الرئيسية / صفحات العالم / سوريا ومهاجمة السفارة الأميركية

سوريا ومهاجمة السفارة الأميركية


طارق الحميد

يوم الأحد الماضي، قالت دمشق إنها تفضل الحفاظ على شعرة معاوية مع واشنطن، بعد زيارة السفير الأميركي لحماه الجمعة الماضية، ثم ما لبث النظام السوري أن أرسل محسوبين عليه ليتهجموا على السفارتين الأميركية والفرنسية في دمشق.. فكيف يفهم ذلك؟

قبل التعليق، لا بد من مشاركة القارئ بعبارتين مهمتين سبق أن سمعتهما من مسؤولين في المنطقة حول طريقة تفكير النظام السوري، وذلك لتسهيل فهم تصرفات النظام. ذات يوم قال لي مسؤول عربي «عندما تتأمل تصرفات النظام السوري، فلا تخضعها للمنطق السياسي.. فهذا خطأ، بل دائما حاول أن تفكر بالطريقة التي يفكر بها النظام نفسه لتفهم طبيعته»، مضيفا «لو كان النظام يتعامل بمنطق دولة لما كان هذا حال سوريا، أو حال المنطقة مع هذا النظام». كما سمعت من مسؤول عربي رفيع، تعامل مع الموضوع السوري، ومنذ الأسد الأب، أن «أفضل طريقة للتعامل مع النظام السوري أن تبني على أخطائه، فهي كثيرة، والنظام هو أبرز أعداء نفسه».

ومع استحضار هاتين القراءتين نستطيع القول إن النظام السوري لم يعد حريصا اليوم على وجود السفير الأميركي في دمشق، بقدر حرص الشعب السوري والرئيس أوباما. فالسوريون يجدون في حضور السفير الأميركي حماية لهم من القمع، وهذا ما حدث في الجمعة الأخيرة بحماه. بل إن المعارضة السورية طالبت باقي السفراء الأجانب بفعل ما فعله السفيران الأميركي والفرنسي. وبالنسبة لأوباما، فإنه يواجه ضغوطا متزايدة من قبل الكونغرس لسحب السفير، على غرار ما فعله بوش الابن عندما سحب سفيره من دمشق بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، إلا أن إدارة أوباما تدافع عن وجود سفيرها في دمشق على أنه الفرصة الوحيدة لمعرفة حقيقة ما يدور داخل سوريا، وهذا صحيح، ولذا قام السفير الأميركي بتحركات جادة في سوريا ليحرج الكونغرس، لكنه وطأ على أطراف أصابع النظام السوري بشكل مؤلم.

وعليه، فإن رد فعل النظام السوري على زيارة السفير الأميركي لحماه يأتي طبيعيا، وإن تأخر. فهذا النظام يعاني بشكل مرعب من عدم مراعاة فارق التوقيت، فزيارة السفير الأميركي لحماه تعتبر صفعة للنظام السوري ليس خارجيا، بل داخليا، خصوصا أمام الجيش، الذي حتما فيه من كبار الضباط – أيا كانت طائفتهم – من لا يروق لهم ما يحدث اليوم، ومن شأن هذا الأمر أن يقلق النظام، فتاريخ الانقلابات السورية كله يشتمل على عبارات الحفاظ على الكرامة، وهكذا.

ولذا، فإن تصعيد النظام السوري اليوم ضد السفير الأميركي ما هو إلا دليل على ربكة النظام وضعفه وتخبطه. فكما قلنا سابقا إنه من غير المعقول أن يكون سفير واشنطن قد توجه إلى حماه دون علم النظام السوري، وهو ما اتضح لاحقا حيث كانت دمشق على علم بذلك، إلا أن المظاهرات الحاشدة التي حدثت في حماه الجمعة الماضية، واستقبال السوريين للسفير الأميركي بالورود قد أفقدا النظام صوابه كما نرى اليوم. وهذا أمر طبيعي لنظام كثيرة أخطاؤه، وبعيد كل البعد عن امتلاك أي رؤية حقيقية للتعامل مع الأزمة التي يواجهها مما جعل ورطته متزايدة.

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...