الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدر الدين شنن / سوريا من التغيير إلى التدمير .. لماذا ؟ ..

سوريا من التغيير إلى التدمير .. لماذا ؟ ..


    بدر الدين شنن

    عندما كنت أزور .. أو أشاهد مصادفة .. موقعاً أثرياً تاريخياً ، لم أكن أعرف لماذا ينتابني لحظتها شعور بالحزن والكآبة ، وكانت عبارات الافتخار بهـا ، التي يرددها البعض حولي لاتروق لي . لأن مشهد الدمار في تلك المواقع كان يذكرني .. أننا هنـا .. وهنـاك .. في زمن مـا .. قد خسرنا حرباً .. وذبحنـا .. واستلبنـا .. ودمرت حواضرنا ، التي بناها أسلافنا عبر آلاف ومئات السنين ، حجراً فوق حجر ، لتكون الحصن الآمن ، والحاوي للحضارة والنمو الإنساني ، ولتكون المأوى الدافيء ، لإعادة شحذ العقول والعزائم ، لمتابعة الحياة والإبداع ، وليتعرف الأطفال ، انطلاقاً منها ، على جمال الدنيا .. ونور الشمس .. وتلاوين الزهور .. وتراقص الفراشات .. وتغاريد الطيور وشدوها .

    لم يكن يخطر لي ، أن أمعن التفكير بعمق ، بما تعنيه هذه الأطلال والخرائب .. هذه الحجارة المبعثرة .. والأعمدة المتكسرة . إلى أن أحاطني ، ذات مرة ، بعد جولة في أحد المواقع الأثرية ، السؤال : كيف ولماذا .. أننا في أزمنة ومرات متعددة .. قد غدر بنا .. ومارس علينا الغزاة كل بطشهم وغرائزهم الوحشية ، واستطاعوا أن يغرقوا السهول والوديان بدمائنا . وأدركت أن هذه الأطلال قد تحملت معنا بطش الغزاة ووحشيتهم ، وبقيت تصرخ .. حيث هي مرمية .. عبر أعوام تتلوها أعوام .. فاضحة المجازر البشرية .. والحجرية .. التي مزقتنا ودمرتنا .. مقدمة الدليل للأجيال القادمة .. لنا .. على أن هذا المصير الإجرامي البشع لحضارات كانت منارات الدنيا كلها ، قد أحدثه وحوش بأشكال بشرية . وبدأت أكن لكل حجر في موقع أثري تاريخي ، ما هو أكبر من الاحترام .. وأكبر من الافتخار ، وشعرت أني يجب أن أنحني لأعانقه وأقبله ، وفاء للذين عايشوه ، واستشهدوا معه ومن أجله .

    وعندما بحثت في الأزمنة ، التي شهدت حروب الدمار ، التي آلت إليها القصور إلى قبور ، والحصون إلى جحور ، والأسورا إلى دمار .. عرفت أن كل كارثة تمخضت أطلالاً ، لم تحدث بفعل الغزاة لوحدهم ، وإنما بمساهمة الأغبياء الخونة ، الذين راهنوا على انتصار العدو على أوطانهم ، وتعاونوا معه ، ليحصلوا على المال والسلطان ، لكنهم لم يحصلوا ، حتى من الغزاة ، إلاّ على الاحتقار . وهنا من المفيد أن نذكر قول ” هتلر ” رداً على سؤال ” من هم أحقر الناس الذين قابلتهم في حياتك قال ، هم الذين ساعدوني على احتلال بلدانهم ” . وذهلت عندما شدني السياق إلى الوقائع الراهنة ، التي مرت وتمر بها سوريا .. إلى الدمار الذي ينتشر في مختلف المدن والبلدات والقرى ، مخلفاً خسائر مروعة بالشوارع والمنازل والأرواح . وكأن التاريخ يعيد نفسه وقد عادت معه جحافل الرومان والمغول والتتار .

    بالعودة إلى الذاكرة السياسية في مرحلة ما قبل 15 آذار 2011 ، يتأكد بوضوح ، انه خلال سنين المعارضة المديدة ، لم يكن استخدام العنف وارداً لدى مختلف اطياف المعارضة ، كوسيلة لانتقال سوريا إلى عهد ديمقراطي . وما ذكر في خطاب المعارضة حول كيفية الوصول إلى هذا الهدف كان ، تغييرسلمي تدرجي ، وكانت المظاهرات الأولى سلمية وشعاراتها ” سلمية .. سلمية ” . لكن ومنذ أن بدأ البعض يستخدم السلاح باسم حماية المتظاهرين ، بدأت عملية الانقلاب على سلمية الحراك السياسي المعارض . ومن ثم تدرج التصعيد إلى صدامات مسلحة مكشوفة ، بين الحكومة وأطراف من المعارضة . وخلال أشهر صار لهذه المعارضة جيوش وألوية وكتائب مسلحة مقاتلة في مختلف المدن والمناطق السورية ، بل وتحولت إلى مركز جذب واحتواء لمنظمات إرهابية إسلامية متطرفة أبرزها ” القاعدة ” ومشتقاتها ، وصار لديها مدافع هاون ، وصواريخ ، ورشاشات ثقيلة ، ومدافع مضادة للطائرات ، ومنظومة لصنع واستخدام العبوات الناسفة والسيارات المفخخة ، تستند جميعها إلى حاضن تركي أطلسي وعربي رجعي خليجي ، يقدم لها المال ، والسلاح ، والملاذ ، والدعم السياسي ، والإعلامي الواسع الكاسح . والرصاص جر الرصاص .. والدم جر الدم ..

    وبذلك انتقل انقسام الحالة السورية من ( حكومة / معارضة ) إلى حالة حرب شوارع تدميرية دامية . لم تعد تظاهرات وبيانات الحراك الشعبي تظهر على شاشات الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى ، بل بيانات العمليات العسكرية .. عمليات الاغتيالات ، والقتل الجماعي ، والتفجيرات المدمرة للبنى التحتية ، واستهداف المدارس ، والجامعات ، والمشافي ، ومخازن التموين ، والبيوت ، والشوارع ، وقطع الطرقات داخل المدن وفيما بينها .. واستبيح دم الجيش السوري .. واستبيحت المدن السورية كلها بكل ما فيها من عمار وأسواق عريقة ومعالم حضارية . وكبرت لائحة القتلى والشهداء .. وانتشرت مظاهر الخراب في الشوارع والساحات والأزقة .. التي تحولت إلى مشروع أطلال معاصر .

    إن الانتقال من التغيير السياسي الديمقراطي السلمي إلى التدمير العسكري الإرهابي واستخدام المدن ساحات حرب والسكان الآمنين دروعاً بشرية ، ليس تجاوزاً لروح ومشروعية التظاهرات السلمية وشعاراتها المشروعة ، وليس تجاوزاً للحراك السياسي المبدئي المعارض ، وتجاوزاً بالمجمل لما سمي ” بالثورة المطلبية ” وحسب ، وإنما هو تجاوز لمعادلة ( حكومة / معارضة ) وإعلان حالة حرب بين الوطن وأعدائه ، وتجاوز المحلي إلى الدولي مع ما يحمله ذلك من مخاطر الدمار والاحتلال ، هو جريمة حرب ، وجريمة بحق كل إنسان سوري .. وبحق الإنسانية ..

    وفي هذا المضمار لابد من التنويه أنه ، في حالات الثورات المسلحة ، عندما تكون استحقاقاً مصيرياً مشروعاً لابديل عنه ، لايجوز أن تستخدم الثورة المدن والمناطق السكنية ساحات حرب تعرض خلالها السكان للموت ، ولايمكن أن تستخدم التفجيرات التدميرية كما العبوات الناسفة والسيارات المفخخة وقذائف الهاون وغيرها العمياء ، التي تقتل الناس عشوائياً ، وتستهدف أماكن تجمعاتهم البريئة ، مثل المدارس ، والجامعات ، والمشافي ، ودور العبادة ، وتعاقبهم جماعياً . بل إن الثورات الشعبية الأصيلة تحافظ على المدن كحضارة ومأوى لمن تدعي أنها قامت من أجلهم ، ولاتمس بسوء أبنية المدارس والجامعات ودور العبادة والمرافق الحيوية والبنى التحتية ، من ماء وكهرباء ومحروقات ومجاري صحية ومواصلات ومخازن تموينية ، بل تساعد السكان في حمايتها واستمرار أدائها المعتاد ، لتكسب تأييدهم ودعمهم لمشروعها التحرري أو الديمقراطي أو غير ذلك من الأهداف النبيلة . . إن مشاهد الدمار في معظم المدن السورية وأريافها ، وخاصة في دمشق وحمص وإدلب وحلب ، تتماثل مع أسوأ أشكال الدمار في الحواضر السورية القديمة ، وفي مدينة القنيطرة الشهيدة ، التي دمرها الرومان والمغول والتتار والعثمانيون ، والإسرائيليون ، وحولوها إلى أطلال وخرائب .

    والسؤال المترتب على ذلك ، وماذا بعد هذا التدمير الواسع ، هل يتوقع عاقل ، أن التدمير كوسيلة للتغيير ، يمكن أن يحقق لسوريا ، الديمقراطية ، والكرامة ، والعدالة الاجتماعية ، وإعادة من طالهم التدمير والتهجير إلى بيوتهم ، ويمسح الجراح ببلسم الأخوة والمحبة ، ويجنب الوطن أن يكون أوطاناً فاقدة للسيادة والصلاحية السياسية والاقتصادية ، وبناء دولة قوية موحدة ، قادرة على تحرير الجولان ؟ .

    إن الذين ينفذون أجندات عسكرة المعارضة ، والقتل ، والتدمير ، لنشر الهيمنة الغربية الاستعمارية على كامل الشرق الأوسط ونهب ثرواته ، والمسلحون الأجانب القاعديون ، والموساديون ، والحريريون ، المتسللون إلى الداخل السوري ، بدعم وتموي وحماية دول حلف الناتو الاستعمارية ودول الخليج الرجعية المفوتة ، الذين لاتعنيهم بشيء أي قيمة أو اعتبار للمعالم التاريخية ولإنسانية المواطن السوري ، ليس لديهم .. بل ولايكلفون أنفسهم عناء التفكير لتقديم أي جواب .

    المحزن .. والمفجع .. أن تأتي الحرب ، في ، وعلى سوريا ، هذه المرة ، وللخونة الأغبياء فيها نصيب أيضاً . حيث نجد السوري يشهر السلاح بوجه أخيه السوري ، ونجده يفجر عبوة ناسفة ، أو سيارة مفخخة ، أو قذيفة هاون ، وسط أبناء بلده الأبرياء وفيهم الشيوخ والنساء والأطفال ، ويحرق ويدمر ويسرق معالم أثرية تاريخية وأسواق تجارية عريقة بقيمتها الاقتصادية والحضارية ، ويستهدف سيارة إسعاف ومدرسة ومشفى وأحياء سكنية ، تنفيذاً لمخطط أجنبي ، يعرف مسبقاً ، أنه ليس في مصلحة بلده .

    ومن أسف ، لقد أثبتت مجريات الأحداث السورية ، سواء سميت مظاهرات احتجاجية ، أو ” ثورة مطلبية ” أو ” ثورة حرية ” أو مؤامرة .. ومقاومة المؤامرة ، أثبتت أن الساسة السوريين في الظروف الراهنة ، هم أقل حضوراً وكفاءة بتحمل المسؤولية السياسية ، من الساسة في أوائل وأواسط القرن المنصرم . أكثر تجليات ذلك بؤساً ، هو غياب الزعامة الوطنية المحورية .. قائد تاريخي .. حزب وطني ديمقراطي عريق مجرب .. برنامج سياسي متكامل مطابق بشفافية لاستحقاقات اللحظة التاريخية .. كما كان يوسف العظمة ، وشكري القوتلي ، وصبري العسلي ، وفارس الخوري ، وإبراهيم هنانو ، وسعد الله الجابري ، وصالح العلي ، وسلطان باشا الأطرش ، وهاشم الأتاسي . فهؤلاء بغض النظر عن أية ملاحظة حول أحدهم أو أكثر ، توحدوا في كتلة وطنية ضد الاحتلال ودافعوا عن سوريا وحرروها ، بينما نرى ساسة اللحظة يستدعون الأجنبي لإعادة احتلال سوريا ، وتنازل أولئك عن طموحاتهم الحزبية والشخصية لتلبية طموحات الشعب الوحدوية مع مصر ، بينما نرى ساسة اللحظة يعملون على تمزيق وطنهم ، خدمة لمخططات الأجنبي ، لتحقيق مطامحهم المالية والسلطوية .

    لم يذكر لنا التاريخ في صحائفه ، من هم الذين خانوا زنوبيا وغدروا بها وبتدمر ، ولم يذكر لنا من الذين خانوا هانيبعل وغدروا به وبقرطاج ، ولامن خانوا البتراء ، ولا كل الذين فتحوا الأبواب السرية لأسوارنا ولقلاعنا المقاومة المحاصرة ، ليأخذنا العدو من الداخل .. لكننا الآن .. في غمرة التدمير والتضليل .. عرفنا سر حصان طروادة .. وعرفنا من هم في داخله .. وما عساهم سيفعلون .

    ما يفتح أفق الأمل العريض .. على أننا لن نكون مهزومين ممزقين أرضاً وشعباً كما يريد أعداء بلادنا .. لن تكون مدننا خراباً وأطلالاً ’تحزن و’تبكي .. وتدعو للإكتئاب .. هو الشباب الذي أدخلته الأحداث مبكراً في السياسة ، وقد دخلها بشجاعة ، من باب الوطنية الأبية .. ومن باب الحرية الراقية لأعلى درجات الإنسانية .. ومن باب المستقبل المفتوح على وعد , الأمان ، والكرامة ، والحرية ، والعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وهو أيضاً العزيمة التي ترد على كل تفجير وتدمير ، التي يعلنها الرجال والنساء والأطفال .. أننا باقون في بيوتنا .. هذه مدينتنا .. هي لنا وستبقى لنا . وهو أيضاً وأيضاً تصميم الذين يردون على العبوات الناسفة والسيارات المفخخة وقذائف الهاونات ، عندما تستهدف مساجدهم وكنائسهم .. أنهم متمسكون بالأخوة الروحية الكريمة فيما بينهم .. ومتمسكون ببناء غد سعيد لكل أبناء سوريا .

    أن نقبل الآن ، أحجار جدران بيوتنا ومدننا ، وهي عمار ، ونحميها من كل وسائل وآليات التدمير .. خير من أ ن نقبلها غداً .. وهي دمار ، ونحزن عليها .. ونبكيها نادمين .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...