الرئيسية / صفحات الثقافة / سورية الآن : لا خضوع لا ركوع لا رجوع

سورية الآن : لا خضوع لا ركوع لا رجوع


محمد كتيلة

من وراء بوابات الليل الواطئة نهضوا، من سهول الجنوب وروابيه، من وسط العتمة وأقبية الظلام… من شرق الحكايات الأولى، من هبوب الرمال في الشمال، من جباه الجبال ونوافذ البحر المشرعة على الريح، من الروابي  والتلال، من غروب الدنيا على مطارحهم وسوء الأحوال والطالع… من خلف سياجات الرعب … من قيعان المدن،  من الأرياف والبيوت الطينية المسجونة داخل العتبات … تآمروا على خوفهم وخضوعهم الطويل، خانوا صمتهم وذلهم، إلتفوا حول سخونة أجسادهم واندسوا بين الجموع التي هبت وتعرت من الخوف، تعاهدوا على العصيان، تآخوا مع الموت، وعلى مرأى من الله وأنظار السابلة  شرقاً وغرباً، أقسموا بإسم الشهداء والدم : لا خضوع لا ركوع لا رجوع.

 من أعماقهم المهجورة المسيجة بألف حصار وحصارهبوا، على العسكر والشبيحة الأرذال وبكل عنفوان .. تحدوا البواريد والقصف الهائج المتواصل على البيوت والأرواح النائمة على جراحاتها وفقدها،  تلفتوا حولهم في مدى الوطن الذبيح فما وجدوا غيرهم…من وجوههم الغاضبة خرجوا وقرروا ألا يعودوا إلى ديارهم ومدنهم وقراهم خائبين خاسرين… حملوا على أكفهم البيضاء المسالمة جراحات البلاد وعذاباتها، فانكشفوا على آخرهم لمطر الرصاص، فما خافوا وما إرتعدوا، ومع الوقت والموت صاروا أشد صلابة وأكثر شجاعة، صاروا هم البلاد، توحدوا وساروا إلى ساحاتهم المعفرة بدمهم، تداخلوا في عري أجسادهم المكشوفة للطلقات، تحولوا بقدراتهم الجبارة المتقشفة إلى صرخة واحدة  تدِّوي في أرجاء البلاد،  حملوا أكفانهم وتقدموا بصوتهم الجهوري الصادق، الملائكي البرئ، يهتفون بإسم الحرية، بإسم الوطن والشعب الواحد الواعد الصامد… هدروا كالأمواج، صهلوا بعرق الطفولة المحتضنة زرقة أحلامها وآمالهاالموشحة بالرماد  وستائر الظلمة المعربشة على الذاكرة وتاريخ الوطن الذبيح..

وليكن الحصار كل الحصار، وليكن الموت بعد كل هذا المقت والصمت والفجور، ولا المذلة والإنحطاط… فالحياة كل الحياة لا بد أنها ستكون أجمل بعد قليل من الصبر والأناة، وصورة البلاد ستكون أرقى وأنظف وأنقى وأطهر بعد أن يختفي وكلاء الدمار والخراب عن الأنظار، ومن كافة الأزقة والشوارع والساحات العامة… من المدارس والكنائس والجوامع، من المطارات والموانئ، من أسواق الخضار، من الخبز والقهوة والشاي، من الملح والسكر، من الحدائق، من الضفاف والشواطئ، من الملاعب وأراجيح الأطفال، من الكتب والأغاني، من الأناشيد والأهازيج، من الألات الموسيقية، من الرقص والدبكات، من الهواء والماء والضوء والوضوء والصلاة… وليكن ما يكن وما يفعلون بالوطن وما يبطشون، فهذه بلادك وأنفاسك مبثوثة في ترابها وجذورها وعرقك مجبول في وردها وقمحها وإسمك منقوش على أحجارها وصخورها ويلمع على أنهارها وينابيعها…وقدرك منذ بدء التاريخ ومنذ تكونتَ وكنتَ أن تدافع وحدك عنها وعن كرامتها ومستقبلها، فأنت الآن أقوى أمام عري السلطة الباذخ : لكل جسد يتخطى عتبة البيت ورصيف الروح والقلب دبابة، ولكل هتاف من أجل الحرية زخات من الرصاص، وصليات محمومة من فوهات دبابات ومروحيات ومدافع، تلاحقك وتراقب وقتك وزمنك وحركة البيوت والشوارع، مرتعبة خائفة منك ومن ظلالك … أنت الآن أصلب من السنديان، وأقرب إلى شرفات الشمس، والفجر فجرك، ولك وحدك، لا شريك لك إلا من هو منك ومعك، ووحدك من يتذكر لا غيرك، ما الذي كانوا يفعلونه في البلاد خلال نصف قرن من القمع والإضطهاد، يوم طاردوك وعلقوا في رقبتك الأجراس، ويوم أخذوك رهينة واغتالوا الوطن…أنظر إليهم الآن، إلى ضعفهم وخزيهم وتأكد مما تراه، خروجك على صمتك أنزلهم من عليائهم، من عروشهم والأبراج، من مراكز أمنهم وأوكار قصورهم، فصاروا إلى ما هم عليه الآن، وما أنت في عيونهم التي جحظت وأجفلت سوى مارد عملاق يرفرف بأجنحة الحرية في سماورات البلاد، فاستعانوا بثكنات الجيش وما فيها من ذخائر حية ودروع واقية وآليات ومعادن ومصفحات وأدخنة سامة … أنت الآن أقوى وأكثر بأساً وأقوى، تأملهم جيداً وتملى كيف يترنحون ويعربدون من حولك، في المدن وفي كل زاوية وشارع، وكيف يتخبطون ويتساقطون، وكيف يجرون خيباتهم و يندحرون…لم يعد في وسعهم الإختباء في الشعارات  الهاربة من اللغة والتي إنكسرت إطاراتها المذهبة وذابت وتبخرت من شدة أنفاسك الحارة، ها هم أوضح الآن مما كان يغشي عيونك، يقتلونك وفي وضح النهار، بالرصاص الذي دفعت ثمنه من رغيف يومك، يحاصرونك ويحاصرون قوتك ونومك وأحلامك بالدبابات التي كان لها أن تحمي جلدك ولحمك وأطفالك وعرضك من أطماع الأجنبي الذي تشهى وما زال يشتهي بلادك، تفرغوا لك من كثرة الخوف منك ومن أيامك المكللة بالمجد والغار ، دفعوا بفرق الجيش وأطقمها لحصارك وحصار حليب أطفالك ورغيف طعامك وأشجارك وعرضك … وهذا أول الغيث وأول المطر  وبداية الإنتصار، وخير برهان على قوتك ونتيجة لرباطة جأشك وصحة أناشيدك وكلامك المرفوع في سماء الوطن لمن لا وطن لهم ولا ضمير، لمن هم مهزلة … جندوا هذه الأرتال من أشباه المثقفين وما يسمون بالفنانين المتحذلقين، الدمى الكرتونية البلهاء التي لا تتحرك ولا تعمل ولا تنام ولا تأكل وتشرب إلا حسب إشارات المسدس المصوب على خوفهم ورعبهم وجبنهم، هؤلاء المندسون في اللغة الكاذبة، ومن هم مثلهم تماماً ممن يغتالونك برطانة اللغة ذاتها والإدعاءات وفبركة المشهد الدموي بالإفتراءات اليوميةً وفي كل لحظة موت وبعد كل مذبحة، ومن يستبيحون جسدك الممزق المرهق الملقى في الشوارع والساحات، ومن يسخرون من صوتك ودمك … عما قريب سينبلج الفجر الجديد وبفضل صمودك الأسطوري سيهوي العرش الزائف، فلا تمهل ولاتغفر وما تبقى إلا القليل القليل.

كاتب فلسطيني يقيم في كندا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...