الرئيسية / صفحات العالم / سوريا والحاجة لتحالف دولي

سوريا والحاجة لتحالف دولي

دانيل كيرتزر

لا تعوز إدارة أوباما النصائح الكثيرة حول ما يجب أن تقوم به فيه سوريا، فمع إعلان أوباما أن استخدام السلاح الكيماوي «خط أحمر» سيغير قواعد اللعبة في حال تجاوزه نظام الأسد، تشير العديد من الأطراف على أوباما بالتدخل العسكري. ورغم خطر الرهانات؛ إذ مع مرور كل يوم على بقاء الأسد في السلطة يأتي الموت والدمار للسوريين، فإن عقداً كاملا من الحروب الأميركية بالعراق وأفغانستان عقّد آفاق التدخل العسكري الأميركي في سوريا، ليبدو مثل هذا السيناريو مخيفاً وغير مشجع. لذا قبل اتخاذ قرار جسيم بالتدخل، وبخاصة إذا كان هذا التدخل سيتم مفرداً، علينا أولا الانخراط في مجهود دبلوماسي جاد لمعرفة الإمكانات الحقيقية المتاحة لبناء توافق دولي حول موضوع التدخل، ثم بعدها مطالبة الجامعة العربية ومجلس الأمن الأممي والكونجرس الأميركي بالتصويت على ضرورة هذا التدخل من عدمه، وطبيعته المقبولة لدى الجميع. ذلك أن تصويت ممثلي الشعب سيكون مهماً لاقتسام المسؤولية عن كل تحرك، بل إن الأزمة السورية قد تمثل فرصة سانحة للقطع مع التحركات الأحادية ولتبني استراتيجية متعددة الأطراف لتسوية الأزمات الدولية. ولتحقيق هذا الأمر وإضفاء المصداقية على الجهد الدبلوماسي، يتعين على أميركا قيادة العملية من خلال السعي إلى توافق في المواقف بين ثلاثة أطراف رئيسية. فالاستراتيجية الدبلوماسية التي ستقودها أميركا، عليها أن تبدأ بروسيا والصين اللتين أعاقتا صدور قرارات من مجلس الأمن بشأن سوريا، فالروس تحركهم في الموضوع السوري اعتبارات استراتيجية كبرى ومصالح اقتصادية ضيقة، وهم يخشون احتمال انتصار الجهاديين في سوريا وتمددهم إلى منطقة القوقاز ذات الأغلبية المسلمة في جنوب روسيا. هذا بالإضافة إلى حرص روسيا الشديد على إبقاء حليفها التقليدي في الشرق الأوسط، لذا ستكون نقطة الانطلاق في المناقشات مع روسيا حول التدخل العسكري، ترتيب عملية انتقال السلطة بعد سقوط الأسد، وهو ما يعني بالنسبة للروس انتقال السلطة إلى العسكريين للحفاظ على الاستقرار مراعاةً لمصالح روسيا ومخاوفها، على أن تقبل هي أيضاً مراعاة المصالح الأميركية. ولعل الانشغالات المشتركة بين البلدين بشأن الأسلحة الكيماوية في سوريا، وتعاون موسكو مع واشنطن في انفجارات بوسطن، قد تعطي لهذا الجهد زخماً إضافياً. ولاشك أن هذا الحوار بين روسيا والولايات المتحدة سيلفت انتباه دمشق، فلو تبين للنظام أن توافقاً أميركياً روسياً ممكناً قد يقتنع النظام بأن الوقت بدأ ينفد، فحتى هذه اللحظة راهن الأسد على روسيا لتعطيل القرارات الأممية وعلى إيران لتوفير الدعم الإقليمي، لذا فأي شرخ يصيب هذا الجدار الذي يتكئ عليه الأسد قد يعجل بسقوطه دون تدخل عسكري.

لكن الأمر لا يقتصر فقط على روسيا، إذ يتعين على الولايات المتحدة الانخراط مع ثلاث دول عربية (السعودية وقطر ومصر) تلعب دوراً مهماً فيما يجري بسوريا، في محاولة لمواجهة النفوذ الإيراني. ورغم الاختلافات بين بعض الدول حول الجهات الأوْلى بالدعم ورغم التخوف من «الإخوان المسلمين» تبقى مصر مشدودة بين الجهتين، فمن جانب يعرف الجيش المصري جيداً نظيره السوري وهو يفضل دعم ضباطه الذين انشقوا على النظام، فيما تتعاطف الحكومة المصرية من جانبها مع «الإخوان المسلمين» في سوريا.

تلك الدول العربية الثلاث تحمل مفاتيح الجامعية العربية وموقفها من التدخل، فرغم توافق الجميع على ضرورة تنحي الأسد وخروجه من السلطة، يبقى الاختلاف قائماً حول ما إذا كان التدخل العسكري ضرورياً في هذه المرحلة، والطريقة التي يجب أن يتم بها، لذا يتعين على الدول العربية توضيح موقفها من خلال التصويت بنعم أو لا في الجامعة العربية حول التدخل وتحديد مهامه بدقة. وفي حال تم التصويت بنعم، وهو احتمال غير مرجح، سيكون عليهم توفير دعم ملموس لأي تدخل يتم التوافق عليه؛ أما داخلياً وفيما يتفاوض دبلوماسيو الولايات المتحدة مع روسيا والجامعة العربية، تحتاج واشنطن نقاشاً معقولا وواقعياً حول مصالحها في سوريا وطرق التعامل مع الأزمة، بحيث يتعين التركيز في مناقشات الكونجرس على ثلاث قضايا أساسية: الاستمرار في الطريق الحالي القائم على توفير مساعدات غير فتّاكة للمعارضة السورية، أو إقامة منطقة حظر جوي لتحييد التفوق الجوي الذي يتمتع به النظام، أو الانخراط في تدخل عسكري شامل بهدف تغيير النظام. فعلى الرأي العام الأميركي التعرف على الطريق الذي سيختاره الرئيس وممثلوهم في الموضوع السوري، وبالطبع لن يكون من السهل إيجاد توافق بين جميع الأطراف المعنية بالقضية السورية مع ما سينتج عن ذلك من تفاقم للوضع الإنساني والأمني، كما سيتطلب الأمر شجاعة سياسية من المجتمع الدولي ومشرعينا للتصويت على تدخل عسكري، لكن في جميع الأحوال يبقى بناء تحالف دولي يضم الدول الراغبة، لاسيما روسيا ومصر والسعودية وقطر، الخيار الاستراتيجي الأمثل والأكثر حكمة بالنسبة للولايات المتحدة، فبدون هذا التحالف لن ينجح التدخل العسكري وبدونه أيضاً على أميركا رفض أي تدخل عسكري أحادي في سوريا.

دانيال كيرتزر

السفير الأميركي السابق لدى القاهرة وتل آبيب

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

9 + 1 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...