الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبحي حديدي / سورية بعد ‘جمعة الشهداء’: الثابت هو الاستبداد والمتحول ضئيل

سورية بعد ‘جمعة الشهداء’: الثابت هو الاستبداد والمتحول ضئيل

 


صبحي حديدي
في نصّ مطبوع، بعنوان “بيان دوما لمطالب الشعب السوري”، موجّه إلى “السيد رئيس الجمهورية العربية السورية”، يدعو أبناء البلدة بشار الأسد إلى “وقفة تأملية” حول أحداث يوم الجمعة الماضي، 1/4/2011، التي يعرض البيان بعض تفاصيلها على النحو التالي: “قامت مجموعة من الشباب في منطقة دوما بالتجمهر أمام الجامع الكبير للسير في مظاهرة مطلبية سلمية أسوة بالمظاهرة السلمية التي حدثت يوم 25/3/2011. وبمجرد خروج الناس من الجامع قامت أعداد كبيرة من الأمن بزيّ مدني ويحملون الهراوات والعصيّ الكهربائية والخشبية بمهاجمة جميع الناس في بهو الجامع ودرج الجامع واقتحام حرم الجامع على المصلّين. وعلى أثر ذلك تعالت صيحات الشباب: حرّية! حرّية!”. ويتابع البيان: “بعدها انهالت كافة العناصر الأمنية بالضرب المبرح على الرؤوس خاصة، وسمع المواطنون عناصر الأمن يكررون “لسّه ما مات” أثناء ضرب أكثر من خمسة عناصر أمن لكلّ شخص، وبعدها قاموا باعتقال جميع المصابين من جراء الضرب في باصات مجهزة بالقرب من الجامع، واقتادوهم إلى جهات غير معروفة. وبعدها ثارت جموع الناس على الأمن وبدأوا بترديد هتافات الحرية، وبدأ الأمن برشق المتظاهرين بقنابل غاز غير معروفة، وحدث من جراء ذلك حالات اختناق كثيرة، علماً أن أعداد حفظ النظام مع عناصر الأمن بالزي المدني حوالي ثلاثة آلاف عنصر، مع وجود قناصة من عناصر الأمن على أسطح الأبنية المحيطة بالجامع، وقد اشتكى لاحقاً عدد من الناس من صعود عناصر الأمن (القناصة) على أسطح منازلهم عنوة”. وفي فقرة تالية: “مع تصاعد الشدة في قمع المتظاهرين بالغاز والضرب قام المتظاهرون برشق عناصر الأمن بالحجارة، وعلى أثر ذلك قابلت عناصر الأمن الحجارة بالرصاص الحي والعشوائي والكلمات النابية، مما أدى إلى تفريق المتظاهرين بالرصاص. وبعدها قام عناصر الأمن بتمشيط الحارات وشوارع البلدة مع اطلاق الراص الحي رشاً ودراكاً، مع السبّ والشتم لجميع الأهالي بأقذع الكلمات، ورشّ المباني بالرصاص مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء الوطنيين والجرحى وبعض الأطفال في الشوارع، علماً أنّ بعض الشهداء استُشهدوا برصاص الأمن أثناء إسعاف الجرحى والمصابين، كحالة الشهيد ياسر أبو عيشة أثناء إسعافه لأحد المصابين على باب مشفى اليمان الخاصة، وكذلك في شارع خديجة بنت خويلد لا تزال آثار دماء الشهيد ابراهيم المبيض موجودة على الطريق بعد جرّه وهو مصاب من زاوية الطريق ولمسافة تقدّر بمئة متر وإطلاق النار عليه”. ويوضح البيان أنّ هذه الممارسات ادّت إلى “شحن نفوس الأهالي في مدينة دوما ضدّ الأمن جراء سفك الدماء على الطرقات، ومن جراء خطف الجرحى والشهداء من المشافي إلى جهات غير معروفة، والتعرّض للطواقم الطبية المسعفة من المشافي الخاصة، وتمّ تدمير قسم الإستقبال في مشفى حمدان، وضرب واعتقال أحد الأطباء (…) وجاء الإعلام الرسمي بادعاءات باطلة بوجود عصابات مسلحة تروّع المواطنين في دوما خلافاً لما شاهده جميع أهالي دوما بوجود قوّات ورشاشات “ب ك س” جاءت من جهة تجمهر رجال الأمن، واطلاق الرصاص من نفس الجهة”. هذه الوقائع (وهي أهوال نازية بامتياز، وحشية همجية، وجرائم حرب صريحة العناصر)، جرى توثيقها في أشرطة فيديو، وصارت متوفرة على الإنترنت، في عشرات المواقع، وهي تواصل البرهنة على مقدار انحطاط أساليب النظام في مواجهة الإنتفاضة الشعبية، من جانب أوّل؛ وعلى حسّ المقاومة العالي، وإرادة الصمود، ومعاهدة الشهداء على الوفاء، وسواها من مظاهر ارتقاء طرائق الإنتفاضة، من جانب ثانٍ مكمّل للصورة ذاتها. وهذه الوقائع، سيّما تفصيل القنّاصة (حيث انتقل النظام من خيار اغتيال المتظاهرين، إلى اغتيال بعض رجال الشرطة أيضاً، لتثبيت نظرية “العصابات” والمندسّين”)، تُكمل خيار إطلاق وحوش “الشبّيحة” في شوارع اللاذقية، وارتكاب أبشع الجرائم على نحو مباشر مكشوف، ودونما حاجة إلى قنص من الأسطحة! التطوّر الثاني في انحطاط ردود النظام على اشتداد الإنتفاضة، وبعد اتضاح مطالب الشعب السياسية التي تسعى إلى تغيير جوهري في حياة البلاد، وتخصّ الوطن بأسره وليس محافظة بعينها، لجأت السلطة إلى ابتذال جديد لهذه المطالب. وهكذا جرى استرضاء الشرائح الشعبية المتدينة (وهو، في الواقع، استرضاء للشارع السنّي تحديداً)، عن طريق إجراءات منافقة مفضوحة، بقدر ما هي قاصرة وسطحية، مثل إعادة المنقبات إلى سلك التعليم، بعد أن أُبعدوا عنه قبل أشهر؛ وإغلاق كازينو القمار، بعد أشهر قليلة على منحه الترخيص بالعمل؛ وتقديم مشروع فضائية سورية دينية، هدية خالصة إلى الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، طليعة أبواق النظام في صفوف مشايخ النفاق، لم يكن هو نفسه ينتظرها… فهل كان قرار النظام السابق حول المنقبات خاطئاً في الأصل، إذاً، والتراجع عنه اليوم فضيلة؟ أم كان صائباً ساعتئذ، لكنّ التراجع عنه ليس سوى نقيض الفضيلة، أي رذيلة الإضطرار إلى تقديم ‘رشوة’، هابطة رخيصة، وكأنّ معضلة الشارع الشعبي السنّي هي هذه؟ وضمن المنطق ذاته، هل كان التصريح لكازينو القمار بمثابة خطوة موازية، ‘حداثية’ و’عَوْلمية’، تكمل قرار قمع المنقبّات بما يشبه علاج المجتمع بالصدمات؟ أم كان محض قرار ريعي يخدم بيوتات الفساد والنهب المحلية، وينشّط طرازاً في السياحة النخبوية له أغراض أخرى أشدّ وضاعة من آفة القمار؟ وما الذي يمكن للفضائية الدينية أن تضيف إلى ما يفعله، صباح مساء، أمثال البوطي (الذي حكم على المتظاهرين بجريمة ‘انتعال مساجد’ يجب أن تكون مكرّسة للصلاة والعبادة فقط)؛ أو المفتي العام أحمد بدر حسون (الشيخ الدكتور، الذي اتهم المتظاهرين بالضلوع في مؤامرة لتمزيق سورية، وكان صاحب الإفتراض السخيف الشهير: ‘لو طلب منّي نبّينا محمد أن أكفر بالمسيحية أو باليهودية، لكفرت بمحمد’)؟ التطوّر الثالث في انحطاط أنماط ‘الوقاية’، التي يؤمن النظام أنها كفيلة بالحدّ من انتشار الإنتفاضة جغرافياً، وتجذّر المطالب الشعبية سياسياً، تمثّل في تلك الدعوة المفاجئة، السخية تماماً وعلى غير العادة، لعدد من ‘الفعاليات الاجتماعية’ في محافظة الحسكة، للاجتماع مع بشار الأسد شخصياً، والوقوف منهم على حاجات أبناء المحافظة! والحال أنّ الأسد الابن يستأنف، هنا، تقليداً كان الأسد الأب مولعاً به، لأسباب شتى لم تقتصر على التغذية الديماغوجية لأعراف عبادة الفرد؛ إذْ كان التقليد يغذّي، أيضاً، الخلافات المناطقية على نحو يجعلها لا تلتقي وتتلاقى في النهاية إلا عند ‘الرئيس القائد’، ذي الصدر الرحب الكريم.

تبقى سلسلة تساؤلات بسيطة تقلب هذا السحر الإنحطاطي على الساحر نفسه، فيضحك منها الصغير قبل الكبير، ولا تنطلي حتى على رهط أعتى المنافقين المشاركين في وفود المحافظات؛ بينها مثلاً: هل يحتاج الأسد إلى لقاءات مباشرة مع ‘الفعاليات’، لكي يكتشف حاجات الناس؟ وما الذي تفعله أجهزته الأمنية، إذاً، ومعها فروع وشُعَب ذلك ‘الحزب القائد للدولة والمجتمع’، بموجب الدستور؟ وما الذي تعنيه مفردة ‘فعاليات اجتماعية’ في الأساس، وهل هؤلاء طبقة خاصة فوق تصنيفات المواطنة؟ وإذا كانوا، كما تشير لوائح أسمائهم، شيوخ عشائر وقبائل بصفة عامة (وقريباً، أغلب الظنّ، شيوخ طوائف!)، فمنذ متى كان الأسد يشجّع العشائرية والمناطقية؟ ثمّ أين ذهبت مزاعم الحرص على الوحدة الوطنية، إذا كانت السلطة تستقبل اليوم بعض وجهاء الأكراد، صحبة بعض شيوخ عشائر البدو، وكانت قد سلّحت ـ عن سابق عمد، وتخطيط خبيث ـ بعض عناصر البدو ضدّ الأكراد، كما سعت إلى استمالة بعض القيادات السياسية الكردية ضدّ أبناء جلدتهم؟

من جانب آخر، يتناسى الأسد أنّ نظامه كان مسؤولاً عن نزوح قرابة 1,3 مليون مواطن من أبناء منطقة الجزيرة السورية والشمال الشرقي عموماً، إلى مخيمات بائسة نُصبت على تخوم العاصمة السورية، بعد أن تكفل الفساد وسوء الإدارة والسياسات الزراعية الحكومية حول الريّ بمياه الصرف الصحي، ورداءة الأسمدة، وتخبط برامج استصلاح الأراضي (وليس الجفاف وحده، كما تتذرّع السلطة) بتدهور 59 بالمئة من الأراضي التي كانت صالحة للزراعة، ونفوق 85 بالمئة من الماشية، وانخفض إنتاج القمح قرابة 800 ألف طن خلال ثلاث سنوات فقط. عادل سفر، وزير الزراعة آنذاك، والمسؤول الأوّل عن هذه الحال المأساوية، كوفىء اليوم بتكليفه تشكيل الوزارة الجديدة التي ستقود الإصلاحات! أمّا الصحافي الشاب عامر مطر، الذي نظّم مع عدد من زميلاته وزملائه حملة شجاعة لتقديم الهدايا إلى أطفال مخيمات النزوح، وإرسال متطوعات ومتطوعين لتعليم التلاميذ الذين فقدوا مقاعد الدرس، كوفىء اليوم على النحو الذي تتقنه السلطة كلّ الإتقان: الإعتقال التعسفي!

وهكذا، قابل النظام ‘جمعة الشهداء’ بمزيج من القنص والإحراق، تتبعه سياسات النفاق والشقاق، وما بين هذه وتلك جرعة تجميل هنا، وتسريب خبر عن دنوّ الإصلاحات هناك، فلا يسمع المواطن إلا جعجعة دون طحن. على سبيل المثال، ‘يفلت’ بين حين وآخر تصريح للقاضي تيسير القلا عواد، النائب العام للجمهورية ورئيس لجنة التحقيق القضائية الخاصة بأحداث درعا واللاذقية، يفيد أنّ ‘اللجنة حيادية ومستقلة ولا علاقة لها بأية تحقيقات أخرى’، وأنّ ‘المخطىء سيحاسب وفق القوانين’، و’لن يكون هناك فرق بين أي مواطن، سواء أكان عادياً أم في مهمة رسمية’! تخيّلوا حال السيد القاضي حين سيُقال له إنّ الآمر بإطلاق النار ليس سوى العميد عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (ابن خالة الرئاسة)؛ أو العميد ماهر الأسد، قائد الحرس الجمهوري (شقيق الرئاسة، والرجل الثاني الأقوى اليوم في معمار النظام)؟ ألا يستدرّ النائب العامّ، والحال هذه، الشفقة… كلّ الشفقة؟

ساعة تحرير هذه السطور كان الأسد يواصل خيارات المزج ذاتها، فتنتشر مفارز نظامه الأمنية في المدن والبلدات والقرى استعداداً للجمعة الثالثة، وتمارس المزيد من أعمال الإعتقال والتنكيل ومداهمة البيوت ومصادرة الهواتف النقالة والكومبيوترات، فضلاً عن تفعيل الإجراء الخطير المتمثل في تشكيل لجان شعبية لحماية المساجد؛ وفي الآن ذاته تعلن التلفزة السورية أنّ الأسد منح الجنسية للأكراد، كما أعفى محافظ حمص من مهامه! والحال أنّ جماهير الكرد تدرك أنّ أيّ مطلب حقّ تناله اليوم من السلطة هو نتاج نضالات طويلة خاضتها، منفردة أو متحالفة مع قوى المعارضة الوطنية والديمقراطية، طيلة عقود؛ وأنّ الكرد طلاّب حرّية لا جنسية، كما قالت هتافاتهم في مظاهرات الأسبوع الماضي؛ وأنّ النظام لا يتنازل اليوم إلا تحت ضغط الإنتفاضة الشعبية، التي تخصّ حقوق مكوّنات الشعب السوري، الاجتماعية والإثنية والدينية والطائفية، جميعها.

وأمّا قرار إقالة محافظ حمص، فهو الدليل على أنّ الأسد لم يقرأ، أو أساء تماماً قراءة، الأجزاء التالية من بيان دوما، والتي قالت بوضوح إنّ مطالب البلدة ليست محلية أبداً، بل وطنية شاملة متكاملة. الثابت هو الإستبداد، إذاً، والمتحوّل ضئيل هزيل بائس؛ ولا يستقيم منطق سليم بين هذَيْن الأقصيَيْن إلا بانكسار القطب الأوّل، إزاء ضرورة انعتاق الثاني.

 

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...