الرئيسية / صفحات الحوار / سورية، إلى أين؟ أسئلة نارين دانغيان

سورية، إلى أين؟ أسئلة نارين دانغيان


حوار مع ياسين الحاج صالح

 1.    في رأيك ما الذي تسبب بوصول الربيع العربي إلى سورية؟ أهي شروط اجتماعية أم ماذا…؟

ربما لاحظت أن الثورات تفجرت أساسا في “جمهوريات” يحكمها طغاة متقدمون في السن طوال عقود، وكانوا يعتزمون توريث الحكم لأبنائهم أو ذوي قرباهم. عبر السنين استقر في أذهان هؤلاء أنهم يملكون بلدانهم، ولا يحكمونها فقط. وانعكس ذلك في طريقة حكمهم: يقمعون كل معارضة سياسية، يعيشون حياة ملوك من الناحية المادية، ويكرسون وسائل الإعلام العامة لتبجيلهم وتأكيد عبقريتهم. سورية هي البلد الذي جرى توريثه فعلا ضمن الأسرة الأسدية. حافظ بشار على نظام أبيه القائم على أجهزة أمنية متوحشة، تفكك أولا بأول كل معارضة منظمة، مهما تكن مسالمة، وأضاف إليه ضربا من”تحرير” الاقتصاد، كانت محصلته العملية وضع الموارد الوطنية الأساسية في حوزة المقربين إليه. وتطور نظامه خلال 11 عام  إلى جمع احتكار الموارد العامة وأجهزة المعلومات والتواصل، فوق احتكار السلطة العمومية. وكان نمط التطور القائم محابيا للمدن الكبرى على حساب المدن الصغرى، ولحساب مراكز المدن الكبرى وأحيائها “الراقية” على حساب الأحياء الطرفية والضواحي، ولحساب النخبة التي تشغل مواقع مهيمنة في السلطة والمال على حساب الشرائح الأفقر والأدنى حصانة. وهذا كان يثير غضبا مكتوما في سورية، تفجر قبل أقل من عام في ثورة بفضل توفر أكثر من مثال إيجابي، في تونس ومصر بخاصة.

هناك تقارب ثقافي ووجداني عربي، سهل الانتقال السريع للثورة من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن والبحرين وسورية.

والخلاصة أن هناك جذورا اقتصادية وسياسية متقاربة للاعتراض الاجتماعي في البلدان المذكورة، وهناك شراكة ثقافية، سهلت انتشار عدوى الثورة في العديد من البلدان العربية.

2.    هل تعتقد أن من شأن تغير النظام أن يجعل سورية بلدا ديمقراطيا؟ وإن كان ردك بالإيجاب، ما القول في المثال المصري؟ فقد تمت الثورة هناك منذ عام، لكن الاضطراب مستمر ولا يزال الناس يحتجون في ميدان التحرير…

سيكون إفراطا في الأمل توقع ديمقراطية متماسكة في سورية قريبا، بعد 50 عاما من الحكم البعثي، و42 عاما من الطغيان الأسدي، ودون وجود طبقات اجتماعية قوية، ومع وجود انقسامات دينية ومذهبية ظاهرة، واقتصاد ضعيف الإنتاجية، ونخب سياسية متواضعة المستوى. ثوراتنا ديمقراطية بلا شك من حيث أن كتلا شعبية كبيرة شاركت فيها، وأنها قامت ضد الطغيان، وأن طابعها الأصلي سلمي، وأنها تتطلع إلى أوضاع أكثر حرية، وأنها تعي نفسها كثورات من أجل الديمقراطية. ومن جهتي أقدر أن الثورة في سورية ستفضي إلى أوضاع أكثر حرية وأكثر تعددية، وإلى فرص أكبر للنقاش الاجتماعي والسياسي والقانوني، لكن ديمقراطية مستقرة أمر أشد صعوبة. لا يكفي إسقاط النظام من أجل الديمقراطية، إذ ستخرج سورية من الحكم الأسدي مستنزفة ماديا ومنهكة معنويا وأخلاقيا، وستواجهها مهمات إعادة بناء جسيمة، وأولها إعادة بناء الدولة، والمصالحة الوطنية بين عناصر الشعب السوري. هذا يجعل البناء الديمقراطي جزءا من جدول أعمال وطني معقد.

رأيي أيضا أن أوضاع مصر الحالية أفضل بكثير من أيام مبارك من وجهة نظر مصالح الشعب المصري. فكري في الأمر على الأقل من زاوية أن الإسلاميين المهيمنين اليوم في النظام السياسي المصري يخسرون وضع الضحية، ويقعون أكثر وأكثر تحت المساءلة كحاكمين، ومن غير المحتمل أن يحققوا نجاحا مميزا في معالجة مشكلات مصر الاجتماعية والاقتصادية. فضلا عن فرص أكبر للنقاش العلني وحريات سياسية أكبر. إنه التاريخ وصخبه ومشكلاته، وليس “الأبد” وركوده وتعفنه.

 3.    في مقابلة لك عام 2005، قلت إن ” السيناريو الذي أفضله لا يتمثل في تغير كلي للنظام، بل بالأحرى ضغط خارجي موصول على النظام بما يؤدي إلى انخراط أعدادا أكبر من السوريين في النشاط العام. وكلما كانت أعدادهم أكبر كان مستقبل سورية أفضل”. هل ترى اليوم أن هذا السيناريو ممكن أم أن على الأسد أن يرحل حتما؟

كان الأمر مختلفا عام 2005. ما هدد النظام وقتها هو أساسا ضغوط خارجية، وكان المطلوب حينها أن تشارك قطاعات أوسع من السوريين في الاهتمام بالشأن العام، لضمان تحول سياسي أكثر تلبية لتطلعات السوريين. هناك مشكلة إذا سقط النظام بينما المجتمع السوري غير نشط سياسيا. الأمر مختلف تماما اليوم. لدينا ثورة، تشارك فيها بنشاط نسبة عالية من السوريين في مختلف مناطق البلد، وهي تدعو بوضوح تام إلى إسقاط النظام، بمن فيه الرئيس الوريث. وهو يجب أن يرحل بعد أن قتل 8280 من محكوميه حتى يوم 17/2/2012.

 4.    في مقابلة له في 7 ديسمبر 2011 قال الأسد: “…لم نقل أبدا إننا بلد ديمقراطي، لكننا لسنا كما كنا، نحن نمضي قدما في الإصلاحات، بخاصة في الشهور التسعة الأخيرة، لذلك أرى أننا نسير إلى الأمام، الأمر يستغرق وقتا، ويتطلب كثيرا من النضج من أجل أن نصير بلدا مكتمل الديمقراطية، لكننا نتحرك في ذلك الاتجاه. وبالنسبة لي كشخص فإن كل ما أفعله ينبغي أن يقوم على إرادة الشعب، لأننا نريد شرعية شعبية وهذا مضاد لدكتاتورية الفرد…”. يبدو أن الرئيس السوري بحاجة إلى بعض الوقت كي يبدأ الإصلاحات…وهو يطلب مزيد من الوقت… لماذا لا تريد المعارضة أن تعطيه فرصة أخرى؟

تتحدثين عن رجل كان يحكم البلد طوال 11 عاما قبل تفجر الثورة. ولطالما راوغ بخصوص أي إصلاح لنظامه، مرة كان يقول إن الأولوية للإصلاح الاقتصادي، ومرة للإصلاح الإداري، ومرة لأمن البلد. ولا أعرف مثالا واحد في التاريخ تحول فيه طاغية مغرور، محب للسلطة والمال مثل بشار الأسد، إلى حاكم ديمقراطي. قبل يومين نشر نص الدستور الذي يفترض أن يجري التصويت عليه يوم 26 شباط، وهو برهان جديد على التفكير المراوغ للنظام ورئيسه. الدستور يعطي بشار الأسد سلطة مطلقة لا تقل شيئا عن سلطته قبل هذا الدستور، ويمنحه فرصة الترشح من جديد للرئاسة بعد انتهاء ولايته الحالية عام 2014، ولا يوفر أية ضمانات لحقوق السوريين وحرياتهم. ويوم إعلان الدستور قتل نظام بشار الأسد عشرات السوريين، وكذلك بعده وبعده. وفي الدستور الجديد، والقديم أيضا، مادة تقرر أن الرئيس غير مسؤول عن كل ما يفعل في ممارسة منصبه إلا في حالة “الخيانة العظمى” التي يجب أن يقرر ارتكابه لها ثلث أعضاء برلمان موالي للسيد بشار الأسد. أي أنه غير مسؤول عن قتل السوريين، ولا عن إثراء أفراد عائليته على حسابهم، ولا عن وضع مصير البلد في مهب الريح.

ولا شي من “إصلاحات” بشار الأسد خلال 11 شهرا، ولا دستوره الجديد، يمس أدنى مساس بسلطته المطلقة ونفوذ عائلته وأجهزة أمنه الإرهابية المتمتعة بحصانة تامة. لا يعترف النظام بالوجود السياسي المستقل للسوريين، ويتعامل معهم بطريقة الحملات التأديبية الاستعمارية.

 5.    يتهم مناصرو الأسد المعارضون بكونها ألعوبة في أيدي الغرب؟ ما قولك في هذا الشأن؟

هذا ما قاله النظام على الدوام بحق جميع خصومه ومعارضيه. تفجرت الثورة في سورية دون أي دعم من أية جهات غربية، وقبل عام من اليوم كانت علاقات أميركا وفرنسا والدول الغربية الأخرى مع النظام تتحسن أكثر وأكثر، وكذلك مع الدول العربية كلها. ووقتها لم يكن أحد يتكلم على معارضين سوريين أو على الشعب السوري. الثورة السورية، و”الربيع العربي” عموما، فرض على القوى الدولية، في الغرب وتركيا، أن تعمل على بلورة سياسة جديدة أكثر اعترفا بمصالح شعوبنا وانفتاحا على المعارضة. لا ريب أن هذه القوى ستحاول أن تؤثر على المعارضة السورية باتجاه يخدم مصالحها. وقد تجد مروجين لها أيضا. هذه مشكلة سنواجهها في المستقبل القريب.

 6.    هل ترى من الممكن تكرار السيناريو الليبي في سورية

لا يبدو أن أحدا من السوريين أو من الدول الغربية أو العربية راغب في ذلك. لكن ربما نرى نسخة معدلة عن هذا السيناريو إذا عطل النظام فكرة الممرات الإنسانية واستمر في قتل محكوميه. الأمور تفلت باطراد من أيدي السوريين، وتتشكل أكثر وأكثر مسألة سورية مدولة، وليس هناك ضمانة لأن لا يأخذ التدويل شكلا عسكريا في أي وقت.

 7.    أرمينيا قلقة جدا بخصوص مستقبل ألوف الأرمن الذي يعيشون في سورية. إذا انتصرت الثورة، هل تعتقد أن الأرمن سيتعرضون لضغوط في سورية؟

ماذا يمكن أن يحصل للأرمن أو لغيرهم في سورية؟ ولماذا يمكن أن يتعرضوا لضغوط؟ هذا ليس واردا في تقديري. لا أحد يلوم الأرمن على أي شيء، ولم أسمع أحدا يأخذ عليهم شيئا. كان الأرمن هنا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ولقد احتضنهم السوريون وصاروا مكونا طبيعيا للمجتمع السوري، ولم يتعرض أي منهم في أي وقت لمشكلات أو لتمييز.

هذا رغم أنه لا يسعدني شخصيا أن أرى الأرمن السوريين يتصرفون منذ نحو جيل كالغرباء في البلد، ويعزلون أنفسهم عما يجري في وطنهم. هذا خطأ مؤسف.

 8.    المعارضة السورية مكونة من أطراف مختلفة، وهي تنشط خارج سورية. أليست عرضة لحالات سوء فهم؟ ومن من الأطراف تمثل أنت؟

باستثناء المعارضين الإسلاميين من حركة الإخوان المسلمين، كان معظم المعارضين السوريين يعيشون في بلدهم، ويتعرضون لمتاعب متنوعة داخله. لكن بعد الثورة خرج كثيرون، للأسف. في أكتوبر تشكل إطار معارض فضفاض اسمه المجلس الوطني السوري، يضم إسلاميين وعلمانيين وليبراليين، ويحظى بقدر من القبول في الداخل السوري. أداء المجلس متواضع ومحبط، لكنه الأوسع تمثيلا حتى اليوم والأشد قطيعة مع النظام. هناك تيارات أخرى لم تبلور هوية سياسية واضحة، وتضع نفسها في موقع الخصومة للمجلس الوطني والنظام معا، لكنها منشغلة البال أكثر بمواجهة التيار المعارض الآخر، المجلس الوطني. وهذا لا يستقيم في ظروف الثورة، وهو أقرب إلى تعطيل ذاتي. لكن هذه التيارات أقرب إلى تمثيل فئات مترددة، تحرص على الاستقرار، أو تتطلع إلى تغيير بأقل قدر من المشكلات الأمنية والاجتماعية والسياسية. استمرار النظام في القمع الواسع يضعف هذا التيارات ويمنعها من التماسك.

أنا لا أمثل أحدا. لست سياسيا، ولست منخرطا في أي إطار منظم. أعمل على مساندة الثورة بالكتابة أساسا، وبالاتصالات وتسهيل بعض الأمور.

 9.    لقد خانت تركيا نظام الأسد. وأنقرة التي تستضيف اليوم المعارضة السورية، قارنت الأسد، حليفها السابق، بسلوبودان ميلوسوفيتش… هل تثق المعارضة السورية فعلا بتركيا وتتطلع إلى دعمها؟

ليس هناك أي سبب في تقديري لسوء ظن خاص بتركيا. هي جار كبير ومهم، ويقدم مثالا طيبا على بلد إسلامي، دولته علمانية، ويوفر لسكانه قدرا طيبا من الحريات العامة قياسا لبلدنا ولأكثر البلدان العربية، ويحقق تطورا اقتصاديا لافتا، وتقوده نخبة حكم تعيش للسياسة ولا تعتاش منها (حسب تمييز ماكس فيبر)، خلافا لنخبة الحكم السورية. والمعارضة السورية ليست في وضع مريح بالقدر الذي يسبغ أي قدر من العقلانية على الإفراط في التشكك حيال تركيا.

بالمقابل ليس هناك أي سبب للوثوق بغيرية تركيا أو أي بلد آخر. لهذا البلد مصالح سياسية واستراتيجية واقتصادية لا تتوافق مع المصالح الوطنية السورية. المأمول من الثورة قيام حياة سياسية تولي نخبة الحكم فيها الأولوية لاستقلال البلد ورعاية المصالح الوطنية السورية، والتعامل بانفتاح واستقلالية مع القوى الإقليمية والدولية الأخرى.

 10.                       هل ستضفي الجامعة العربية الشرعية على ضرب من العمل العسكري ضد سورية في أي مستقبل قريب؟

هذا محتمل. وسيغدو مرجحا إذا فشلت فكرة الممرات الآمنة التي يبدو أنها أخذت تحظى بقدر من القبول الدولي. لكن الجامعة لا تستطيع فعل شيء كهذا إن لم تضمن سلفا قدرا من القبول الدولي به. ولا يبدو أن أحدا على الإطلاق راغب في ذلك. وحده إمعان النظام في الإجرام وانفلات الأمور في البلد قد يدفع دولا عربية وغربية إلى القيام بما يبدو أنها لا تريده. آخر المعلومات تفيد بتحليق طائرات استطلاع أميركية في الأجواء السورية. هذا تطور له ما بعده على الأرجح.

 11.                       لماذا تتحفظ روسيا على لقاء معارضين سوريين؟

الروس يريدون بقاء النظام مع تعديلات شكلية لا قيمة لها. وقد حصل أن التقوا بمعارضين سوريين في موسكو، لكن موقفهم الثابت مساند للنظام، ويعتبرون المعارضة هي المسؤولة عن العنف في البلد. هذا تزوير فظ للواقع. وأظن أن المحرك الأساسي لموقف روسيا هو بنية نظامها التي لا تكاد تختلف عن بينة النظام السوري من جهة، والشعور الروسي القديم بالإهانة من طرف الغرب، واستناح أي فرصة لنيل اعتراف أكبر ومكاسب أكبر من الغرب من جهة ثانية.

12.                       ماذا ستكون نتيجة إغلاق السفارة الأميركية في دمشق ومغادرة العديد من الدبلوماسيين الغربيين؟ وكيف لذلك أن يؤثر على الحكومة السورية؟ وما نوع الآثار التي ستخلفها العقوبات الاقتصادية على البلد؟

أعتقد أن له تأثيرا متناقضا. من جهة هو يزيد من عزلة النظام ومن نزع شرعيته الدولية، وقد كانت مهمة له دوما، ومن جهة ثانية يدفعه أكثر إلى الوقوع في أحضان إيران وروسيا، وإلى التصرف باستماتة ووحشية. سحب السفراء لا قيمة له بحد ذاته إن لم يكن عنصرا في استراتيجية واضحة موجهة نحو سقوط النظام في وقت قريب.

هذا ينطبق على العقوبات الاقتصادية أيضا. فهي تؤثر بقدر على النظام، لكنها تؤثر أكثر على الشعب، وهي عكسية النتائج إن لم تندرج بدورها في جهد منظم لإسقاط النظام في وقت قريب. في الوقت الراهن تعوض إيران والعراق وروسيا والصين موارد النظام المتراجعة، لكن لا شيء يعوض الشعب السوري غير السقوط القريب للنظام. كلما طال بقاء النظام، صارت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية والسياسية أصعب بكثير، وأعصى على الإصلاح بعد سقوطه.

 13.                       ما هي خطط القاعدة في سورية بعد أن وجه أيمن الظاهري كلمة إلى الشعب السوري، يحث فيها المسلمين على القتال إلى جانب إخوتهم السوريين من أجل الحرية والتحرير، وضد النظام ألأسد السرطاني والمغرق في الطائفية. “…لا تزال سورية الجريحة تنزف كل يوم، والجزار (الأسد) لما يرتدع أو يتوقف…” يشتبه كثيرون في وجود روابط بين المعارضة السورية والقاعدة… ما قولك؟

القاعدة منظمة انتهازية، ومعزولة دوليا وعربيا، وهي تبحث عن فرص لإثبات أنها لا تزال قادرة على إسماع كلمتها. لكن موقفها في الشأن السوري غريب. فهي لم ترحب في وقت مبكر بالثورة السورية على نحو ما رحبت بالثورات التونسية والمصرية وغيرها. كلام الظواهري هو أول تعليق منه على الثورة السورية، ويبدو لي مريبا وأقرب إلى تلبية حاجة النظام إلى تصديق سردية مواجهته لتهديد إرهابي، منه إلى المساندة المزعومة لكفاح الشعب السوري. وهناك معلومات عن إفراج السلطات السورية في الشهر الأول من هذا العام عن القيادي في القاعدة مصطفى ست مريم نصار (أبو مصعب السوري) الذي كانت استلمته من الحكومة الأميركية. هذا غريب على النظام السوري، ومثير لكثير من الريبة.

أظن الثورات العربية هي في وجه منها رد على نهج منظمة القاعدة، وخروج من أطرها الفكرية والسياسية والنفسية العنفية والضيقة. القاعدة نتاج مريض لتفسخ سياسي وديني في مجتمعاتنا؛ ولعبث أجهزة المخابرات الدولية، الأميركية والعربية والباكستانية، دور مهم في نشوئها. أما الثورات فهي الوجه المعافى لمجتمعاتنا، وقد شارك فيها أجيال متنوعة، ومسلمون وغير مسلمين، ورجال ونساء، وطابعها العام سلمي ومدني. الحرية قيمة أساسية في الثورات، بينما الثأر هي القيمة المحركة لتنظيم القاعدة.

وأنا أجزم أنه ليس لأي معارضين سوريين علاقة بالقاعدة. هل من المحتمل وجود أفراد مرتبطين بالقاعدة فكرا أو تنظيما؟ هذا وارد. لكن قد يكون من شأن تطاول الزمن بالثورة، ومضي النظام في عنفه الإرهابي أن يغير هذا الوضع، وربما ينشر مزاجا “قاعديا” في الأوساط الأكثر تدينا في الثورة السورية. هذا مناسب للنظام كثيرا.

 14.                       ماذا يشبه أن يقضي المرء 16 عاما في السجن السوري؟ ولماذا سجنت؟

أقرب شيء إلى العيش في حضن اليأس إلى أمد لا تعرف متى ينتهي. حالة فقدان تام للسيطرة على المصير والوقوع في قبضة المجهول. لقد قضيت 11 عاما وأربعة أشهر دون تهمة أو محاكمة، ما كان يعني عمليا الحرمان من الحق في معرفة المصير. وحين أنهيت 15 عاما من الاعتقال لم يكتف النظام بعدم الإفراج عني، ولكن حُوّلت مع آخرين إلى سجن تدمر الرهيب لأقضى فيه عاما إضافيا. ومن أبشع خصائص هذا النظام أيضا أنه لم يكن يفرج عن السجناء الذين يستسلمون له ويقبلون بكل شروطه المهينة للخروج من السجن. كان حافظ الأسد محاربا خسيسا، لا يعترف لخصومه حتى بالحق في الاستسلام.

لكن تجربة السجن كانت في المحصلة تجربة انعتاق لي، تحررت فيها عبر الصراع مع شروط حياة السجن وعبر التعلم من الزملاء والكتب تحررت من سجون وتقييدات أخرى .

كنت وقت اعتقالي طالبا جامعيا في التاسعة عشرة، وعضوا في مجموعة شيوعية معارضة للنظام وعاملة من اجل تغيير ديمقراطي في البلد.

 15.                       هل لك أن تصف الحياة اليومية في دمشق في هذه الأيام؟ هل صحيح أن الناس يخافون الخروج إلى الشوارع؟

في قلب العاصمة تبدو الحياة طبيعية نهارا. لكن المرء يشعر بظل المراقبة الثقيل يبسط وجوده في الشارع. في الليل الحركة أضعف بكثير من المعتاد. وعموما يحاول أكثر الناس تقليل الخروج من بيوتهم، إن لم يكونوا مضطرين. الأحياء الميسورة تبدو خارج الثورة، وتعيش حياة أقرب إلى الطبيعية. لكن أفرادا منها يسهمون في النشاط الاحتجاجي، ويساعد أفراد أيضا في تمويل بعض أنشطة الثورة. أما خارج الأحياء المركزية فالنشاط الاحتجاجي متفاوت، وهناك دائما حي هو الأنشط من غيره في الاحتجاج، الميدان في وقت مبكر، ثم برزة، ثم اليوم المزة، وغالبا أيضا القابون والقدم والحجر الأسود، فضلا عن نشاط متقطع في ركن الدين وقدسيا. يمكن القول إن دمشق العميقة أو الأحياء الأقدم والأكثر تعرضا للتهميش سياسيا واقتصاديا فهي بؤر مستمرة للثورة، وإن لم يكن الاحتجاج يوميا فيها. أما ضواحي دمشق مثل دوما وحرستا والمعضمية والمليحة وغيرها فكانت في ثورة مستمرة، لكنها تعرضت للاحتلال العسكري مؤخرا.

16.                       من فضلك، هل يمكن أن تتنبأ بموعد حلول السلام في الشرق الأوسط؟

ليس قريبا. هناك إعادة تشكل سياسية ونفسية في المنطقة ستأخذ وقتا قبل أن تستقر على أسس جديدة. وهناك طبقات من المشكلات لا تكفي معالجة بعضها لمعالجة بعضها الآخر. أولها النظم السياسية الاستثنائية التي تعترض عليها الثورات العربية. لكن هناك المشكلة العربية الإسرائيلية المزمنة، وهذه لا حل لها دون الاعتراف بالفلسطينيين كشعب وله كيانه السياسي المستقل والسيد. كانت إسرائيل على الدوام عامل تعفن وحليفا للاستبداد في العالم العربي.

موقع ميديا ماكس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...