الرئيسية / صفحات سورية / سورية دم واحد ومعارضة تصطف

سورية دم واحد ومعارضة تصطف


غسان المفلح

لاخوف على الانتفاضة لا من السلاح ولا من الدين ولا من الطائفية, الخوف على الانتفاضة السورية من ثلاثة أمور: أولا الموقف الدولي والإقليمي والعربي, ثانيا مواقف المعارضة السورية التقليدية والجديدة وبعض فعاليات الأقليات في سورية ولبنان, وثالثا قدرة النظام مستفيدا من هذين العاملين على تحويل مجريات الحدث التحرري السوري, نحو تعفن سياسي مزمن ودموي ذات بعد انتقامي حاقد.

الموقف الدولي يمكن تلخيصه ببساطة أنه ينوس بين الموقف التركي والموقف الإسرائيلي. هذا النوسان يمنع صدور قرار من مجلس الأمن الدولي, يحيل القتلة إلى محكمة الجنايات الدولية. أما الصوت الروسي فهو صوت يستطيع الغرب فيما لو أراد شراءه في اي لحظة. الموقف التركي يريد بقاء آل الأسد مع اصلاحات ذات بعد جدي, وهذا الموقف يشكل فيما يشكل سقفا إسرائيليا لكن الموقف الإسرائيلي بدأ يأخذ منحى مختلفا لمعرفته  وطبيعة موقعه, وهو أن يساعد النظام في تعفين الوضع السياسي السوري ولو إلى حين, إسرائيل الآن في وضع من يعد العدة لمابعد أنظمة الاستبداد, ولكن لهذه المابعد رؤية إسرائيلية وتختلف مع الموقف التركي ويجري اختبارها الآن في مصر إذا نحن أمام خطر نجاح الموقف الإسرائيلي. وما يساعد هذا الموقف هو العامل الثاني وهو مواقف المعارضة السورية, وتشرذمها, هذا التشرذم الذي أراه طبيعيا إلى حد ما بحكم أن اي ثورة كالثورة السورية, تعيد فرز المواقف السياسية والأيديولوجية من جديد, ولكن ما يجري الآن على الأرض مختلف بحكم التشابك بين إعادة تموضع لهذه المعارضة مع الموقف الدولي والإقليمي ومع طرفين جديدين في المعارضة” الأول هو من أتوا إلى المعارضة حديثا في الخارج من فعاليات سورية كان قسما منها حتى وقت قريب ممن يساهمون في تلميع صورة النظام في بلدان مهجرهم, والقسم الثاني هم شباب الثورة وتشكيلاتهم الميدانية وافتقارهم للقدرة على الدخول بمماحكات المعارضة ومثقفيها, وبذلك يخلق شيئا من عدم الثقة بالنفس في أنهم بحاجة إلى هذه المعارضة الهزيلة, بالمعنى السياسي والشعبي. وهنا يرفع الجناح الدولي المساند لبشار الأسد قضية البديل في وجوهنا, هنا يتضح أن الطرف الأكثر استفادة من هذه الوضعية هم جماعة الإخوان المسلمين في الخارج ومن يدور في فلكهم لأن لديهم مؤسسة تعمل, وهي رغم قوتها في الخارج إلا أنها ضعيفة جدا في الداخل, ولهذا تتلطى أكثرية من كانوا مع النظام حتى بدء الثورة, تحت عباءة الإخوان في الخارج, رغم أنهم ليسوا “اخوانا”!! وهنا أعرج على مؤتمر العلمانيين الذي عقد في باريس في 17 الشهر الجاري من أجل تشكيل طرف علماني مؤسسي, فهل هم قادرون على ذلك? وهل سيجدون الدعم من قوى المجتمع الدولي? وهل سيجد إعلانهم هذا صدى لهم في الداخل السوري? أسئلة أتمنى ان يجيبوا عليها, وعدم حضوري لهذا اللقاء رغم الدعوة التي وجهت لي تتعلق بأنني لا أرى في هذا الوقت بالذات موجبا لمثل هذا التصنيف الصلب. بين علماني وغير علماني. لكونه تصنيفا لا يخدم الثورة كما أزعم. لكن انعقاده يشير إلى أن هناك قوى غير تيار الإسلام السياسي. وهذه ربما إيجابية تحسب للشباب في باريس.

وأما عن مؤتمر التنسيق الذي عقد في التاريخ نفسه في دمشق, والمتمحور حول ما يمكننا تسميته بالتيار القومي والتيار اليساري التقليدي, ربما باستثناء حزب الشعب المنضوي تحت إعلان دمشق. أعتقد ان هذا المؤتمر له غاية واحدة وحيدة, وهي تعطيل أي عمل من شأنه أن يستدعي تدخلا دوليا. لا اظن أن هناك غاية أخرى بالمحصلة من هذا اللقاء, ولهذا سمح به النظام!! وأنا لا اتحدث عن نوايا الأفراد كأفراد ولا أشكك بوطنية احد منهم, ولست بهذا الموقع, أنا اتحدث عن نتيجة سياسية مباشرة كما أراها لهذا الحدث السياسي المحدد, مؤتمر في دمشق تحت أعين رجال القتل لشعبنا. وهنا أيضا لايحق لنا نحن المقيمون في الخارج المزايدة عليهم هناك, لكننا يمكن أن نقرأ الأمور بعين أخرى. عسى أن تخلق قراءتنا نوعا من التفاعل الذي يمكن له أن يكون خصبا ولا يخدم أجندة النظام. واتمنى أن تكون رؤيتي إلى هذا الأمر خاطئة. وأعتقد أن لقاء الدوحة التشاوري الذي عقد بدعوة من الدكتور عزمي بشارة, هو مكمل لهذا المؤتمر الدمشقي, لكنه لم ينجح في كسب تيارات أخرى لهيئة التنسيق ومؤتمرها هذا.

كنت ولاأزال أرى أن من الطبيعي أن نجد في أية معارضة أطراف ترى الحل بالحوار مع النظام, ولها مبرراتها سواء اقتنع بها بعضنا أم لم يقتنع, لكنني من الصعب علي أن اتقبل أن يكون هؤلاء هم بنراسا للوطنية, في تعاملهم مع الآخرين من أطياف المعارضة الأخرى وغالبا هذا ما يحصل ولو تتبعنا خطابهم واتهاماتهم. مع ذلك أتمنى لهذا المؤتمر النجاح وان يكون جزء من التمثيل السياسي للمعارضة, وليس قائدا للمعارضة أو أن بقية المعارضة خائنة وطنيا! خصوصاً ان هناك أسماء مشاركة لايمكن لنا إلا أن نثمن دورها الديمقراطي على المستوى الوطني ومن دون ذكر للأسماء.

ثم قبل يومين من تاريخ انعقاد هذا المؤتمر في دمشق تم الإعلان في اسطنبول عن تشكيل مجلس وطني من الخارج والداخل, ورغم انني وضحت موقفي من هذا المجلس في مقالة” مجلس اسطنبول السوري الوطني” إلا أنني كنت ولا زلت أتمنى على التيار الإسلامي وبخاصة الأصدقاء في الإخوان المسلمين, ألا يعوضوا ضعف حضورهم في الداخل بتغول للسيطرة على كل هيئات المعارضة في الخارج, هذه نقطة ضعف يجب أن يتم تلافيها في حال تمت الخطوة اللاحقة في توسيع المجلس الوطني أو في أسماء أعضاءه من الداخل, ولكوني متابعا ارى أن على الإخوان أن يحذوا حذو أخوانهم في مصر, لكن حتى اللحظة الشباب مصرون على أن يكون لهم في كل عرس مؤتمري القرص الأكبر سواء بشكل مباشر عبر تعيين ممثليهم أو عبر الالتفاف تحت حجة مستقلين. فهل يعيد مجلس اسطنبول الوطني السوري حساباته لتلافي هذا الأمر? وكما قلت يجب أن يكون هذا المجلس بؤرة تنظيم وتجمع لا بؤرة شقاق, وهذه مسؤوليتهم الآن وبخاصة الشباب الذين هم أعضاء في المجلس ومن خارج التيار الاسلامي أو المنفتحون من التيار نفسه. وهنا اود الاشارة إلى نقطة خلافية مع آخرين وهي أن الإخوان ليسوا ممثلا دينيا للسنة, ولا ممثلا سياسيا, هم حزب سياسي سوري يمثل أعضاءه وقاعدته الشعبية فقط, وهذا التمييز ضروري لمن يرفعون هذا البعبع بوجه الثورة السورية. وأعتقد أنهم قطعوا مسافة لابأس بها نحو تبني أيديولوجية مدنية والتخلص من فضاء التقية والخروج ببرنامج على المستوى الوطني السوري. لكن الخطر لايزال كامناً أيضا في انعكاس خلافاتهم الداخلية بين تياراتهم على الوضع المعارض السوري في الخارج. ولهذه القصة شجون وفنون.

هذه اللوحة الناقصة إنما وضعتها هنا لكي أقول نحن الآن نمر في مرحلة إعادة هيكلة للمعارضة السورية كلها, فماذا ينتج عنها إن تأخرت? هنا يضاف كفضاء سلبي لهذه الموضعة على ماذكرته وهو الخوف على الانتفاضة, ويعزز الوضع الدولي الرافض للتدخل لحماية المدنيين حتى اللحظة, ويساهم في مساعدة النظام على تزمين الوضع الدموي القاتل لشبابنا في الداخل.

يضاف إلى كل هذا أيضا وجود تيار مثقفاتي عربي يدعي العلمانية تارة والممانعة تارة اخرى, وله امتدادات متعددة داخل سورية ومعارضتها لايزال بالعمق مسانداً لهذا النظام.

استمرار إعادة التموضع هذا يمكن ان يساعد النظام كما قلنا في الوصول إلى مبتغاه وهو” تزمين القتل, ومن دون أن يجد من يردعه عن ذلك, لاسيما ان الانتفاضة رغم دعوات التسلح هنا وهناك, لاتزال وستبقى ترفض مثل هذه الدعوات, لاعتبارات عديدة لسنا بصددها الآن. ولاتزال الانتفاضة رغم لجوءها إلى الله في طلب العون, إنما هذا قطعا لا يعبر عن حضور الديني في هذه الانتفاضة, كمسيطر على السياسة.

وعلى من يرى إمكانية الحوار مع النظام ان ينتبه لقضية بسيطة: القوانين لاتصيغ الأشخاص, ولا فائدة منها من دون قوة تحميها, وإنما الأشخاص هم من يصغون القوانين وبخاصة, إذ بدا بالتجربة وبالملموس أن هؤلاء الأشخاص لا يؤمنون بالقانون أصلا, واقصد شخوص النظام الحالي.

تزمين الوضع يعني” استمرار القتل والاعتقال والسبي والنهب مما عرفته سورية من ممارسات هذا النظام” فهل يمكن الاستمرار في الحديث عن رفض طلب حماية المدنيين? أليس رفض هذا المطلب هو خدمة للنظام, أليس من الأجدى على المعارضة وكتابها ومثقفيها ومجالسها تبيان الفارق للناس بين طلب التدخل العسكري وبين طلب حماية المدنيين, الأول يتم من أجل المساعدة على إسقاط النظام وهو مرفوض في هذا الجو الدولي, بينما الثاني يحمي المدنيين من دون أن يتدخل في إسقاط النظام. واعتقد التركيز على مطلب حماية المدنيين امر ممكن لأن القوى الدولية قادرة على اصدار مثل هذا القرار لو رات أن هناك وحدة مطلب لدى كل المعارضة السورية, قال لي أحد شباب الثورة من حمص” لماذا يعتقل  شباب التظاهر ولا تعتقل غالبية رموز المعارضة فقط يعتقل من يشارك بالتظاهرات? اجبته وفق قناعاتي لكنه لم يقتنع!

الخوف على الانتفاضة هو من قدرة هذا التواطؤ الدولي, مع إعادة هيكلة المعارضة كما قلنا مضافا إليه امتلاك النظام لأسلحة تعمل وفق شريعة الغاب ومن دون أي حس وطني أو إنساني, يمكن ان يكون مصدر تزمين القتل وبالتالي هذا هو الخوف الوحيد على الانتفاضة السورية.

اما بالنسبة الى المسألة الطائفية إن الخطر فقط ليس من جهة الثورة والشعب بل من استمرار محاولة النظام والمتواطئين معه, من افتعال احداث طائفية, تعطي مردودا لاستمرار التواطؤ الدولي, ولكن لا توجد جهة طائفية تساعد النظام واتباعه من الأقليات على التورط في هذا الافتعال. والتسلح أمر أعتقد انه ثانوي…رغم كل الدعوات من هنا وهناك.

ودعوني أقول ببساطة أن الحل يكمن في شعار الأغنية الحوارنية” عاشت سورية ويسقط بشار الأسد” وترجمته ثورة ودعما لها ومعارضة ونشاطا.

كاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...