الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أحمد عمر / سورية بين دينين/ أحمد عمر

سورية بين دينين/ أحمد عمر

 

 

 

تسلق راعٍ – وكل الأنبياء كانوا رعاة وليس كل الرعاة أنبياء-  منصب الرئاسة في سورية، كنيته الوحش حسب باتريك سيل. خرج من القرداحة طالبا فقيرا، فملازما طيارا، فنقيبا، فوزيرا للدفاع  إلى أن صار سيدا للوطن ومالكا لرقاب شعبه، ولاعبا إقليميا بشعب ممنوع من اللعب سوى بريموت التلفزيون. هيفا وهبي، بعد صعود الراعي الجنرال، تحولت من فتاة إعلانات معكرونة إلى النجمة الأولى للإثارة الإقليمية، ما لبث “الكاد فاذر”  أن سمّى سورية الأسد باسمه إعلاميا لا رسميا، في سورية الأسد كان  المتن الإعلامي أقوى من النص الرسمي، الدستور الرسمي لم يكن شيئا مذكورا. بنى الترمينتور سورية بناء لا يشبه مملكة على الأرض، وإن بحثت عن  آثار كتاب الأمير في عمارته لطوائف الشعب في لوحة الفسيفساء السورية، فستجد فيها حجر سنمار  الذي بنى قصر الخورنق للنعمان، وستجد حجر الفلاسفة الذي عثر عليه الأسد  وحوّل به الشعب الذهب إلى خُشب مسندة، الأغلب أنه بنى سورية على شاكلة “مملكة السماء”.  هذه هي أركان دين الترمينتور:

ركن التوحيد الأول: الأسد لا شريك له،  هو القائد الرمز، جمهوري ويورِّث ويزداد شبابا، ليس له صور عائلية سوى واحدة، لا يأكل، أو لم نره يأكل،  أمريكا وروسيا تطعمانه وتسقيانه، لم نره يلبس زياً غير الرسمي، لا يضع قدما على قدم، فهي علامة التعب البشرية، القدمان على رأس الشعب ، صوره تقريبا ثابتة، وإلى الأبد، لا يهرم تقريبا ، مدفون و مقبور لكنه حي مثل المسيح الحي، لقبه الرفيق البعثي، ثم صار ضيقاً عليه، فخلع على نفسه  لقب سيد الوطن ، ليس له رفيق سوى نفسه، لا ينوب عنه واحد فهو كبير، وإنما ثلاثة نواب، وثلاثة رقم مقدس، لعله  اقتبسه من الثالوث المسيحي المقدس،  والثلاثة: نائب مات كجندي مجهول، والثاني يقضي أوقانا سعيدة في منتجع  الإقامة الجبرية ، الأول مات وليس له نائب ينوب عنه!

النائب الوحيد كان الأخ ، فزميلاه كومبارس، أو بودليران له، بديلان،  صفع  النائب الأخ  النائب  الأول ترتيبا في هذا المقال ، أمام حاشيته وأهله، كما يصفع معلم تلميذا مشاغبا، وحاول الانقلاب على الأخ الأكبر، فأخفق، فطلب الديّة عن هفوته الصغيرة، فأخذ ثروة سورية كلها من البنك المركزي  وتقاسما سورية، النائب الأساس والوحيد، والرئيس: فيفتي فيفتي، المال لي، والشعب لك. من نواب الرئيس الحاليين نتذكر أن أحدهم  أنثى، كريمة من كرائم الشام في أرذل العمر، النساء في ديارنا ضلع قاصر.

ركن الصلاة: تأتي مواعيد الصلاة مع نشرة الأخبار بمناسك: استقبل وودّع الخاشعة، وأحيانا ثمة صلوات جماعية  للاستسقاء السياسي، والأعياد الوطنية وصلاة جنازة الشعب : يوعز الرئيس بمسيرات جماعية عفوية  شاملة، يتخللها الرقص والدبك العفويان، فلا بد من شعائر وأدعية  وبرقيات تهنئة  عفوية لا يقرؤها الرئيس العفوي.

ركن الصوم: حسبان  السوري الذي عاش في ظل الأسد الناري أنه عاش في معبد سورية متبتلا عابدا زاهدا مكتفيا “بربطة الخبز” الأسمر المجدور بعد انتظار طويل  يصلح لاستقبال غودو على سجاد أحمر، وميرة التموين، صائما عن متع الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والرياضة والجري في الحدائق، وتربية البط…  ومحروما من النعم التي عاش فيها إخوانه الآدميون في العالم، متجها في المساء إلى محراب التلفزيون الذي أدرك  سدنة معبد الابن الوريث السلالي أهميته العبادية والدينية،  فملأه بالأبطال الفاتحين أمثال ابن الوهاج والرجل الشجاع أيمن زيدان ، وجودة وأسعد اللذين أنسيا الشعب  مرارة الهزيمة والجولان المحتل والقدس والنيدو الذي رضعه من ثدي عقب رفعت شتاينبك الحديدية. وبانتظار مدفع الإفطار .. فانتصار الثورة عضة كوساية،  الحياة كلها عضة كوساية أو كوبراية.

كان الدين ناقصا فاكتال باستشهاد ابن الرئيس في حادث سير عفوي،  فخلع عليه شعب التلفزيون لقب سيد الشهداء، وصارت القرداحة كعبة مدورة تهوى إليه أفئدة الشعب من كل فجٍّ عميق،  بما فيها بعض شعب لبنان العفوي، جاءت تلك الطقوس هبة إلهية لاستكمال أركان الدين القيم، لمن استطاع إليه سبيلا.  وكل موظف حكومي كان يستطيع السبيل إلى الحج، فسيارات الدولة الغنيمة كانت للسياحة والتشفيط وللحج والعمرة إلى القراداحة العفوية..  وحجا مبرورا ونفاقا مشكورا.

أما ركن  الزكاة، فالدولة  تجبيه جبايةً، ضرائب وأتاوات ورشا. الرشوة كانت زيت الدولة، وملح الوطن المِعطاء المِئخاذ،  ثمة صدقات للمواطن يزكّي بها نفسه، تقرير، وشاية، هتاف في مسيرة… والحسنة بربطة خبز أو بجرة غاز عفوية.

أهم ركن في هذا العمران الغيبي، هو ركن التوحيد، الشرك أكبر الكبائر. السوريون يخافون الآن من شركين: شرك  بالرئيس وشرك بالخليفة.  سمّى الرئيس نفسه بالقائد الرمز،  يؤكد  عبد الوهاب المسري أنه لا رموز في الإسلام، وإنما هو المجاز، فالمجاز تجاوز، أما الرمز فوثنية.

لكل دين جنة ونار، النعيم والجحيم، فردوس البيض السوريين ،اسمهم في أمريكا “الواسب”   يعني ” وايت انكلوساكسون بروتستانت” ،أما في سورية فاسمهم عدس، قد يكون الاختصار ظالما، لكن هذا اسمه لدى الأكثرية، فردوس الأقليات له سلم ومراتب،  أما نعيم الأكثرية فهو الأمن والاستقرار، وإلا  كان الجحيم: تدمر وسجنها هي سقر النظام،  وما أدراك ما سقر،  وقد دمرتها داعش، إتلافا للأدلة أو خوفا من الشرك بالخليفة أ و بالرئيس. تتلوها السجون الأخرى العفوية، أما معتقلات فروع المخابرات فهي الويل والسعير والحطمة، لظى، …

سُرَّ الرئيس جيكل الأسد بظهور قرينه  المستر هايد الشرير، المستر  داعش ، المتمركز مثله حول الأنثى،  فينيزم بالمقلوب، وهاهو ذا ينال الحظوة لدى القوتين العظميين روسيا وأمريكا،  الامبريالية الرأسمالية والامبريالية الشيوعية .الذيل عضو مهم من أعضاء الكلب  ولعله أحد الأعضاء المهمة للحمار.

في  ركن الرقابة:  شبّهَ النظام نفسه بملك السماء والأرض عزّ وجلَّ، فاستخدم في حكمه عشرات الآلاف من ملائكة المخابرات الزبانية، غلاظ شداد. اختار الترمينتور ملائكته اللئام الكاتبين الزبانية من الصفوة العصبية الطائفية العفوية، ليس لهم صور على التلفزيون، وهم ليسوا جنسا بشريا، بل وحوش، يقتلون حتى أهلهم وإخوانهم، يفعلون مايؤمرون،  وفوق ما يؤمرون، بالترفيه عن النفس للمزاج والكيف ومعالجة أمراض التاريخ النفسية بالتعذيب العفوي. في التقوى : إن أكرمكم عند الرئيس أشقاكم.

لم  يسبق لنظام  أو رئيس في التاريخ أن عاش في بحبوحة رضى آلهة  الشرعية في أولمبي البيت الأبيض والكرملين، يقدّم القرابين من أبناء شعبه عفوا، ويكافح الإرهاب عفوا،  ويفتح الشوارع في أفئدة الرعية الأسيرة عفوا.  صار بطلا البارحة في نشرة إخبارية ألمانية، وفي تصريح لأوباما لأنه حرّر زنوبيا تدمر وكأنها قرية ألمانية. و من نكد الدنيا أن جون كيري مصاب بعمى الألوان ولا يستطيع التفريق بين الجماعاتِ الإرهابية وقواتِ المعارضةِ المعتدلة. أضاف كيري العفوي  “إن مدينة َحلب أصبحت معقلا لجبهة ِالنصرة.”  حسب النشرة الألمانية:  الأسد يسمح للنساء بحرية  كشف الوجه، بل والساقين وبعض النحر أيضا. داعش أفضل مسحوق غسيل، يزيل البقع والجرائم والدهون. صارت براميله النووية توصف “بالأعمال العدائية” الجميلة. لم يعد قتل خمسين شخصا خبرا. كأنه أسطورة وحش نيس،شبه أسطورة، لا يصدقها أحد ،خبرٌ منسيٌ ، للتسلية في الكلمات المتقاطعة.

ليس أحلى من التمركز حول الأنثى، هات “معولك” واتبعني و “اكيتو بريخو” يا رفيق النكاح و السِفاح.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...