الرئيسية / صفحات سورية / سورية على طريق الدولة الفاشلة

سورية على طريق الدولة الفاشلة

 

د. نور الله السيّد

لا تزال القوى المتصارعة على الأرض السورية، مباشرة أو لا، غير قادرة على حسم الصراع في أي اتجاه. ومع الزمن تُخلق أوضاع تفيد في التمزق والاهتراء على كل الصعد لتتحول سورية إلى دولة فاشلة. وإن تأكد ذلك في الأشهر القليلة القادمة فستدفع الدول المجاورة، بلا استثناء، فواتير باهظة الثمن وكذلك السوريون المقيمون في بلدهم.

فالوضع الداخلي اليوم محكوم بالفوضى. فسلطة الدولة تراجعت كثيراً حتى في المناطق التي يُفترض أنها تسيطر عليها. الأسعار مثلاً تحدد بحسب المكان والزمان من المثل إلى الضعف. الخطف في تزايد، حتى خطف الموظفين مقابل مبالغ زهيدة. السرقات والسطو بلا تدخل من قبل الأمن.

هيبة الدولة أصبحت في الحضيض واختزلت إلى ما يمكن للمخابرات أن تتمتع به حتى الآن من إمكانية توقيف الناس واحتجازهم أثناء المداهمات. نسبة لا بأس بها من الموظفين لا تأتي لمكتبها لممارسة عملها لأسباب مختلفة منها التعذّر ومنها عدم الاكتراث. تحرك رجال الدولة، الرئيس وضباطه، تتم بسرية عالية للغاية تزيد من التوتر والقلق بفلتان البلد. خطاب الأوبرا أذيع يوم الأحد ولكنه سُجل يوم الجمعة.

هناك أزمات تموينية حادة في الخبز والوقود. في بعض المناطق أخذ الناس بقطع الأشجار للتدفئة دون أي تدخل من الدولة في مناطق كان محرماً فيها تربية الماعز حتى لا تؤثر على نمو الحراج! يصعب التنقل داخل سورية وداخل المدن نفسها. الانتقال من أي ضاحية في دمشق إلى مركزها قد يستغرق خمس ساعات بين ذهاب وإياب. الحنق واضح في وجوه الناس وتعب الجهد والإجهاد بعد سنتين من المعاناة المستمرة، ولكنها لا تزال تتكيف مع الأوضاع المتدهورة دون ـأن يبلغ ضيقها حد الانسياق في عصيان مدني إذ لا تزال آلة القتل منفلتة من كل عقال.

وفي المناطق التي لا تسيطر عليها الدولة يعود الأمر فيها إلى الكتيبة المسلحة صاحبة السلطة. وهذه المناطق تعاني عموماً من مشاكل جمّة وعلى كافة الصعد ولا تعرف إلى أين المنتهى. ناهيك عن قصف الجيش السوري لها كلما أتيحت له الفرصة.

الوضع الميداني، الجيش ليس بقادر على حسم الأمور حتى على مستوى مناطق صغيرة. فداريا مثلاً التي يحاصرها الجيش منذ أكثر من ستين يوماً لم يستطع حتى الساعة من السيطرة عليها بالرغم من قصفها الشديد في الأسبوعين الأخيرين وحتى لحظة كتابة هذه السطور بما يجعل أبواب البيوت ونوافذها تهتز على بعد أكثر من عشرة كيلومترات. وكذلك الأمر في باقي بلدات الريف الدمشقي. الوضع أسوأ في باقي المناطق وخاصة في الشمال السوري.

مبادرة النظام نسيها الناس، وهي بالأصل لم تثر عموماً أي حماس سوى لدى أصدقاء النظام الخارجيين خصوصاً. وغير ذلك لا يمكن البناء عليها أو انتظار أية نتيجة ملموسة يمكن أن تقود إلى ما يمكن أن يقبله السوريون. فهي قادمة من نظام اعتمد الحل الأمني منذ البداية ولا يمكن لأي كان أن يُصدق أن النظام قد غيّر جلده وأن الغول قد أصبح غزالاً.

في الوضع الميداني أيضاً، الجيش الحر بكتائبه العديدة، المتباينة الآراء والمشارب، وتسليحه المتواضع القائم على ما يكسبه من الجيش النظامي، لن يستطيع أن يصل إلى دحر الجيش النظامي، أقله في الأمد القريب، طالما أن الآخر يسيطر على السماء. ولا تخضع كتائبه لقيادة موحدة، وقد فشلت محاولات كثيرة بخصوص التوحيد أخلّت بمصداقية الجيش الحر وتركت انطباعاً بأنه يتحرك بلا استراتيجية توصله إلى النصر. فهو، بالرغم من تحقيقه انتصارات هنا وهناك ومن كل مايبديه من بطولة، لم يستطع حتى الآن كسب معارك، يقول عنها إنها حاسمة، مضى وقت طويل على بدئها. الجيش النظامي لا يزال في مستودعاته الكثير من القوة النارية التي يقاتل فيها عن بعد حتى يقلل من خسائره البشرية ويواجهه الجيش الحر ببسالته. ومن ثم فلا هذا ولا ذاك بقادرين على حسم المعركة.

كثير من كتائب الجيش الحر، بسلفيتها المعلنة أو إسلامويتها المعروفة، تثير لدى الناس تخوفاً من أن المستقبل لن يكون بأحسن من الحاضر وبأن الناس ستعاني منها بقدر ما تعانيه حالياً وربما أكثر. وهذه الكتائب، كونها خارجية التمويل ولا تعاني نقصاً من شيء، تجذب إليها أعداداً متزايدة ممن يلتحقون بالمعارضة المسلحة وهذا ما يزيد من وزنها على الأرض ويزيد من قلق الناس ولكن دون أن يكسب النظام شيئاً من ذلك.

أما المعارضة السياسية، الداخلية والخارجية، فلا وزن لها يذكر في الداخل ولا حاضن شعبي. فهي لم تولد من رحم الثورة. انصرفت الناس عن المجلس الوطني وهي في طريقها للانصراف عن الإتلاف. أما هيئة التنسيق فهي بالكاد معروفة في الداخل. معظم المعارضين يعيشون في الخارج، ولم يقوموا بأي مبادرة للانتقال إلى الداخل وقيادة الثورة فعلياً فبقوا ظاهرة صوتية. ولم تتقدم كل هذه المعارضات بمبادرات سياسية لحل الأزمة السورية، وربما ليس لديها مبادرات لكسر الانسداد. ولكنها تكتفي بالرفض والشجب. إذن هو الفراغ السياسي الفعلي من طرف المعارضة. أضف إلى كل ذلك عدم وجود رابط حقيقي بين المعارضة السياسية والجيش الحر. عبرت بعض الكتائب عن تأييدها للإتلاف أول أيامه، ثم اختفت أصواتها إما لضعف التأييد أو لضعف هذه الكتائب أو اختفائها مثلاً.

القوى الخارجية تأتمر بإمرة قوتين تجتمع الخيوط بين أيديهما: روسيا وأمريكا. كلاهما يقول بالحل السياسي ولكنهما يختلفان في مسألة بقاء الأسد. أمريكا، بهدف تحقيق الحل السياسي، تمارس الضغوط لمنع وصول الأسلحة التي تمكّن المعارضة المسلحة من تحقيق الانتصار وهي تدرك أنه لا حل ببقاء الأسد. فالداخل بأغلبيته الساحقة لا يقبل بقاء الأسد. وبالفعل، فقد أظهرت إحدى استبيانات الرأي، التي أجريت الشهر الماضي على عينة من حوالى 1600 سوري، باستخدام الإنترنت، رفض 86′ أية تنازلات عن أهداف الثورة ورفض 94′ منهم بقاء الأسد في السلطة حتى بدون صلاحيات، ورفض 97′ بقاء قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية في مواقعهم. روسيا تقول بضرورة بقاء الأسد باعتباره ضمانة لعدم الاقتتال ‘الطائفي’. أمريكا وروسيا تخشيان الكتائب المتطرفة ولكن الوقت لصالح هذه الكتائب والانتظار كثيراً سيفقد إمكانية الحل السياسي.

طائفة الرئيس في حالة تململ بسبب كثرة ضحاياها، فمجالس العزاء في كل بلدات الطائفة. ضباط النظام من الطائفة حانقون على الوضع الذي أوصلهم إليه الأسد، إذ وضعهم والطائفة في وضع خاسر خاسر. الشارع السني يتشدد ولا يريد أي ضابط علوي في السلطة. الأسد نفسه فيما يقوله المقربون يبحث عن حفظ ماء الوجه والحفاظ على إرث أبيه، ولكن كيف؟ هل ستكون هناك ولادة لمجلس عسكري أو حل يفرضه مجلس عسكري افتراضي فيه ممثلين عن الطرفين.

بالانتظار بدأت تظهر ميليشيات طائفية تساند النظام وبدأت بواكير مشاركتها في محافظتي حمص واللاذقية. تقول هذه الميليشيات إنها وجدت لتقاوم القاعدة ومن سار سيرها في الطائفية. بعض الدول في المنطقة لها دوافعها الخاصة بها ستدعم كتائب لها في الجيش الحر بصرف النظر عما يجري في الكواليس الروسية الأمريكية.

بهذا وبكل ما سبق، فإن لم يحدث شيء قاطع في السياسي أو العسكري في الأشهر القليلة القادمة فلن تكون سورية مصوملة بل ستكون سورية الفاشلة بامتياز … كل ما هنالك أن السوريين طالبوا بحريتهم وكرامتهم، وخذلهم العالم بأسره.

‘ اكاديمي سوري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...