الرئيسية / صفحات سورية / سوريا.. واقع الأزمة ومسارها

سوريا.. واقع الأزمة ومسارها


فايز سارة

مع دخول (الثورة) السورية شهرها الثامن ثمة قلق مما يمكن أن تتطور اليه الأمور في سوريا. واساس هذا القلق، ان الوضع صار في نقطة توازن الضعف، واساس فكرة توازن الضعف، ان فعاليات الثورة من تظاهرات واحتجاجات مازالت مستمرة، رغم ما أصاب حواضنها الاجتماعية في المدن والقرى من دمار وخسائر أبرزها الاعداد الكبيرة من الشهداء والجرحى والمعتقلين اضافة الى المطلوبين والذين نزحوا لخارج سوريا، وبالمقابل فان سياسات السلطة في القمع الدموي مستمرة هي الاخرى، وقد ذهبت الى استخدام اقصى طاقاتها، فادخلت في عملياتها القوى الأمنية والعسكرية غضافة الى مليشيات الشبيحة، التي باتت جزءا أساسيا من نظام الضبط الأمني.

وتوازن ضعف طرفي الصراع في سوريا إنما تعكسه حقيقة عدم مقدرة أي من الطرفين على حسم الأوضاع لصالحه. فلا النظام قادر على اخضاع معارضيه واسكاتهم وإعادتهم الى بيت الطاعة، ولا معارضي النظام قادرون على اسقاطه، والامر في هذا يعني ان الصراع مستمر بانتظار تطورات تؤدي الى حدوث تبدل في ميزان القوى يحدث انقلابا في توازن الضعف القائم وغلبة طرف على الآخر في اطار تكتيكي من جانب النظام واستراتيجي من جانب المعارضين، ذلك ان النظام قد يربح الجولة الراهنة رغم ضعف هذا الاحتمال، لكن المعارضين سوف يربحون الحرب، اذا جاءت التطورات لصالحهم، حيث انه لم يعد أمام النظام الحالي بما هو عليه من طبيعة وسياسات قدرة على الاستمرار والامساك بالسلطة في سوريا، حتى لو ربح الجولة الحالية.

إن توازن الضعف لطرفي الصراع في سوريا، لا يجسده فقط عدم قدرة احدهما على الحسم في الوضع الحالي، وهو مؤشر شديد الأهمية، وانما هناك مؤشرات اخرى من بينها بلوغ الطرفين مستوى عال من الاحباط بفعل ما أاصاب كل منهما من خسائر، أبرزها الخسائر البشرية والمادية التي أصابت المتظاهرين ومعارضي النظام، وهي خسائر يمكن أن يعوضها الخزان البشري الهائل في الحواضن الاجتماعية، مقابل خسائر سياسية جسيمة أصابت النظام في الداخل والخارج، والتي أفقدته المشروعية السياسية في جزء كبير من الداخل وفي أغلبية الخارج العربي والدولي.

لقد ترتب على ما أصاب الطرفين من خسائر، احساس كل منهما بوقوفه امام حائط مسدود في وقت لديه كل الرغبة في الخلاص من الوضع الراهن، الامر الذي دفع كل منهما الى محاولة اجراء تغييرات على طريقته في الصراع مع الاخر، ومن هذه النقطة يمكن فهم لجوء السلطات السورية الى توسيع حدود المعالجة العسكرية – الامنية اللازمة وتكثيفها وخاصة في المناطق الملتهبة بهدف منع تلك المناطق من الاستمرار في التظاهرة والاحتجاج، وتزامن هذا السلوك مع فتح بوابة باتجاه خط للتسوية السياسية عبر الموافقة على المبادرة العربية من جهة والحديث عن مؤتمر للحوار الوطني الى جانب حملة اعلامية دعاوية مكثفة خلاصتها، انه تم تجاوز الأزمة، وان النظام صار في المرحلة التالية لها.

أما في الجانب الآخر، جانب المظاهرين ومعارضي النظام، فالتغييرات تبدو أقل حدة في الظاهر، لأن الحراك العام وحديث المعارضة، مازال يؤكد على سلمية الحراك والتظاهر، لكن ذلك لم يمنع بدء موجة من الاضرابات على نحو ماحدث في الأسبوع الماضي مع تنويه باحتمال تحويل الاضرابات تالياً باتجاه عصيان مدني، وقد أعقب اضراب الاربعاء العام إعلان الجمعة الأاخيرة باعتبارها جمعة الحظر الجوي، وكلها تندرج في سياسة تصعيد سياسي، خلافاً لما يقال من ان فعاليات الشارع السوري تشهد تراجعاً ملحوظاً.

إن ذهاب طرفي الصراع نحو تصعيد متبادل هو أمر منتظر، لكن الخطر فيما يرافق هذه التطورات من حيثيات وتفاصيل. ففي الحملة العسكرية – الأمنية، تتم اجراءات ذات طابع انتقامي، تتخذ ملامح جرمية بما فيها من قتل وجرح واعتقال وتدمير ممتلكات وسرقة. وسواء كانت سياسة مقصودة أو لا، فانها تدفع نحو كارثة. ذلك أن من يقوم بها سوف يعتاد على أفعاله ويصعد بها، ومن يتلقاها سوف تتزايد في نفسه الرغبة في الرد والانتقام، وهذا بعض ما يفسره ميل ملحوظ للدعوة إلى التسلح ومواجهة القوى الأمنية والعسكرية والشبيحة بالسلاح، وربما يفسر الانشقاقات الجارية في أوساط المؤسسة الأمنية – العسكرية، وما حدث من اشتباكات بين مسلحين وقوات الجيش والأمن.

ومما لاشك فيه، أن التحولات الأخيرة لدى النظام وانعكاساتها على حركة الشارع والمعارضة، تضع سوريا أكثر من أي وقت مضى في دائرة الخطر الشديد خاصة في تحويل الصراع باتجاه العسكرة، وهذا من شأنه أن يزيد من التدخلات الخارجية في الشؤون السورية وصولا الى التدخلات العسكرية، التي يبدو انها صارت على الابواب، ومالم يحدث تحول كبير وجذري في سياسات النظام ومعالجاته للوضع القائم بعيداً عن المعالجة الامنية، فان مسألة التدخل العسكري الاجنبي صارت مسألة وقت ليس إلا.

كاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...