الرئيسية / كتاب الانتفاضة / خولة دنيا / سورية تعيش لحظتها التاريخية المنتظرة

سورية تعيش لحظتها التاريخية المنتظرة

 

 


خولة دنيا

لحظة انتظرناها جميعاً منذ عشرات السنين، وحتى نكون منصفين، فالجميع انتظروها، شعباً ونظاماً، الشعب انتظر’انزياح’كابوس القمع والأمن والفساد’ من’فوق رأسه.. والنظام لا بد أدرك أن هذه اللحظة آتية إن’عاجلاً أم آجلاً.

فكيف سنتجاوزها بأقل الخسائر الممكنة؟

سأتحدث عن الشعب السوري، ليس لأن النظام لا يعنيني، بالعكس يعنيني كثيراً، فهو’على ما يبدو يعيش اللحظة وقد أعد العدة لها وتهيأ لها أكثر بكثير مما كنا نعتقد أو مما هيأنا أنفسنا نحن..

من الواضح أن النظام السوري وعلى مدار العقود الأربعة الماضية كان من القوة بحيث أوصل سورية وشعبها إلى حالة من العزوف عن السياسة، تجلت خلال العقدين الماضيين بالصمت المطبق من ناحية الناس، وبأصوات تم اعتقالها بعدما اتفق على تسميته بربيع دمشق، من استلام بشار الأسد للسلطة بعد أبيه.. وعلى الرغم من محاولات كهول السياسة إعادة الروح إلى جسد الشعب للاهتمام بالشأن العام، إلا أن هذه المحاولات بقيت مقتصرة على عدد محدود من السياسيين السابقين والمثقفين. كانت الثورات العربية هي عودة للروح في جسد السياسة السورية، غير انها اقتصرت على الاهتمام بشؤون البلدان التي طالتها من دون التفكير بأنها ستنتقل إلينا.

وبصراحة أقولها لم أتوقع أن تنتقل إلى بلادنا، على الرغم من التوقعات بحدوث ذلك، وذلك لمعرفتي بحالة اللامبالاة والابتعاد التي يعاني منها الشعب السوري وخصوصاً الشباب منه. ولكن يبدو أن النظام كانت لديه حسابات من نوع مختلف.

هذا النظام الذي دأب منذ بداية الألفية الجديدة وضمن ما يسمى بإصلاح الاقتصاد، على تكريس سيطرة مجموعة قليلة من رموزه على مقدرات البلد وثرواته، فرأينا تغول مجموعة من الأسماء أبرزها رامي مخلوف، ذلك الفلتة الاقتصادية الذي امتلك البلد إلا قليلاً ترك لإرضاء ما تبقى من الموالين الصادقين.

مع هذا التغول الكبير.. كان لا بد من أجهزة أمنية قوية بقيت تقوم بدورها على أكمل وجه على مختلف مسمياتها.. فكانت تقمع أي فكر مخالف وفي أي مجال كان.. سواء كان اقتصاديا أم سياسيا، أم حقوقيا.. وكانت النتيجة مزيداً من الاعتقالات النخبوية على عكس ما رأيناه في الثمانينات من قمع شامل ومعمم لكافة شرائح المجتمع.

هذا النظام ومع بدء حركة التغيير في العالم العربي يبدو أنه كان يعد العدة لأي تحرك مماثل في سورية.. وعلى الرغم من الاطمئنانات التي حاول الرئيس تصديرها للخارج حول أن سورية آمنة من التغيير، وأن الشعب السوري غير مهيأ بعد للديمقراطية (حسب اللقاءات معه مع الجرائد الأجنبية)، إلا أن ما حدث على الأرض يكشف مدى خوف النظام من هذا التغيير.. فقام بالضرب فوراً في درعا، على الرغم من اتفاق جهات كثيرة على أنه كان بالإمكان احتواء الوضع بأقل الخسائر الممكنة.. حتى في مراحل متقدمة مما حدث في درعا.

وكأن النظام كان قد أعد خطة متكاملة للتعامل مع الأحداث، وكأن القمع العنيف والمباشر سوف يسكت أي محاولات للتغيير، أو لخروج الناس إلى الشارع.. إلا أن الرقي الذي لاحظناه في تعامل الناس في درعا والشعارات التي رفعت في درعا ودوما، زادت من تخوف النظام والجهات الأمنية، حيث أعطت نتائج معاكسة لما كان مطلوبا منها، فبدلاً من السكوت تزايدت الأصوات المنددة بالقمع والقتل.

ويبدو أن خط الرجعة الذي وضعه الجهاز الأمني للخروج سالماً من قمعه وقتله للناس، لم يجد نفعاً. خط الرجعة هذا متمثلاً في رمي التهم جزافاً على ما يسمى بالمندسين أو العصابات المسلحة القاتلة.

وبقيت الأيدي تشير إلى أجهزة النظام، لمعرفتها التامة بما يحدث على الأرض.. هذه الاشارات التي انتشرت في مناطق الاحتجاج الأخرى.. فمن الواضح للجميع من يقوم بالقتل.. وإن تغير الشكل الذي يأخذه أو اللبوس الذي يلبسه..

فرأينا دوما تشييع جثامين شهداء جدد.. وانتقلت الاحتجاجات فجأة إلى الساحل السوري بمكوناته المتعددة والمختلطة والممزوجة في النسيج الاجتماعي للمنطقة.. وهذه المرة كانت مترافقة مع ما يسمى بالفتنة وخطة بندر بن سلطان.. والحريري وخدام..

ولا أنكر أن الكثير من الناس انطلت عليهم كذبة المؤامرة، خصوصاً مع تزايد الاحتجاجات والقتل المرافق لها.

الساحل له خصوصية في ميزان النظام السوري.. فهو يعتبره منطقته الخاصة التي يجب أن لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها أو الخوض في مشاكلها المتزايدة مع الفلتان الذي عاشته هذه المنطقة بسبب ما يسمى الشبيحة، والشبيحة هذه الظاهرة القديمة في الساحل، التي عانت منها جميع الأطراف، بسبب تسلطهم وتجمعهم في عصابات تكسب المال من ترهيب الناس والعمل في تجارة المخدرات والسلاح والتهريب عبر الحدود، هذه العصابات التي يترأسها رموز من عائلة الأسد وأتباعهم المستفيدين من قربهم منها، والذين لا يجرؤ أحد على الخوض معهم في أي خلاف يمكن أن تكون نتيجته الموت أو الاعاقة أو النفي، فلا مجال أمام الجميع سوى الصمت.

هؤلاء الشبيحة الذين يتعاملون على أن المنطقة منطقتهم وألا أحد يجب أن يجسر على مخالفتهم أو مخالفة النظام القائم، لأن أي مس بالنظام وأي تغيير في طبيعته أو القائم عليه، سيكون ثمنه عليهم كبيراً..

لذلك كانت استماتتهم لإيقاف أي محاولة احتجاج من أي جهة كانت، فقاوموا الاحتجاجات بالاستعراضات المسلحة وإطلاق الرصاص وترهيب من يقوم به.. والقتل كذلك.. ومن المشاهد الغريبة أن الجيش أو الشرطة يبتعدون ليفسحوا مجالاً لهؤلاء عند حضورهم.. فالساحة ساحتهم والقضية تعنيهم بشكل مباشر فهي قضية حياة أو موت بالنسبة لهم.. فدفعت أموال كثيرة لكسب ضعيفي النفوس من مختلف الفئات إلى جانبهم.. وأكثر من ذلك دفعت أموال لإيجاد أصوات بين المتظاهرين تتيح المجال لفتح النار عليهم..

إذن قامت السلطة بالعمل على محاور عديدة:

القمع المباشر والعنيف لأي حركة احتجاج مهما كان الثمن الذي يتم دفعه.

استخدام الأساليب غير المباشرة في القمع.. مثل عناصر الأمن بملابس مدنية، وموالين ينزلون الى المظاهرات ويضربون الناس ويخونوهم.

الشبيحة والامتيازات التي يتمتعون بها ونشرهم بعد معرفة جدواهم في المدن كافة، وباستعراضات للقوة لا يخفى المغزى من ورائها.. فترك المتظاهرين لقمع هؤلاء الذين يضربون بسيف النظام نفسه.

التركيز الاعلامي المتعمد والمكثف لغسل ادمغة الناس لأكثر من هدف: 1ـ للابتعاد عن القنوات الفضائية الأخرى (خاصة مع منع أي قنوات من تغطية الأحداث الجارية في سورية واحتكارها من قبل إعلام السلطة ومن يجاريها من مثل قناة الدنيا). 2ـ تكريس موضوع الفتنة في الوجدان الشعبي السوري والتخوف من أي مستقبل للتغيير في سورية، فأصبح السوري أمام خيارين (السلطة القائمة مع الأمن الذي تحققه أو الفتنة الطائفية). 3ـ الابتعاد عن الواقع والحقائق على الأرض.. فدأب الإعلام على تسويق صورته الوحيدة للأحداث، كما دأب على تفنيد وتكذيب كل ما يصدر عن غيره.. كما دأب على تكريس فكرة المندسين والعصابات المسلحة. 4 ـ نقل كل ما يؤجج الروح الطائفية ويغذيها ويساهم في الفتة فعلاً لا قولاً (ولقد لاحظنا هذا البارحة بالذات حيث غطى التلفزيون ولساعات طويلة استشهاد ضابط من حمص مع ولديه وابن أخيه بطريقة فظيعة وهم من طائفة معينة، بينما مات المئات في درعا ودوما وبانياس وحمص واللاذقية، من دون أي نقل لموتهم أو طريقة سقوطهم أو الجهات التي قامت بذلك)..

وفي حمص المدينة المختلطة بأحيائها وناسها تم اللعب على هذا المحور منذ البداية، حمص المدينة الوسطى في سورية والمعروفة بمدينة المحبة والظرافة والناس الدمثين، حمص الواقعة في الوسط بين دمشق وحلب وكأنها طريق العبور الاجباري بين الجنوب والشمال وبين الغرب والشرق. في حمص ومنذ البداية انتشر ما يسمى بالعصابات المسلحة تروع السكان وتجوب الحارات وتطلق الرصاص ليلاً ونهاراً في الأحياء كافة.. هذه العصابات التي لم يقم الأمن المعروف بقوته بإلقاء القبض عليها، ما يرسل الكثير من إشارات الاستفهام والتعجب..

ومازالت حمص تعيش على وقع هذه العصابات وهذه الفتنة حتى البارحة كذلك، حيث تم استبدال العصابات المسلحة والمندسين بما يسمى بالسلفية الجهادية، فجاء هذا التصنيف الجديد بعد مظاهرات حمص الدامية والاعتصام الذي قام في ساحة المدينة الرئيسية. جاء ليرهب أي مشارك في المظاهرات وليصم المظاهرات بوصمة جديدة تبرر تفرقتها بأقسى السبل.

فالنظام حاول من جهة عزل فئة كبيرة من الشعب السوري بسبب الخوف أو قيام الفتنة، أو بسبب الولاء العفوي أو الولاء الذي تم شراؤه.. ومن جهة أخرى قام بضرب الرافضين للانعزال بكل الوسائل أيضاً (الأمن.. الشرطة، الجيش، الشبيحة.. وحتى الأهالي أنفسهم الموالين والرافضين لما يسمى الفتنة أو المقتنعين برواية السلطة إن بقناعة كاملة أو كمن يريد التصديق لأنه لا يريد تصديق البديل المرعب الذي روجت له السلطة على مدار الأسابيع الماضي).

ما تلوح بوادره الآن هو الانشقاق في المجتمع السوري، انشقاق يجب تلافيه درءاً للأسوأ، وهو ما يجب أن تعمل عليه المعارضة والمثقفون معا.. وكذلك فئات الشعب المطالبة بالتغيير.

فهل الأمل مازال موجوداً لمثل إمكانية كهذه؟

عانت الأحزاب في سورية من قمع شديد على مدار العقود الماضية.. غير ان هذا لن يعفيها الآن من القيام بدورها، كما عانى المثقفون السوريون من دفع ضريبة كبيرة بسبب مواقفهم.. وهذا كذلك لا يمكن أن يعفيهم من القيام بدورهم في هذه اللحظة التاريخية.

يتمثل هذا الدور في إعادة اللحمة والثقة بين فئات الشعب كل من موقعه ومكانه.

لقد كان الشعب السوري في كثير من الأماكن على قدر الثقة، فلم نر أي شعارات طائفية أو سلوكات مسيئة، ولكن هل هذا سيستمر في المدن الأخرى؟

هذا ما بات الخوف منه الآن هاجساً لنا جميعاً.. هذا ما بات العمل عليه ضرورة وطنية بامتياز..

ولكن ما اعتبره الأكثر أهمية في كل الحديث السابق هو الحديث عن لحظة سورية بامتياز..

نعم لحظة انتظرناها طويلاً ومجيئها الآن قد يكون ضمانة للأطراف كافة من مجيئها في أي وقت آخر..

فالروح الوطنية التي شاهدناها في تونس ومصر ألقت بظلالها على الساحة السورية..

ولأول مرة منذ زمن بعيد نرى وحدة الشعارات، ووطنيتها في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب..

روح شملت الكثير من أبناء سورية الراغبين بالتغيير، وبأن المستهدف ليس طائفة معينة أو جهة معينة كما كان يتم تداوله سابقها، لا المستهدف هو نظام مستفيد بكل مكوناته، مقابل شعب مغيب ومنهوب بكل فئاته..

ولأول مرة نرى نوعاً من التمييز بين الحاكم والطائفة التي جاء منها.. وهذا إنجاز كبير للساحة السورية يجب أن لا يتم تفويته.. فقد لا يكون كذلك في أي لحظة للتغيير قادمة ولابد.

‘ كاتبة سورية

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...