صفحات العالم

سوريا .. معالم في طريق سقوط النظام


أحمد العالم

سقط النظام السوري نظرياً صباح 15 آذار عندما كسر الشعب جدار الصمت وحطم قدرة الردع التخويفية الارهابية التي استخدمها النظام لاربعة عقود تقريبا ونظريا ايضا يمكن القول ان النظام سقط يوم 25 يناير عندما انتفض الشعب المصري واسقط النظام الاستبدادي الاحادي الذي اقامه العسكر بعد انقلاب عام 1952 وتم استنساخه من حيث الاطار العام والبنى السلطوية في معظم جمهوريات العالم العربي وتحديداً في العاصمتين الأكثر تأثرا بالقاهرة عبر التاريخ والجغرافيا السياسية وهما بيروت ودمشق.

المفاهيم الفكرية والتاريخية السالفة الذكر لا تقدم وحدها البراهين على السقوط الحتمي للنظام وانما ثمة دلائل اخرى تتعلق بالاسس السلطوية الادارية والسياسية التي بناها حافظ الاسد عبر عقود من اجل حماية النظام وديمومته بينما تعاطى معها ابنه وخليفته بمزيج من الجهل والغباء والاستخفاف.

أدار الاسد الاب الوضع الداخلي ضمن ثلاثة اسس ومفاهيم مركزية اولها ادارة الحزب المباشرة للدولة في الابعاد المختلفة السياسية الاقتصادية والاجتماعية والحرص على اتخاذ القرارات الكبرى من خلاله حتى لو كانت نتاج اجتهاد وتفكير من قبل الرئيس القائد الذي كان حريصاً دائما على ابراز دور الحزب الاساسي والمركزي في ادارة الدولة.

في السياق الاقتصادي الاجتماعي اتبع الاسد الاب نظاماً اشتراكيا منفتحاً نوعاً ما وادارة مباشرة من قبل النظام والدولة للاقتصاد والسعي لتقديم الخدمات الاساسية للمواطنين ولو بحدها الادنى والحرص على ان يدفع الشعب كله او معظم قطاعاته ثمن هذا النظام الصارم والقاسي والتضحية من اجل المصلحة الوطنية والقومية العامة. وفي السياق ابرم الاسد الاب تفاهمات ضمنية وغير رسمية مع الكتلة السنية الكبرى في الشام وحلب لحظت عدم تدخلها في السياسة والامن مقابل توفير بيئة ملائمة لها للعمل والتجارة ضمن الخطوط العريضة التي تحددها الدولة بينما تم سوس الملايين في الريف بالقمع والقهر الامني اضافة الى الخدمات الاجتماعية التعليمية والصحية ولو ضمن الكفاف والحد الادنى.

الاسد الاب اجتهد ايضاً لصياغة مظلة عربية ودولية لحماية وديمومة الوقائع الداخلية التي فرضها ان في السياق السلطوي او الاقتصادي والاجتماعي وهكذا عمل دائما على نسج علاقات متينة مع الرياض والقاهرة او احداهما على الاقل وفق قناعته او مقولته الشهيرة -دمشق لا تستطيع العيش في قطيعة مع الرياض والقاهرة في الوقت نفسه، واذا كان متعذراً الوصول الى علاقة حميمة ومتينة معهما فلتكن مع احداهما على الاقل- علماً ان هذا ساعده ايضاً في الانفتاح على العالم والاحتفاظ بقنوات مفتوحة مع المجتمع الدولي والحرص على تنظيم الخلافات وتحييدها لصالح نقاط التوافق والتلاقي. وهذه السياسة تبدت كافضل ما يكون في الملف اللبناني-وبدرجة اقل الفلسطيني- لجهة الحفاظ على مصالح سوريا وفق رؤية الاسد دون كسر الجرة مع الاخرين والحفاظ قدر الامكان على مصالحهم ايضا.

تعاطى حافظ الاسد في الغالب مع لبنان كشأن داخلي وباعتباره جزءاً من سوريا التاريخية وضمن مقولته الشهيرة- شعب واحد في دولتين- ولذلك اجتهد لانتاج معادلة ثلاثية لبنانية خاصة بعد الطائف شبيهة في الجوهر بتلك التي اقامها في الشام لحظت ادارة للصراع مع اسرائيل ومواجهة احتلالها للجنوب بوتيرة منخفضة بحيث لا يؤثر مشروع المقاومة سلباً على هيبة وسلطة الدولة او على التوازنات الطائفية الهشة ومن هنا كان حثها بل اجبارها على البقاء في الجنوب ومنع انتقال السلاح منعاً باتاً الى بيروت او اي من المدن اللبنانية الاخرى.

اضافة الى مشروع المقاومة، صاغ الاسد الاب مظلة سياسية محلية واسعة لحمايته كما لحفظ وصيانة الاستقرار والسلم الاهلي بمشاركة القوى الاساسية والمركزية طائفياً وسياسياً علماً ان الرئيس الشهيد رفيق الحريرى لعب دوراً اساسياً في هذه المظلة كما في واحدة شبيهة اخرى اقليمية ودولية لحماية لبنان ومنع انفجار الوضع فيه او عودته الى مربع الاقتتال والحرب الاهلية.

بشار الاسد المغرور المتغطرس والمفتقد لقدرات ومواهب والده القيادية والسلطوية تعاطى بمزيج من الاستخفاف والجهل والغباء مع تركة وارث الاسد الاب. وهكذا بادر الى تهميش الحزب وابعاده عن القرارات والتوجهات الكبرى والاستعانة بمجموعة من المستشارين والمساعدين محدودي القدرات والامكانيات بينما عمد من جهة اخرى الى حزمة من الخطوات لخصخصة الاقتصاد وتخفيف قبضة الدولة ما اجحف بالطبقات الضعيفة وقلص الخدمات الحكومية. والادهى من ذلك كانت هيمنة العائلة على الاقتصاد الجديد وتحديدا قطاعات الاتصالات والسياحة والسيارات ما فاقم من الغضب والنقمة على النظام خصوصاً مع التحسينات الشكلية التي ادخلت على الاجهزة الامنية دون ان تنال من سطوتها وهيبتها وقهرها للشعب.

النهج الساذج والمتغطرس تم استنساخه خارجياً. وهكذا ركل بشار دلو الحليب الذي استغرق والده عقوداً في ملئه وبدا لبنان بمثابة الدليل الصارخ على غباء الاسد الابن وقصر نظره، فتم توسيع مشروع المقاومة لتتحول الى جيش كبير نال من هيبة وسلطة الدولة وحطم في السياق التوازنات الطائفية الهشة والحساسة بينما داس بقدم فظة المظلة المحلية التي اقامها والده لحماية المقاومة الاستقرار والسلم الاهلي كما المصالح السوريا في لبنان عبر التمديد القهري للرئيس اميل لحود والاقصاء السياسي للرئيس رفيق الحريري قبل اغتياله، ثم ادخال البلد في المجهول عبر سلسلة من الاغتيالات السياسية وتأجيج الاستقطاب الطائفي والمذهبي وجعل سوريا مجرد تابع للسياسات والمصالح الايرانية لدرجة ان خطوة عملاقة بحجم اصطحابه من قبل الملك عبد الله بطائرته الخاصة الى بيروت لم تنجح في اعادته الى جادة الصواب او اقناعه بتبني مقاربة مغايرة تتساوق مع ثوابت ومرتكزات ابيه.

مع سياسته البائسة والعقيمة داخلياً واقليمياً تشاجر بشار مع العالم كله تقريباً وعانى لسنوات العزلة قبل ان يهدر فرصة اقليمية كبرى بحجم اتفاق الدوحة كانت كفيلة هي الاخرى بمصالحته مع المجتمع الدولي وتشجيعه على تبني مقاربة بل مقاربات مختلفة في الداخل والخارج.

اذاً، هدم بشار بعيون مفتوحة وعقل مغلق اسير، الاسس التي بنى عليها والده نظامه السلطوي الاستبدادي وحتى التحذير المدوي من تونس مصر وليبيا تعاطى معه على طريقته باستخفاف وغطرسة وغباء. وعموماً، فقد رسم مصيره بيديه وبات سقوطه مسألة وقت فقط، علماً ان نظرة الى الوراء تشجعنا على القول ان نهايته بدأت باكرًا جدا وتحديداً يوم ورث السلطة بعد رحيل والده قبل اثني عشر عاماً واستمر طوال هذه المدة فقط بفضل االقصور الذاتي الذي استدركته قوى الثورة منهية في السياق زمن زعماء الصدفة ومسقطة مشروع التوريث السياسي ولو بأثر رجعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى