الرئيسية / صفحات مميزة / سوريا.. هزل الطمأنينة/ عزيز تبسي *

سوريا.. هزل الطمأنينة/ عزيز تبسي *

… وكأنما لا بد من العبور الدائم على سلسلة لا تنتهي من المفاضلات المشفوعة باحتمالات الخسارة الأقل، للإقرار الضمني بفاجعة آتية لا مهرب منها، والتسليم أن حركة تاريخ المجتمعات الطرَفية العربية مسوّرة بحزام من فولاذ، لم تتمكن كفاحية وتضحيات وتجريبية الشعوب المضطهَدة من حل أحجيته بعد، لتتجاوزها بمسيرة ظافرة تمكّنها من انتزاع حقوقها في حرية حقيقية، وعدالة تهرول خلف أنماط تنموية تتدثر بمصالح الشعوب.

إذاً هناك وقت متاح لنلبي الدعوة لهذه المفاضلات اللانهائية الخاسرة: الشرطي المقمط بلباسه النظيف المكوي، وشاراته المخملية المثبتة على كتفيه وذراعه الأيسر، أقل قسوة من رجل المخابرات المتسربل بلباس عمومي منتحلاً صفة بائع متجول، أو مثقف معارض، أو سائق سيارة خدمة عمومية. والرشح خير من التهاب الصفراء، والتهاب القصبات أقل كارثية من داء الكلَب، والقرحة المعوية خير من السرطان، وأنظمة حكم الملكية الدستورية أقل جوراً من الملكية المطلقة، ومنظمة الهاغاناه أقل بهائمية من منظمة شتيرن، وأفعى المياه العذبة أقل سمّية من أفعى الكوبرا، وقتل المخطوف برصاصة في قذاله أهون من تقطيعه بالسواطير، والحكم العثماني أقل جوراً من حكم المماليك، وكتائب أحفاد أبي جعفر المنصور خير من كتائب أحفاد الحجاج بن يوسف الثقفي، وجبهة النصرة أقل حيوَنة من دولة «داعش»، وقذيفة الهاون أقل تدميراً من صواريخ «سكود»، وحرق حقل القمح أقل هولاً من حرقه مع أهله ومحاريثه ونوارجه وقطعان خرافه وماعزه.

… سرد يطول، متجاهلاً أن بعضا من مفاعيل الثورات هو دفع لكسر هذه التلازم بين الثنائيات المفتعلة، والتي هي في حقيقتها تفسخ للأحادية التي فقدت صلابتها مع الزمن في سياق تحولاته الاجتماعية العميقة.تنتهي الأحاديث العامة باقتحام الصوت الخشن، ينقل تلك العبارة ذات الثقل السلطوي المهيب مشفوعة بوظيفتها المزدوجة، لتقول «ان كل شيء على ما يرام»، في محاولة لاجتراح طمأنة شكلية للعامة، التي لا بد منها من حين لآخر لتثبيت ما سيأتي بعدها من الإقرار بثبات السلطة في مواقعها واستمرارها إلى ما يشبه الخلود، وإن ما يحصل هو بعض من إيعازاتها، مما تراه ضروري لها، لإعادة تصليب عضلاتها التي أصابها الترهل.

***

بغياب المرجعية الوطنية الثورية، تغدو سهلة المعالجات المتدثرة باللغة والمستعينة بها حين تُنتهك مبادئها السياسية والأخلاقية في آن، وتتحول إلى أحابيل قوى أيديولوجية تحمل وظيفة اللهو والغش والخفة، كأن تتحول جماعات جنائية ومخابراتية مسلحة تمتهن الخطف والفدية والسرقة والاغتصاب، بمعالجة لغوية خفيفة، إلى مقاومة وطنية/ثورية/شعبية.

كان من السهل توخي الطمأنينة المخاتلة، عندما قرأ العابرون نحو الريف الشمالي، منذ أكثر من عام: «يسقط المجلس الوطني العلماني» و«الدين لله والوطن لله» و«تسقط الديمقراطية»، واعتبارها كتابات عابرة، لا تعبّر عن حقيقة القوة المعنوية التي حظيت بها لوهلة من زمن الانتفاضة الشعبية، متجاهلين الهيمنة التامة عليه من جماعة الإخوان المسلمين والمجموعات التي تحابيها، من أصحاب الموقف الرافضة بحسم للعلمانية والساخرة منها في آن. لن يسأل أحد بعلنية، ترى من أين أتت العبارة، ولماذا أراد من أمر بكتابتها ولم يقبل بمسحها قط، تلبيس المجلس الوطني ثوباً أيديولوجياً غير ثوب حزبه الرئيسي وحلفائه، الذين صنعوه منذ زمن.

ولا بأس من القول رغم ذلك على سبيل الإنشاء اللفظي المطمئن، ان الثورة مستمرة، بينما الناس هم المستمرون في توليد ممكنات تَعْبرُ بهم، ويعْبرون بها هذا الحضيض، لاسترداد ما يمكن استرداده: الحياة في هيئة رغيف خبز ساخن، والحرية متجلية في هتافات، تكشط لحاء الكلام المخذول، لتعيد إطلاقها في الأعالي كغيوم منذرة.

* كاتب من سوريا

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...