سوريا بين عهدين


بدر الدين شنن

لايختلف اثنان ، على أن سوريا هي الآن ، غير ما كانت عليه قبل الخامس عشر من آذار الماضي . وعلى أن الحال لن يستمر طويلاً كما هو عليه الآن ، وعلى أن لابد أن يفضي المخاض السياسي العسير الدائر إلى تغيير ما لابد من حدوثه . لكن هناك اختلاف تعددي حول ، إلى أين تسير سوريا ؟ .. وما هي مآلات ما يحدث فيها ؟ .. وعلى أي نمط من المستقبل سوف تستقر عليه الخواتم ؟ . وتعدد الاختلاف متأت عن تعدد الأطراف المتصارعة .. وتعدد أهدافها وخلفياتها الاجتماعية والسياسية .

فهناك معارضة ” سياسية – صدامية ” تصر على إ سقاط النظام ، ولاتقبل من تنازلاته ، سوى تنازله عن السلطة . كل التنازلات ” الإصلاحية السلمية التدرجية ” التي كانت تمثل أولوياتها السياسية ، قبل انفجار الأحداث ، صارت من الماضي . والمسألة هنا ليست مغالاة ، أو رفع براغماتي في سقف المطالب ، بل هي حقيقة ما عزمت عليه هذه المعارضة ، وا ستبطنت به مطالبها المعلنة ، عندما اختارت النزول إلى الشارع ، وهي لاتطرح شكل ومضمون النظام الذي تبغيه بديلاً للنظام ، لتتمكن من جذب أوسع ما يمكن من الناقمين على النظام ، ولتكون حرة الخيارات الاقتصادية الاجتماعية لاحقاً .

وهناك معارضة ” سياسية معتدلة ” تتقاطع ، بشروط ضغط الشارع مع النظام ، حول الحل الإصلاحي .

وهناك معارضة ” ثقافية ” كما سماها ميشيل كيلو إصلاحية تروم أن يستجيب النظام لصوتها ، الذي ترفعه في المؤتمرات واللقاءات والتصريحات الإعلامية ، دون أن تقطع صلة الرحم مع أطراف معارضة أخرى ، ودون أن تفصح عن برنامجها الاقتصادي والاجتماعي ، كي لاتخسر قطاعات شعبية واسعة .

وهناك النظام الذي بسط يده للإصلاح على مستويات عدة ، لكنه لم يقارب جوهر الخلاف مع المعارضة ، الذي يدور حول تمسكه بالاستئثار بالحكم المرتكز على المادة الثامنة من الدستور ، بل ولم يتخذ أي موقف إيجابي في التعاطي مع المعارضة حول هذا الجوهر الخلافي ، وتمترس وراء الأجهزة الأمنية ، للحيلولة دون النيل من دوره الدستوري القيادي للدولة والمجتمع ومن ” ثوابته السياسية والحزبية والسلطوية ” .

وهناك كتلة شعبية واسعة مقهورة قمعياً واقتصادياً ، لم تحسم بعد أمر انحيازها للمعارضة أو للنظام ، فهي تتوجس من ا ستدامة النظام مثلما عرفته طوال عقود ، وتتخوف من الاشتباكات المسلحة ، التي لاتخلو من النزعات الطائفية ، بين مسلحين محسوبين على المعارضة وبين قوى الأمن والجيش ، من أن تؤدي إلى جر سوريا إلى السيناريو العراقي أو السيناريو الليبي . ليس لها حراك في الشارع ، وليس لها أداة .. أحزاب .. تعبر عنها ، في حركة اللقاءات والمناقشات والشعارات ، لكنها بحكم وزنها المرجح ، فإن جميع الأطراف المتصارعة ، تضعها في الحسبان ، وكل طرف يحاول ألا يطرح مباشرة ما ينفرها من برامج سياسية واجتماعية ، ويراهن على أن تنضم في وقت ما إلى صفوفه .

وفي حركة الصراع بين هذه الأطراف المتصارعة ، تدفع المعارضة السياسية – الصدامية الأمور على المستويين الداخلي والخارجي ، حتى تكون خواتم الصراع لصالحها ، وخياراتها من أجل تحقيق أهدافها مفتوحة على كل الوسائل والاحتمالات بما فيها المؤلمة . ويدفع النظام الأمور على مسارين ، الأول ، المواجهة لحركة الشارع الهادفة إلى إ سقاطه ، والثاني ، إجراء عدد من الإصلاحات في حقول الانتخابات والأحزاب والإعلام . وخياراته محددة ، أن يقيم علاقات منفتحة مع حركة الأحزاب الجديدة ومع مناخ الإعلام التعددي ومع حركة الشارع وفق شروطه ، وأن يواجه كل احتمالات وأنواع الضغط الداخلية والخارجية ، لتأمين ا ستدامته على قواعد جديدة تمنحه المزيد من القوة . وتدفع المعارضة ” الثقافية والمعتدلة الإصلاحية إلى انتزاع تنازلات مضمونة تفتح في المجال لمناخ سياسي مريح للأنشطة السياسية والثقافية . أما الكتلة الشعبية التي ليس لها من يمثلها ، فهي تكتفي ، تحت سقف توجساتها من النظام وخوفها من مخاطر الاقتتال الدموي ، بالحد الأدنى من التغيير ، الذي يؤمن لها ، مستوى معيشة أفضل ، ومساحة من الحرية أوسع ، وفرص عمل كريم دائم ، وحقوق إنسانية مستقرة .

ووفقاً لذلك ، يبرز أن النظام والمعارضة الصدامية هما الطرفان الأساسيان في المشهد السوري . ويبرز أن المحور الأساس الذي يدور حوله الصراع بينمها هو السلطة ، ومن أجل السلطة لابد ، حسب أسلوبهما العنفي ، من هزيمة طرف وانتصار آخر . وهذا المحور ” السلطة ” الذي يؤدي إنجازه إلى حسم الأزمة في البلاد له وجه سياسي ووجه دستوري . الوجه السياسي هو من يستحوز على السلطة ، والوجه الدستوري هو من يمنحه الدستور الشرعية .. مع عدم استبعاد ، أن القوة على الأغلب هي التي في مثل هذا الصراع ، ستقرر من هو في السلطة .. ولمن ستمنح الشرعية ..!! .

غير أن ما يبدو الآن ، أن ” عقدة النجار ” في الصراع السياسي السوري منحصرة ، في تجاوز المادة الثامنة وتوابعها في الدستور ، التي تشرعن نمط العهد الحالي ، للانتقال إلى نمط عهد جديد مغاير ، وإن عدم إجراء هذا التجاوز ، والمراوحة في غمرة الأزمة . يعني إفراغ كل الإجراءا ت” الإصلاحية ” المقررة والمعلنة من محتواها ، والعودة إلى المربع الأول . ولأن المعني بهذا التجاوز ، من حيث المسؤولية وامتلاك المبادرة ، هو النظام ، فإن النظام مطلوب منه ، أن يحقق هذا التجاوز ، لحل أهم وأعقد معادلات الأزمة الدموية المعقدة الراهنة ، وليتمكن من إقناع الجميع بمصداقيته في السير بالبلاد إلى عهد جديد . لكن الملاحظ ، أن التمهل والتأجيل هما الطاغيان على الإجراءات المطلوبة في هذا المضمار .

ما حصل حتى الآن في هذا السياق ، هو أن رئيس الدولة ورئيس حزب البعث الحاكم في خطابه الأخير في جامعة دمشق ، قد فتح في المجال لتعديل جزئي أو كلي للدستور ، وترك الأمر مرهوناً لما يقرره ” الحوار اوطني ” المزمع عقده في وقت لاحق . كما مهد نائب الرئيس فاروق الشرع للاستغناء عن المادة الثامنة في الدستور من خلال قوله ” إن حزب البعث قد كان قائداً للدولة والمجتمع على امتداد عشر سنوات بدون هذه المادة في الدستور ” وهو يقصد المدة بين تاريخ استيلاء حزب البعث على السلطة في 8 آذار 1963 وتاريخ إقرار الدستور في 13 آذار 1973 .

وفي الإشارة إلى ما قاله الرئيس ، فإن تعليق التعديل الدستوري ، الذي يستدعية حل الأزمة ، يبقي هذا التعديل معلقاً ومرتبطاً بمصير ملتبس . وكذلك في قول السيد الشرع . إذ أنه ، وإن كان يفسر على أنه تطمين لمنتسبي حزب البعث على امتيازاتهم المتأتية عن الدور القائد للحزب في الدولة والمجتمع ، فإنه حمل بالمقابل للمعارضة بتنوعاتها المتعددة ، حمل شحنة من التلويح بما يشبه حالة الطواريء ، التي سادت العشر سنوات الأولى ، التي عناها ، من حكم حزب البعث ، في المرحلة القادمة . ويشجع على هذه التحفظات ، ما يطرح من إشارات وما يجري من نشاطات تقودها كوادر عليا في حزب البعث ، تدل على رفض أي تعديل للدستور لاسيما المادة الثامنة منه ، وذلك بذريعة الحفاظ على إنجازات المرحلة الماضية ، وتزكية أن نظام ” الحزب القائد ” قد أثبت صلاحيته التاريخية .. !! .. ؟ ..

والسؤال هنا ، هل نحن أمام وجود تيارين متناقضين في الحزب الحاكم ومؤسساته ، أم هو توزيع أدوار للالتفاف على الاستحقاقات المطلوبة ، لإنهاء أزمة البلاد بسلام ، وبناء عهد جديد متحرر من شروط الماضي ، التي تجاوزها الواقع تحت ضغط احتجاجات الشارع ، وتحت ضعط الحاجة الملحة للحاق بمتغيرات العصر ، إن فيما يتعلق بمواجهة مخططات العولمة والهيمنة الإمبريالية ، أو فيما يتعلق بالحاجة إلى سبل وآليات حضارية ، توفر ارتفاع المستوى المعاشي الشعبي باضطراد ، وترتقي بالمستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والحضاري ، بما يواكب الحاجة الوطنية والقومية والظروف الدولية التي لاترحم .

كل ما يتعلق بالأوضاع السورية يؤكد ، أن لارجعة إلى الوراء .. إلى نظام ” الحزب القائد ” المطلق الصلاحيات وانقسام المجتمع إلى طبقة سياسية حاكمة وأغلبية شعبية تابعة .. ويؤكد أن سوريا باتت محكومة بولوج عهد جديد ديمقراطي ، تسود فيه المساواة في الحقوق والواجبات .. والسيد فيه هو الشعب .. وليس أي سيد آخر بديل عنه .

على أنه .. ورغماً عن كل الأطراف ، فإن الحالة السورية الراهنة ، تستدعي إيجاد مخرج سلمي ديمقراطي جذري ، وفي المقدمة معالجة موضوعية ديمقراطية لمسألة الدستور ، باعتبارها منذ البداية ، هي الأكثر إلحاحاً وأكثر مركزية على ما عداها في المشهد السوري . إذ بدون هذه المعالجة للدستور دون أي تأخير ، تتأزم الأمور وتتعقد ، وتتساقط مصداقية النوايا والإجراءات الإصلاحية .

والسؤال : كيف ستتم هذه المعالجة ، ولمصلحة من سيتم التعديل الجزئي أو الكلي للدستور ؟ .. وهل كل ما في الدستور بات برسم التعديل والتغيير ؟ ..

هناك آراء يتم تداولها في جلسات معارضة خاصة ترفض أي نص دستوري يتعلق بالتوجهات الاجتماعية المنفتحة على مصالح الطبقات الشعبية ، والتي تأتي تحت عناوين ، الاقتصاد الموجه ، وتكريس وتعزيز القطاع العام الإنتاجي والخدمي ، ومجانية التعليم والصحة .. ألخ .. وتصر على الانفتاح المطلق على اقتصاد السوق الليبرالي وتبعاته ، بصرف النظر عما يؤول إليه هذا الإنفتاح ، من تمايزات طبقية متوحشة ، ومن آلام اجتماعية واسعة . وهناك آراء معارضة ، تتمحور فقط ، حول مسألة انتزاع الحرية وإسقاط النظام ، وبعدها ” يحلها الحلال ” . وهناك آراء في أوساط الحزب الحاكم والجبهة التقدمية ، تتمسك بجل شروط عهد ما قبل الخامس عشر من آذار الماضي الاقتصادية الاجتماعية ، وتوزع بعض المنح السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الآخر الذي يتعايش مع النظام ، وتعمل على الحفاظ على الدستور دون أي تعديل بذريعة مضمونه الاجتماعي .

إن ما يطرح من آراء متباينة حول الدستور ، يعني أن إيجاد دستور مغاير ، بهذا الاتجاه أو ذاك ، دونه أشهر طويلة من الصراع ، في وقت يستدعي الأمر التوصل إلى صيغة توقف فوراً تواتر وتصاعد الأزمة ، وتوقف نزيف الدم . ما يعني أن معالجة الدستور يمكن أن تتم على مرحلتين . المرحلة الأولى ، إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تنص على أن حزب البعث هو الحزب القائد في الدولة والمجتمع ، وتعديل المادة الرابعة والثمانين ، التي تنص على أن القيادة القطرية لحزب البعث هي التي تقترح على مجلس الشعب المرشح لرئاسة الدولة . والمرحلة الثانية تأتي بعد انتخاب مجلس الشعب الجديد في مناخ تسوده الحرية والتعددية والرعاية القضائية ، وفيها يجري أعضاء هذا المجلس ومن يشاء من خارجه ، نقاشاً ديمقراطياً واسعاً حول صيغة الدستور المنشود ، ومن ثم يقره المجلس ويطرحه على الاستفتاء الشعبي العام . وعند ذلك تطوى صفحات تاريخ عهد ما قبل الخامس عشر من آذار ، ويبدأ الشعب بتسجيل صفحات تاريخ عهد جديد .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

26 − 16 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...