركة الإخوان المسلمين السوريين ومسارها في أنه يتأرجح بين التقية السياسية والأخطاء القاتلة. وبرزت براغماتية الإخوان المسلمين وبراعتهم في التلون حسب الطقس السياسي العام بعد الاستقلال مباشرة، حيث شاركوا في الانتخابات البرلمانية في سنة 1947، حين باشرت الجماعة العمل السياسي العلني، ولم تتراجع عن هذا الخيار في ظل ديكتاتورية حسني الزعيم وسامي الحناوي، واستمروا في حكومة خالد العظم سنة 1949بوزير أسندت إليه حقيبة الأشغال، هو محمد المبارك، وكانت مكافأة ظهورهم العلني أن أديب الشيشكلي قرر سنة 1952 إغلاق مقارّ الإخوان وزج بقادتهم في السجن. وحصل انفراج في وضعهم العام بعد سقوط الشيشكلي ومجيء هاشم الأتاسي سنة 1954. لكن المرحلة الأبرز كانت مع وصول حزب البعث إلى السلطة في سنة 1963، الذي حل جميع الأحزاب ونصّب نفسه قائداً للدولة والمجتمع. وليس هناك محطات سياسية هامة في حياة حركة الإخوان المسلمين حتى بداية السبعينيات، عندما عاد الإخوان للنشاط شبه العلني من خلال العمل الدعوي في صورة أساسية، واستفادوا من وصول حافظ الأسد إلى السلطة سنة 1970، ذلك أن الأسد كان منهمكاً لعدة سنوات في ترتيب وضعه داخل الحزب والجيش، وشُغل بعد ذلك بحرب تشرين سنة 1973. ورغم أنه بدا قوياً وممسكاً بكل الخيوط، لم يستقر وضعه الداخلي حتى سنة 1976 حين تدخل عسكرياً في لبنان. ويمثّل هذا الحدث منعطفاً هاماً في تاريخ سوريا لعدة أسباب. الأول أن الأسد استمد شرعية عربية ودولية للتدخل العسكري في لبنان، ما زاد في أوراق قوته. والثاني أن الشارع السوري أخذ يتحرك في اتجاهين: رفض التدخل في لبنان ضد المقاومة الفلسطينية، والمطالبة بالديموقراطية. وهنا بدأت تظهر حركة احتجاجية عبّرت عن نفسها من خلال تحرك النقابات، وخصوصاً نقابة المحامين، وتعاظم هذا التحرك بسرعة حتى بدا حكم الأسد غير قادر على احتواء حركة الشارع، والتفرغ للوضع في لبنان، الذي استعر فيه القتال بشدة. في هذه الفترة تحديداً، بدأ الإخوان بارتكاب الخطأ القاتل الرقم واحد، وهو رفع السلاح في وجه النظام، وكانت الفاتحة من خلال سلسلة من أعمال الاغتيال التي طالت رموزاً من الطائفة العلوية من دون تفريق، ولم يقتصر الأمر على شخصيات أمنية وعسكرية، بل وصل إلى أساتذة جامعات ومثقفين لم يكونوا في صف النظام. وبرر الإخوان ذلك بأنه رد على ممارسات النظام الطائفية وتصفيته لبعض شخصياتهم. وكانت الذروة مع حادثة مدرسة المدفعية في حلب سنة 1979، حيث ارتكب المدعو إبراهيم يوسف مجزرة مروعة بحق مجموعة من العساكر العلويين، سقط منهم 32 قتيلاً. ورغم نفي الإخوان المسؤولية عن المذبحة، كان الحادث إيذاناً بانفلات العنف من عقاله في الاتجاهين، وجرّد الطرفان أسلحتهما ودخلا في حرب مفتوحة استمرت حتى سنة 1982، وكانت خاتمتها مجزرة حماة، التي تتضارب الأرقام في عدد ضحاياها بين عشرة آلاف وثلاثين ألفاً، ولم تسلم منطقة سورية من لظى تلك المواجهات، لكن كان لحماة وحلب النصيب الأكبر من الضحايا والدمار.

من أبرز نتائج تلك المواجهات التي دامت قرابة خمس سنوات، توجيه ضربة قاصمة لحركة الإخوان المسلمين، حيث صُفِّي جناحها العسكري «الطليعة المقاتلة»، وفر بعض رموزه إلى خارج سوريا، ومنهم عدنان سعد الدين ومحمد رياض الشقفة. وعلى الصعيد السياسي، جرى تجريم الحركة وحظرها بموجب القانون 49، الذي نصت مادته الأولى على أنه «يعتبر مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين». ومنذ ذلك الحين، لم تقم للإخوان قائمة في سوريا، حتى جاءت الحركة الاحتجاجية لتسلط الضوء عليهم من جديد.

الخطأ القاتل الثاني هو أن الإخوان خرجوا خاسرين في المواجهة العسكرية، وذهبوا إلى العراق ليتحالفوا مع صدام حسين لإسقاط النظام في سوريا. ولا يخفى على أحد أن الرئيس العراقي الذي كان في أوج حربه مع إيران، أراد تجيير هؤلاء على أساس مذهبي ضد عدوه اللدود حافظ الأسد. وقَبِل قادة الإخوان، ومنهم عدنان سعد الدين، هذه الوظيفة، وحاولوا أن يبرروها من منطلق تحالفات الضرورة، لكن هذا الحلف انتهى لغير مصلحة الإخوان، الذين لم يستفيدوا من إمكانات النظام العراقي لمواجهة الأسد، وخسروا رصيدهم الأخلاقي. واقتصر نشاطهم على بعض العمليات العسكرية، التي كان مفعولها عكسياً.

الخطأ الثالث هو التحالف مع عبد الحليم خدام في سنة 2006. وكان ذلك بمثابة الضربة القاضية لهم. فخدام الذي عدّته المعارضة السورية جزءاً من النظام، واشترطت عليه الاعتذار عن ماضيه، قبل أن تقبله في صفوفها، احتضنه الإخوان وفق حسابات خاطئة كانت تقوم على أن الإدارة الأميركية السابقة تعمل على تغيير نظام الحكم في سوريا، ومرشحها لقيادة المرحلة المقبلة هو خدام. ووصلت للإخوان إشارات من أطراف عربية ودولية، بينها السعودية، بضرورة التحالف مع خدام، وهذا ما كشفه سعد الحريري في إحدى برقيات «ويكيليكس». وتبين مع مرور الوقت ورحيل إدارة جورج بوش أن المسألة لم تكن أكثر من سراب غرق فيه الإخوان، فانسحبوا سنة 2009 من جبهة خدام (جبهة الخلاص)، ولكنهم فتحوا خطاً تفاوضياً مع النظام السوري عبر لجنة أمنية، وعلقوا على أساسه نشاطهم، وبرروه بالحرب الإسرائيلية على غزة. وقد جرى الحديث في أوساط المعارضة عن أن هناك وساطة بين الإخوان والنظام، تولتها تركيا وحركة حماس، ولكنها لم تؤد إلى ما كان يعوّل عليه الإخوان في إلغاء القانون الرقم 49، والسماح لهم بالعودة من الخارج. مرة واحدة اقترب الإخوان من صوت العقل، حين شدهم رياض الترك ليكونوا جزءاً من مكونات المعارضة الوطنية، ووضع أمامهم جملة من الشروط لكي يتجاوزوا ماضيهم، وأول نقطة كانت إدانة الإرهاب، ومن ثم الإقرار بفصل الدين عن الدولة، وقبول التعددية السياسية، وعلى هذا الأساس دخلوا «إعلان دمشق»، الذي غادروه بعد فترة قصيرة ليلتحقوا بجبهة خدام.

اليوم يرشح الإخوان أنفسهم لدور قيادي من خلال سلسلة المؤتمرات التي انعقدت في تركيا وبروكسل، ورغم أنهم لا يزالون يمارسون لعبة التقية السياسية، فإن لمساتهم واضحة على مؤتمرات الخارج، بل إن شهوة الوصول لدى بعضهم تبدو طاغية، فهم مستعجلون لقطف ثمار الحركة الاحتجاجية، وعينهم على تونس ومصر واليمن، حيث تحتل حركة الإخوان حيزاً واسعاً من الفضاء الجديد، ومن الواضح أن إخوان سوريا استفادوا من التجربة في البلدان الثلاثة، وأدركوا أهمية تركيا وقدرتها على تسويق هذا النموذج لدى الولايات المتحدة، لكن ما ينقصهم هو الحضور الداخلي، الذي صار حلماً بعيد المنال، بعدما تشتتت صفوفهم وصار تاريخهم سلسلة من الأخطاء القاتلة.

المعارضة السورية: صمت الحملان

تبدو المعارضة السورية بعيدة عن الحركة الاحتجاجية. يلفّ موقفها صمت يشبه صمت الحملان، لكنه نابع من عجز عن التقاط نبض الشارع الذي سبق كل الأحزاب، ونقل المواجهة مع النظام الى مستوى لا تبدو القوى السياسية قادرة على مجاراته أو اللحاق به. والمفارقة هنا أنه لم يصدر أي موقف عنها يقدم قراءة لما تعيشه البلاد من أحداث استثنائية

درج شيخ المعارضة السورية، رياض الترك، على وصف سوريا بـ«مملكة الصمت»، ويبدو هذا التوصيف اليوم أقرب ما يكون الى حال المعارضة التي بقيت صامتة، مكتفية بمراقبة حركة الشارع. لا بد أن الحسرة تنهش قلوب الكثير من المعارضين السوريين اليوم، فهؤلاء عملوا طويلاً على تحريك الشارع وفشلوا. بعضهم تقاعد، ومنهم من اصيب بالإحباط، وفئة أخرى استنكفت بفعل شروط العمل السياسي التي تضعها الاجهزة الامنية.

يتحسر المعارضون، وهم ينظرون الى الشباب السوري اليوم وهم ينزلون بالآلاف ليهتفوا «الشعب يريد إسقاط النظام». المعارضون لم يصلوا الى هذه الدرجة من الجرأة ولم يكن سقف احلامهم عالياً الى هذا الحد، ورغم انهم أملوا كثيراً من «ربيع دمشق» سنة 2000 لحظة وصول الرئيس بشار الاسد، انكفأوا بسرعة وعادوا الى جزرهم الصغيرة، ينتظرون منها الفرصة التي تنكسر فيها آليات الإكراه الأمني. لا تكفي الحسرة وحدها لتفسير ما يحدث، فهناك ما هو أقسى منها، إنه غياب المعارضة كلياً عن الحراك الشعبي، فمنذ انطلاق الاحتجاجات لم يصدر اي موقف حزبي معارض يضع الأمور في نصابها، باستثناء مقالات محدودة، وتعليقات على الفضائيات لبعض المعارضين، قبل أن تلمّهم الأجهزة الأمنية، أو يمارسوا لعبة التخفي التي صارت عادة شائعة في سوريا.

هل هو الخوف أم التقاعس أم فقدان القدرة على المبادرة؟ ثمة من يصرخ في البرية اليوم، أين هي المعارضة من كل ما يحدث في البلد من حراك، وما يحصل من مواجهات ودم؟ وحتى لو أراد النظام السوري أن يحاور فمن يحاور غداً؟

وحده رياض الترك قارب المسألة فقال، قبل بداية الاحتجاجات بأيام معدودة، «لست أنا، اليوم، في موقع من يقترح الحلول ويضع السيناريوهات المستقبلية. فالتغيير آت بعزيمة الشباب وهمّتهم، ليس فقط لأنهم يؤلّفون غالبية المجتمع السوري، بل لأنهم أثبتوا أنهم أكثر وعياً لمتطلبات العصر من أحزاب المعارضة ورجال السياسة، الذين لا يزال الكثيرون منهم مكبلين بخطابهم التقليدي وممارساتهم البالية، لا يكاد الرقيب الأمني يغادر أدمغتهم أبداً». خلاصة كلام الترك أن التغيير معقود على عزيمة جيل الشباب، ومن منطلق تجربته الطويلة حَكَمَ بأن المعارضة شاخت وهرمت، ولا تزال تعيش مكبلة بخطابها التقليدي، ويعشش في رؤوس زعمائها بعبع الأمن.

عرف نظام حافظ الأسد معارضة منذ وصوله الى الحكم سنة 1970، ومن قراءة لمسار العمل المعارض يمكن الوصول الى نتيجة مهمة هي أن تمثّلات الحركة السياسية السورية طيلة العقود الأربعة الأخيرة أخذت أشكالها ومضامينها انطلاقاً من الموقف من حكم الاسد الأب ومن بعده نجله الرئيس الحالي بشار. وكانت درجة الافتراق أو الاقتراب بين طرف سياسي وآخر قائمة على رؤية هذا الطرف أو ذاك للتغيير. ولذا انقسمت المعارضة الى اجنحة بين مهادنة ووسطية وراديكالية، وصل بعضها الى رفع شعار اسقاط النظام في السبعينيات من القرن الماضي، قبل أن يتحوّل هذا الشعار إلى نغم سحري تردده الملايين في أرجاء الوطن العربي.

تمثّلت المعارضة المهادنة بأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، التي تألفت في سنة 1972، وكانت كناية عن الخلطة المستعارة من تجربة الجبهات في بعض بلدان اوروبا الشرقية، وأملت اختراعها عدة اعتبارات واسباب. أبرزها ان الرئيس حافظ الاسد، الذي اختار الاتحاد السوفياتي حليفاً، أراد أن يقرّب منه الحزب الشيوعي جناح خالد بكداش، الذي كانت تربطه علاقات وثيقة بالسوفيات والكتلة الشرقية ومنظومة الاحزاب الشيوعية العربية. وتحولت الجبهة إلى محفل ملحق بحزب «البعث» مهمته تزيين الديكور العام، وطرد الأرواح الشريرة من بيت الحزب الواحد، ومع ذلك كان التجاوب معها كبيراً، حيث انخرط حزب بكداش بقوة في العمل السياسي الرسمي، وشارك في الحكومات المتعاقبة، ودخلت هيئاته القاعدية في تحالفات مع نظيرتها من حزب «البعث» على مستويات العمال والطلاب والفلاحين والشباب والنساء، لكنه منع من العمل التنظيمي في اوساط الجيش والشباب والطفولة، وقد غُضّ الطرف عن قطاعات الشباب والمرأة، لكن القطاع العسكري بقي خطاً أحمر، وكانت عقوبته الاعدام.

من أجل تلوين المعارضة الجبهوية، اختار الاسد قطاعات من الناصريين والاشتراكيين وبعض الاطراف الأخرى، وكان هدفه أن يظهر امام الرأي العام وكأن الجبهة تمثّل الحياة السياسية السورية على نحو لا يغفل أياً من مكوناتها من جهة، ومن جهة ثانية تعمد أن يبعد عن الحكم شبهة الشراكة بين البعث والشيوعيين. والملاحظة على هذه الجبهة انها لم تتمكن من أن ترسي وحدة سياسية للاطراف المشاركة فيها الى جانب البعث، ومثّل تفرّد «البعث» بالسلطة عائقاً أمام هذا التحالف الجبهوي دون أن يأخذ مداه في المجتمع لجهة خلق حياة سياسية صحية.

وفيما كان «البعث» يرى نفسه صاحب اليد الطولى، لم تعمل أحزاب الجبهة على تمييز نفسها، بل أخذت شكل الإناء الذي وضعها فيه «البعث»، وساهمت النزاعات على الامتيازات الحكومية في شق العديد من أحزابها، فصار الحزب الشيوعي حزبين، تحول أحدهما الى حزب لعائلة بكداش، كما اصبح الناصريون حزبين والاشتراكيون العرب حزبين.

لم تزل الجبهة الوطنية التقدمية حية ترزق رغم كل التحولات التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين، ومع أن الوظيفة التي قامت من أجلها انتهت منذ زمن طويل، فإن النظام يحتفظ بها، ولم تسقط عليه بعد لحظة الإلهام التي توحي له بنقلها إلى المتحف.

تنحصر المعارضة الوسطية ببعض التكوينات الناصرية والاشتراكية التي لم تدخل الجبهة التقدمية، ولم تذهب في نفس الوقت في خط المعارضة الراديكالية لمواجهة النظام، وبقيت تتحرك في الوسط، لكن دورها لم يكن مؤثراً. فهي من ناحية تكوينات صغيرة، ومن ناحية أخرى يعتمد خطابها لهجة اصلاحية، فلا يترك لها مكاناً فعلياً ضمن لعبة السياسة السورية، التي ظلت تتأرجح بين ثنائية الولاء التام والعداء المطلق.

أما المعارضة الراديكالية فيمكن تقسيمها الى تنظيمين رئيسين، هما حزب العمل الشيوعي والحزب الشيوعي ـــــ المكتب السياسي، الذي غير اسمه منذ عدة سنوات وصار يعرف باسم حزب الشعب. طبع هذان الحزبان مرحلة النصف الثاني من السبعينيات والنصف الأول من الثمانينيات بطابعهما، ودارت الحياة السياسية في القسط الاكبر منها حول معارضتهما للنظام. وإن كانا يلتقيان عند نقطة العمل على تغييره، فقد افترقا من حول المواجهات التي دارت بين النظام والإخوان المسلمين في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، فبينما ساند المكتب السياسي يطريقة شبه علنية عمليات «الاخوان» ضد رموز النظام، ولم يستنكرها، اختار حزب «العمل» الوقوف ضد «الإخوان» والنظام على السواء، ورفع شعار اسقاط النظام وادانة الاخوان، وعدّهم قوة طائفية. لم يتسامح النظام مع هذين الحزبين فشن عليهما حملة اعتقالات واسعة شملت الآلاف، وغصّت السجون في تدمر وصيدنايا بالشبان والشابات الجامعيين من اليسار الجديد، الذي كان ينحدر من كل مناطق سوريا وفئاتها الاجتماعية، وقد خضع هؤلاء لبرامج تعذيب قاس، سجّلها الكثير من الكتاب والفنانين في شهادات روائية وشعرية وأعمال فنية.

كانت حصيلة هذه التجربة أن نجحت السلطة في قصم ظهر الحزبين اللذين مثّلا تطلع الجيل الجديد للديموقراطية والتغيير، واستطاعت أن تقصي عدة اجيال من دائرة السياسة، حيث كان للتعذيب والعزل الطويل والترهيب مفعول كبير، وبدت الآثار أكبر على حزب العمل بسبب انتشاره الواسع بين الطلبة، فبعدما كان يُعدّ تنظيماً حديديّاً، خرج من السجون مهشماً ومنقسماً، وسرعان ما خبا وهجه وتحول الى حزب صغير لا تأثير فعلياً له في الحياة السياسية. والفارق اليوم بينه وبين حزب الشعب أن الاخير بقي متماسكاً رغم الانسحابات من صفوفه، وقد ساهم في بقائه على قيد الحياة وجود شخصية كاريزمية هي رياض الترك، الذي امضى قرابة عقدين في المعتقلات، وظل يحتفظ بحيوية سياسية عالية وروح نقدية ونفس شبابي جديد رغم تجاوزه الثمانين من العمر.

تجربة ضرب هذين التنظيمين ادّت إلى نتيجتين كارثيتين. الأولى، انها فوتت على سوريا فرصة قيام حياة سياسية متميزة في المنطقة العربية، بالنظر إلى الحيوية التي امتازت بها اجيال سوريا في السبعينيات والثمانينيات، وكانت المحصلة فقدان البلد لقسم كبير من طاقاته الشابة. والنتيجة الثانية هي ان العمل المعارض تحول في نظر النظام إلى مرادف للخطر، وهو ما دفع بالدولة الأمنية إلى تجهيز نفسها بعتاد رهيب من آليات القمع، فصارت الثقافة الوحيدة المتداولة هي ثقافة الخوف.

لم تحصل انفراجات فعلية في السنوات الأخيرة لعهد الاسد الأب، وجرى التعويل على نجله الذي ورث السلطة، وكانت تجربة «ربيع دمشق» القصيرة تعبيراً حقيقياً عن عطش المجتمع السوري إلى الحرية السياسية؛ انتشرت المنتديات بسرعة قياسية ووصلت حتى القرى البعيدة، لكن صدر النظام لم يكن واسعاً بما فيه الكفاية، فانتكست التجربة بسرعة شديدة.

هناك محطة مهمة جداً في تاريخ المعارضة هي الاحتلال الاميركي للعراق وطرح مشروع الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الذي أخذ اسم «الشرق الأوسط الكبير». في هذه الفترة شرعت الادارة الاميركية بممارسة ضغوط على سوريا تحت بند التعاون في مكافحة الارهاب، وخلال فترة وجيزة زار دمشق عدة مبعوثين اميركيين رفيعي المستوى، منهم وزير الخارجية كولن باول ومساعده ريتشارد ارميتاج، وكانت الرسالة الوحيدة هي الارهاب، وذلك بعدما انطلقت العمليات العسكرية ضد الحضور العسكري الاميركي في العراق.

وفي هذه الفترة بالذات وقع بعض المعارضين ضحية وهم أن الولايات المتحدة تعدّ لإسقاط النظام السوري من العراق، وتعاظم هذا الوهم لدى البعض مع صدور قرار مجلس الامن 1559، وتحول الى ما يشبه كرة الثلج بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري سنة 2004، وتأليف لجنة التحقيق الدولية. وجاء الانسحاب العسكري السوري من لبنان لكي يشيع جواً عاماً باقتراب سقوط النظام السوري، وبدأ بعض المعارضين يرتبون اوراقهم على اساس ان تقرير المحكمة الدولية سوف يكون المفتاح لمحاصرة النظام السوري وإسقاطه.

في هذه المرحلة اختلطت الكثير من الاوراق اقليمياً ودولياً، لكن نشأ جو معاد للنظام السوري، وصارت العديد من الدوائر الاقليمية والدولية، من السعودية الى واشنطن، تعمل على زعزعة حكم الاسد. وجرى البحث عن ادوات محلية لإنجاز هذه المهمة، ولهذا الغرض لُعبت ورقة نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام في مطلع سنة 200، وجرى تشجيع الاخوان المسلمين على التحالف معه في اطار «جبهة الخلاص». لكن مهمة خدام بدت مستحيلة منذ اليوم لأنه لم يتمكن من جر اطراف معارضة ذات صدقية إلى صفّه، وكانت عينه على مكونات «إعلان دمشق»، وتحديداً رياض الترك ورياض سيف وحسن عبد العظيم، الذين يعدون رموزاً على قدر من التأثير في الداخل. لكن عدم تجاوب هؤلاء افشل المشروع.

مرّت العاصفة في حينه وخرج النظام السوري سالماً، واستطاع منذ سنة 2008 أن يفك عن نفسه طوق العزلة الخارجية، ولم يكن يحسب حساباً لحركة احتجاجية من هذا القبيل، فبالنسبة إليه وضعه الداخلي محصّن، وتجربة الضغوط الخارجية برهنت على عدم جدواها.

ما هو مطروح اليوم مختلف تماماً، حيث يقف النظام بوجه حركة شعبية آخذة في تطوير ادوات المواجهة، وفي كل يوم يزداد زخمها، ولا يلوح في الأفق حتى الآن غير الحل الأمني رغم الخطوات الاصلاحية ودعوات الحوار. وهناك معضلة أخرى ليست سهلة، هي غياب المعارضة من المشهد، فالصمت قد يكون سببه التواضع اليوم، لكنه يصبح عيباً في المعارضة السورية، التي يمثّل وضع زميلتها التونسية لها مثالا حياً، فالتوانسة، رغم ما تعرضوا له من إرهاب على يد بن علي، وجدوا في الحراك الشعبي فرصة المبادرة السياسية ومواكبة حركة الشارع، ولذا استطاعوا ان يخلقوا التوازن المطلوب ويحددوا خط الرؤية قبل ان تصطدم السفينة بصخور الشاطئ.

خريطة طريق لحلّ سلميّ

في موازاة الحل الأمني، تشهد سوريا ورشة عمل تحت بند الإصلاح الذي طرحه الرئيس السوري بشار الأسد، وتألفت لجان متخصصة في الإعلام وشؤون الأحزاب والحوار الوطني، وجرت لقاءات مع فاعليات واسعة من مختلف المناطق، من أجل التهيئة لعقد مؤتمر وطني. الهدف المنشود توفير مناخ ملائم لوضع أسس لمستقبل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية

السؤال المطروح اليوم، هل تقلب سوريا الصفحة التي تلطخت بدماء الأبرياء من مواطنيها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وتداوي جراحها بما يتجاوز تجربة الدم بأقل قدر من الأضرار؟ هذا السؤال يشغل بال الناس في سوريا وخارجها. الأصدقاء والأعداء مهتمون بالإجابة، لكن المواطن السوري معني بها أكثر. ضريبة الدم التي دفعت حتى الآن عالية الكلفة، فضلاً عن أن مسلسل القتل اليومي آخذ في التحول إلى ما يشبه لعبة شيطانية مفتوحة على أفق مجهول، والخسارة فيها ستكون من نصيب القاتل والقتيل على السواء، لذا يجب أن يتوقف العنف ويفسح الطريق للحوار.

يتفرع السؤال السابق إلى أسئلة كثيرة. لعل أبرزها هو إذا كان هناك إمكان لعبور الامتحان الصعب، وتشريع أبواب الحوار، فمن أين تكون البداية، وكيف، وعلى أي أسس؟

بداية، لا بد من الوقوف عند ردود فعل النظام تجاه الحركة الاحتجاجية التي انطلقت على شكل تظاهرات شبابية في 15 آذار الماضي من وسط دمشق تقلد ثورات تونس ومصر، ومن ثم تحولت إلى هبة شعبية عارمة في درعا، وسرعان ما امتد الحريق إلى ريف دمشق. ولو أراد المراقب من بعيد أن يرسم خريطة للمناطق التي كانت مسرحاً لشعار «إسقاط النظام»، لوجد أنها تمتد من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، حيث شملت درعا وريف دمشق وحمص وبانياس واللاذقية وتلكلخ وحماة والرستن وجسر الشغور، صعوداً نحو دير الزور والحسكة والقامشلي. واللافت هو أنه رغم إطفاء الحريق في بعض المناطق، فإن رقعة الدم في اتساع مع كل جمعة احتجاج جديدة، فضلاً عن أن الهدوء الذي عاد إلى بعض المناطق يتسم بالهشاشة وليس نهائياً، لكنه ساد بفعل عاملين: الأول سيطرة القبضة الحديدية والتعاطي مع الاحتجاجات بالرصاص الحي، وصار كل من يخرج إلى الشارع يعرف نفسه أنه قد لا يعود حياً، وفي أفضل الأحوال ربما تعرض للاعتقال. والثاني أن اللقاءات التي أجراها الرئيس السوري مع فاعليات شعبية من مختلف المناطق أعطت مفعولها جزئيّاً، وأسهمت في التهدئة المؤقتة في كثير من الأماكن، ذلك أنه قطع على نفسه وعوداً كبيرة بتعويض المتضررين معنوياً ومادياً، وإنصاف الضحايا الأبرياء، ومعالجة أسباب الخلل، التي جعلت الشارع يخرج عاري الصدور يتحدى الرصاص، ويطالب بـ«إسقاط النظام».

تغيّرات كثيرة حصلت منذ بدء الاحتجاجات إلى اليوم، أوّلها أن النظام القديم أظهر عجزاً عن تقديم حلول غير اللجوء للقوة المفرطة، وفقدت صلاحيتها الأجهزة التي قام عليها، والآليات التي اشتغل بها طويلاً. وإن العمل به في الوقت الراهن هو من باب المثل الفرنسي الذي يقول «لا نغيّر الحصان في وسط المعركة». المعركة لم تنته، وكثير من الإشارات تدل على أن سوريا ذاهبة إلى هدنة بين الشارع والنظام. فإما أن تحصل تسوية تاريخية، وإما أن تدخل البلاد في مرحلة يكون العنف فيها سيد الموقف. وهنا يحضر الحديث عن التغير الثاني الذي حصل، ويمكن ملاحظته بسهولة من خلال مراقبة مجرى الحركة الاحتجاجية، وهو يتمثل في أن النظام فرض على نفسه العزلة باعتماد الحل الأمني، ولن يفك طوق هذه العزلة سوى الشارع، ومدى استجابة الشارع متعلق بحجم وطبيعة التسويات التي يستطيع النظام قبولها. إن الوقوف عند إخماد الاحتجاجات بالرصاص والاعتقالات الواسعة أخطر من العودة إلى النقطة الصفر قبل أن يأخذ الشارع زمام الأمور بيده، ولن يستقيم الأمر من دون أن يبادر النظام إلى تقديم تنازلات مؤلمة تطال بنيته بالكامل، وخصوصاً أجهزة الأمن، التي تعد أحد المسببات لصرخة الكرامة والحرية، التي هتفت بها حناجر المتظاهرين.

من أبرز المتغيرات التي سُجِّلت، أن الشارع السوري نزع القناع، وكسر حاجز الخوف، ومن بين أهم النتائج اليوم عودة السياسة إلى سوريا، التي عُرفت على الدوام بأنها بلد سياسي بامتياز، وهذه مسألة يبدو أن لا أحد يأخذها في الحسبان، لا النظام يريد أن يراها ويتعاطى معها، ولا الأطراف المراقبة للحدث السوري تستطيع استيعابها. والمعنى العميق لذلك هو أن المجتمع السوري شرع باستعادة حقوقه السياسية، وبالتالي لا يمكن تلخيص الحركة الاحتجاجية أو قراءتها بناءً على أعداد المتظاهرين فقط، ولا حتى الشعارات التي يرفعونها. وهناك إجماع في أوساط السوريين اليوم على أن الحركة الاحتجاجية ليست سوى أول الغيث، الذي تبتل به الأرض وتفوح رائحة التراب التي تثير النشوة في الأنوف، وبالتالي لا بد من رؤية أوسع وأشمل وأبعد مدى للتعاطي مع المسألة السورية، الأمر الذي يستدعي وضع خريطة طريق تقود البلد إلى بر الأمان.

ثمة عناوين كثيرة تتردد في الشارع السوري، معظمها قديم، وهي تتعلق بالحريات ودور الأجهزة الأمنية في الحياة العامة، واستشراء الفساد الرسمي على نطاق واسع. ومن التمعن في مضمون الحركة الاحتجاجية، يمكن القول إن هذه المحاور الثلاثة تمثّل الهيكل العام لخريطة الطريق. والملاحظ هنا أن بعض البلدان التي عاشت ظروفاً قريبة من سوريا، استطاعت الخروج من عنق الزجاجة في لحظة حرجة باعتماد وصفة مزجت بين هذه العناصر، وسلكت طريقاً تدريجياً، ومنها المغرب عشية رحيل الملك الحسن الثاني سنة 1999، الذي مهد المسرح أمام نجله محمد السادس، بتشريع الأبواب أمام المعارضة، وسلّم خصومه القدامى مقاليد العمل الحكومي، ولم ينقص من قيمته شيء جلوسه قبالة رئيس وزرائه الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي، الذي سبق للملك أن صدّق على أربعة أحكام بإعدامه.

من أهم إنجازات حكومة عبد الرحمن اليوسفي تمهيد الطريق لإنشاء «هيئة الإنصاف والمصالحة» من قبل العاهل المغربي محمد السادس في مطلع سنة 2004، وكلفها التحقيق في ما شهده المغرب من انتهاكات لحقوق الإنسان خلال الفترة التي أعقبت الاستقلال وحتى رحيل الحسن الثاني، والتي عرفت بـ«سنوات الرصاص»، وقد بحثت اللجنة في آلاف الوثائق والحالات والشهادات، متتبعة الحقيقة والمسؤولية عن هذه الانتهاكات بدءاً بملف «مجهولي المصير» مروراً بملفات «الاعتقال التعسفي» و«التعذيب وسوء المعاملة»، وانتهاءً بحالات القتل وإطلاق النار في الحوادث الجماعية. وخلصت الهيئة إلى صياغة جملة توصيات تتعلق بـ«جبر الأضرار وإنصاف الضحايا»، بعضها يشتمل على التعويض المادي والتأهيل الصحي للضحايا، وبعضها الآخر بـ«جبر الضرر على النطاق الاجتماعي». والأهم أن الهيئة خرجت بضوابط عامة لمنع تكرار ما حدث. في هذا السياق، يمكن التوقف أمام استراتيجيات تفصيلية ثلاث اعتمدتها الهيئة وأوصت بها، هي: «دعم التأصيل الدستوري لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دولياً، وذلك عبر ترسيخ مبادئ سمو القانون الدولي على القانون المحلي وقرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة» و«إقرار وتطبيق استراتيجية محلية لمناهضة الإفلات من العقاب»، والثالثة هي «إقرار جملة من الإصلاحات في مجال الأمن والعدالة والتشريع والسياسة الجنائية لتوطيد دولة القانون».

أهمية هذه التجربة أنها يمكن أن تكون فاتحة لعملية التحول الديموقراطي، وبداية لمرحلة انتقالية تقود المجتمع إلى بر الأمان من دون خضات كبيرة. والبحث عن الحقيقة وتوخي الإنصاف والعدالة، ليسا نوعاً من النبش في الماضي أو نشراً للغسيل القذر أو استدراجاً للفتنة، بل هو تأسيس لمستقبل لا تتكرر فيه مثل هذه الانتهاكات، وضمانة لعدم الرجوع إلى الوراء، وتعميم لثقافة عدم الإفلات من العقاب. هو تطلع للمستقبل لا تصفية حساب مع الماضي. وتجب الإشارة إلى أن المغرب وجد نفسه مضطراً إلى إطلاق مثل هذه المبادرة، بالنظر إلى فداحة الانتهاكات التي شهدها، ولا سيما في ستينيات القرن الفائت وسبعينياته، وهو أمر ينطبق على سوريا، ما يجعل قياس الحالة منطقياً إلى أبعد الحدود. والأهم من ذلك أن هذه التجربة كانت طريقاً لازماً للمرور إلى التناوب على السلطة، والتعددية السياسية والحزبية النشطة.

يلتقي الكثيرون من دارسي الوضع السوري، وخصوصاً الذين راقبوا تطوراته الأخيرة، على أن الطريق الانتقالي هو الأفضل لسوريا في الوقت الراهن. ويرى هؤلاء أن رحيل النظام القائم أمر تلفه التعقيدات، ويتوقفون عند مسألتين أساسيتين: الأولى هي أن النظام ليس في وارد رفع الأعلام البيضاء مثلما حصل في تونس ومصر، فضلاً عن أنه يمثل مصالح شرائح واسعة من المجتمع السوري. وبالتالي إن رفع شعار «إسقاط النظام» ليس واقعياً. والمسألة الثانية هي أن فترة حكم الحزب الواحد المديدة وسطوة أجهزة الأمن خلفت حالة فراغ كبير. لذا، إن المجتمع السوري يحتاج إلى فترة انتقالية يستعيد فيها عافيته. لكن هذه الفترة يجب أن تقوم على التوافق بين السوريين كافة، الحكم والمعارضة وشتى تعابير المجتمع.

ويرى خبراء غربيون في الشؤون السورية أن قبول النظام بحل انتقالي لا يعني تنازله عن الحكم، بل مشاركة المجتمع. ومن هنا كانت كل المواقف الغربية تلتقي عند نقطة واحدة، هي مطالبة الرئيس السوري بقيادة الإصلاحات. وتكمن المشكلة الفعلية في الخلاف على نوعية الإصلاحات ومدى عمقها. وتبين حتى الآن أن الإصلاحات التي صُرِّح بها لا تتجاوز حدود الوعود، واللجان المتخصصة تعمل بوتيرة بطيئة جداً ووسط أزيز الرصاص، وبعضها لا يمكن التعويل عليه فعلياً. على سبيل المثال، تلك التي أُنيطت بها مهمة وضع قانون جديد للإعلام؛ فهي تتكون من إعلاميين من بطانة النظام، فيما الأمر يستدعي تأليف فريق مختلف من كفاءات سورية مستقلة، لديها خبرة وتجربة وغيرة على الحريات. ورغم أن القضايا الملحة كثيرة، تتطلب الإصلاحات المنشودة اليوم قبل غيرها فتح أربع ورش كبيرة.

الورشة الأولى تتعلق بالتعددية السياسية والحزبية. وقبل الاسترسال في تفاصيل هذه المسألة، يجب تسجيل ملاحظة أساسية، هي أن حزب البعث الحاكم بدوره اختفى من المشهد خلال فترة الأحداث، وباستثناء تصريح لأمينه القطري المساعد محمد سعيد بخيتان يرفض فيه تعديل المادة الثامنة من الدستور، لم يبدر من جانبه رد فعل بارز. وإن دل ذلك على شيء، فإنما يكشف عن أن البعث جزء من أزمة النظام، بعدما تحول إلى دكان سياسي يسوّق ما يناسب النظام من بضاعة، وإن كانت كاسدة. وانطلاقاً من هنا، إن إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تمنح البعث حق قيادة الدولة والمجتمع هو المقدمة الفعلية لإقناع الشارع بأنه صار على بداية الطريق في قيام تعددية حزبية وسياسية. ومن خلال قراءة لردود فعل القوى السياسية المعارضة، غير كاف وضع قانون جديد للأحزاب، في ظل تمييز البعث؛ لأن ذلك يعني استمرار منظومة الاحتكار والوصاية، وتكريس عقلية الهبات وليس تأسيساً لمنطق الحقوق.

الورشة الثانية تتعلق بالتعديلات الدستورية، ويعني ذلك وضع دستور جديد لسوريا من خلال مؤتمر وطني عام تتمثل فيه كافة الأطراف، وذلك من منظور وضع حد للدساتير السابقة التي فُصِّلت، انطلاقاً من اعتبارات سياسية لكي تماشي ظروف المرحلة الماضية. والشرط الرئيسي للدستور الجديد هو أن يكون دستور دولة مدنية حديثة وعصرية يعتمد المواطنة في المقام الأول، لا المكاسب بالغلبة والقوة. ويُنتظر من الدستور الجديد أن يحدد شكل الحكم والرئاسة وصلاحيات هيئات الدولة كافة.

الورشة الثالثة إصلاح النظام الأمني. تبدو هذه القضية واحدة من أعقد القضايا على الإطلاق، ويزيد من صعوبة طرحها اليوم هواجس ومخاوف النظام في مواجهة شعارات الحركة الاحتجاجية، واستخدام بعض المحتجين السلاح. لكن ذلك لا يعفي من فتح هذا الملف الشائك، والتجربة أكدت أن السوريين يمكن أن يصبروا على الجوع، ولكنهم ليسوا في وارد أن يتحملوا عبث الأجهزة الأمنية بحياتهم. هذه الأجهزة التي تضخمت حتى صارت تكتب من حولها الروايات وتصور الأفلام والمسلسلات.

الورشة الرابعة فتح ملف الفساد. لا تقل هذه المسألة أهمية عن بقية القضايا الأخرى الملحة، وهي لا تتوقف عند رشوة موظف في دائرة حكومية، ولا سوء تصرف تجاه المال العام، بل باتت ثقافة مؤسسية لها قوانينها. وتؤكد المعطيات أن حجم الفساد في سوريا لا يقل عنه في بلدان أخرى مثل تونس ومصر واليمن. والأخطر في العملية هو الشراكة بين أوساط الحكم وبارونات الفساد الذين يتحكمون في مفاصل الاقتصاد الوطني ويحددون شكله ويرسمون توجهاته. وهناك قضية خطيرة تقع في صلب الحركة الاحتجاجية، هي الضرر الكبير الذي لحق باقتصاد الأرياف، وهذا أمر يتحمل مسؤوليته المشرفون على التخطيط الاقتصادي من جهة، وشبكات الفساد من جهة، التي وضعت مصالحها فوق مصلحة البلد.

تشهد العاصمة السورية قريباً لقاءً تشاورياً وطنياً بين أطراف في الحكم وفاعليات شعبية. جدول الأعمال غير معروف، لكن الأولوية هي للتوافق على خريطة طريق تقود سوريا إلى الإصلاح، وتوقف لعبة الدم.

الأخبار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...