الرئيسية / صفحات العالم / سوريا وكوسفو… أوجه الشبه

سوريا وكوسفو… أوجه الشبه

 

هل تستطيعون التعرف إلى صراع قتل فيه آلاف المدنيين خلال العام الماضي وتحول من نزاع مدني إلى عنف طائفي ثم إلى حرب أهلية فيما المجتمع الدولي يراقب بقلق بالغ مع تعزيز الولايات المتحدة لوجودها العسكري في المنطقة ومد الثوار بالدعم اللوجستي والتدريب، وهو الصراع نفسه الذي صرح بشأنه مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أثناء حديثه عن القوات المناهضة للحكومة من أن واشنطن «تطور علاقات جيدة مع الثوار». وكل ذلك يجري في ظل معارضة روسية شديدة وتحذير واضح من التدخل الغربي، هذا الوصف يشبه كثيراً ما جرى في سوريا ما بين عامي 2011 و2012 من انتفاضة ضد حكم الأسد، لكن الحقيقة أن هذه كانت مشاهد من الأحداث التي سبقت التدخل العسكري الأميركي في كوسوفو خلال شهر مارس عام 1999، وإنْ كان الأمر كله ينطبق أيضاً على الوضع السوري المتأزم؛ فالإدارة الأميركية قررت مؤخراً إرسال الجنود ونشر صواريخ باتريوت في تركيا المجاورة لسوريا شمالا، كما وفرت الدعم اللوجستي والاعتراف الرسمي بقوى المعارضة والثورة، وفي نفس الوقت لا تكف أعداد القتلى عن الارتفاع بعدما حددت الأمم المتحدة الرقم في أكثر من 60 ألف قتيل بلغها الصراع في سوريا متجاوزاً خمسة أضعاف عدد القتلى الذين سقطوا في حرب كوسوفو خلال السنة التي قررت فيها الولايات المتحدة التدخل العسكري.

على غرار كوسوفو أيضاً تحذر روسيا اليوم من مغبة التدخل الغربي في سوريا، وفيما يزن أوباما خيارات العمل العسكري في سوريا كما يفعل حالياً عليه التفكير في أوجه الشبه تلك لعله يجد في ذلك سبباً إضافياً لدعم المعارضة السورية ومحاربة ظاهرة أخرى لم ترتبط بالحالة الكوسوفية والمتمثلة في التطرف الإسلامي.

ولفهم ما جرى في كوسوفو جلست مؤخراً مع «بيتريت سليمي»، المسؤول في وزارة الشؤون الخارجية بكوسوفو، حيث أردت أن أعرف منه كيف للصراع في كوسوفو أن يشبه ما يجري حالياً في سوريا والدور الذي يمكن للجماعات المتشددة أن تلعب في كلا الصراعين، وبالأخص أردت أن أعرف لماذا لم تتحول كوسوفو قط إلى منصة لانطلاق الجماعات «الجهادية»، وذلك بالرغم من الكثافة المسلمة في كوسوفو واستطالة الصراع في المنطقة التي غالباً ما تشكل التربة الخصبة لصعود التيارات الإسلامية المتشددة، بل بالعكس من ذلك، سلكت كوسوفو مساراً مغايراً بتطوير مؤسساتها الديمقراطية والانخراط في عملية الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز دور النساء في المجتمع.

ورغم وجود بعض العثرات في المسيرة مثل الفساد المنتشر وتقصير الحكومة في بعض المجالات، فإنه في الأخير نجحت كوسوفو في تفادي سقطة التطرف الإسلامي؛ ولا يعني ذلك أن الجماعات الإسلامية لم تسعَ على امتداد سنوات الصراع إلى توطيد وجودها في المنطقة، حيث وصل الآلاف من المقاتلين الأجانب إلى كوسوفو محاولين، كما يوضح ذلك «سليمي»، «تصوير الصراع على أنه حرب دينية».

وعلى غرار الجهاديين الأجانب في سوريا، حاول المتطرفون في كوسوفو «تحويل المنطقة إلى منصة لانطلاق ليس فقط لمحاربة الصرب، بل كل القوى التي يرونها استعمارية ومناهضة للإسلام»؛ فكيف إذن استطاعت كوسوفو مقاومة المتطرفين؟ الجواب حسب «سليمي» يكمن في الدعم الأميركي، لا سيما التنسيق المتنامي للولايات المتحدة مع مظلة الثوار ممثلة في جيش تحرير كوسوفو، فبعد التدخل الأميركي الذي جاء في أعقاب أزمة اللاجئين الفارين من قوات ميلوسوفيتش قررت واشنطن التواصل مع الثوار وتعزيز حضور الجماعات المعتدلة، وفي هذا السياق يوضح «سليمي» قائلا: «ما دام جيش تحرير كوسوفو كان متحالفاً مع الأجندة الغربية لم يكن هناك مجال لحصول الجماعات المتشددة على دعم ومساندة السكان».

ويأتي أيضاً ضمن أسباب تفادي السقوط في شرك التطرف بكوسوفو التدخل العسكري المباشر للولايات المتحدة الذي لعب دوراً مهماً في تهميش الأصوات المتطرفة، وهو ما أشار إليه «سليمي» بقوله :«كانت أميركا الحليف الأول للكوسوفيين والألبان، وأي طرف يريد إيغار صدر السكان ضد الأميركيين لم يكن ليجد صدى بين الأهالي»، لكن لو لم تتدخل أميركا عسكرياً لكان الوضع أسوأ ولاستطاعت القوى المتطرفة التجذر في المنطقة، مستندة إلى إحباط السكان من الغرب الذي تخلى عنهم. وبالطبع تبقى كوسوفو بعيدة عن سوريا لا من ناحية الجغرافيا ولا من جهة الجوانب التاريخية والعرقية والدينية وغيرها، ولا أحد يستطيع التحديد على وجه الدقة إلى ماذا كانت ستنتهي كوسوفو بدون التدخل الأميركي، لكن مع ذلك تظل أوجه الشبه ماثلة بين التجربتين، لا سيما فيما يتعلق بخطر التطرف عندما يفقد السكان أي أمل في خلاص سريع ويشتد فيه قمع النظام، وهو ما يفسر انشغال إدارة أوباما في هذه الأثناء بتنامي نفوذ التيارات المتطرفة في صفوف الثورة السورية، وإذا كان هناك من درس تعلمناه خلال العقد الأخير فهو قدرة المتطرفين على استغلال الصراعات الداخلية في أي مكان في العالم لتعزيز أيديولوجيتهم المعادية للغرب سواء كان ذلك في باكستان، أو اليمن، أو مالي، لذا وفيما يشاهد أوباما تصاعد نفوذ الجماعات المتشددة في سوريا مع ارتباط بعضها مباشرة بتنظيم القاعدة فإن عليه الاستفادة من تجرية التدخل في كوسوفو، وإذا كانت حملة جوية تستمر ثلاثة أشهر ستهزم قوات الأسد وتمنع تجذر التطرف الإسلامي في المنطقة ويعطي للمعارضة السورية الفرصة لتأسيس حكم ديمقراطي، فإن هذا الجهد يستحق الكلفة، كما أنه في حال قررت الولايات المتحدة التدخل في سوريا على غرار ما قامت به في كوسوفو فإن السوريين قد يتمكنوا من تكرار العبارة نفسها التي رددها «سليمي» من أن كوسوفو أصبحت لأول مرة «ملكاً لنا».

أندرو بورت

كاتب أميركي متخصص في شؤون الإرهاب

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

الاتحاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...