الرئيسية / كتاب الانتفاضة / باسل العودات / سورية والمواقف التي لا تتغير/ باسل العودات

سورية والمواقف التي لا تتغير/ باسل العودات

 

 

لطالما تفاءلت المعارضة السورية بمواقف الدول الحليفة للنظام السوري، وأخطأت دائماً بتفاؤلها، لتكتشف أن كل تفاؤلها وآمالها لا تعدو أن تكون سراباً، فلا تلك الدول تتغير ولا مواقفها من النظام السوري تتغير، ووحده حال الشعب السوري المظلوم هو الذي يتغير نحو الأسوأ.

بعيد لقاء موسكو الأسبوع الماضي بين قادة الائتلاف السوري ووزير الخارجية الروسي، خرج قادة المعارضة ليُعلنوا أنهم متفائلون بإمكانية تغير الموقف السوري من النظام، فعضو الهيئة العامة للائتلاف جورج صبرا وصف اللقاء بـ “الإيجابي جداً”، وقال إن “الموقف الروسي يتطور”، فيما حاول رئيس الائتلاف خالد الخوجة تلطيف الجو مع الروس وقال إنها “صديقة للشعب السوري على مدى التاريخ”، وإن هناك “علاقات قوية وعميقة بين الشعبين الروسي والسوري ويهمنا جداً الحفاظ عليها واستمرارها”، وقال إنه لمس “حرص روسيا على المحافظة على الدولة السورية وعدم تمسكها برأس النظام”.

كل هذا الغزل لم يفد المعارضة بشيء، وكان تفاؤل قياداتها وهماً أو تشوّيشاً في الرؤية السياسية، فروسيا لم تُغيّر موقفها من النظام قيد أنملة منذ أربع سنوات، ولا هي على استعداد لتُغيّر موقفها الآن.

فوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكّد ثبات موقف بلاده تجاه النظام السوري، وقال إن طرح مسألة تنحي الرئيس السوري بشار الأسد عن الحكم مع نهاية المرحلة الانتقالية كشرط مسبق أمر “مرفوض”، ووصف الأسد بـ “الرئيس الشرعي”، وشدد على أن موقف روسيا ليس شيئاً قابلاً للتغير مع تغير الظروف، وتُرجم كلامه مزيداً من الشحنات العسكرية للنظام، بينها طائرات وصواريخ فراغية يستخدمها النظام لإبادة أطفال شعبه.

قبل ذلك بشهر تقريباً، وإبان الاتفاق النووي الإيراني، أعلن كُثر من قادة ومُنظّري المعارضة السورية أن إيران ستغير موقفها، وأن الاتفاق النووي يتضمن بنوداً “سرّية” تضع حداً لتمدد إيران وتمنعها من مواصلة “احتلالها” لدول عربية، وقالوا أيضاً إنها وقّعت على “صك” تخليها عن النظام السوري كشرط من شروط الاتفاق، مُفترضين أن الولايات المتحدة “تحمل همّ السوريين على كتفها”.

الأيام التالية أثبتت أن هؤلاء “ضرّابو مندل” وليسوا محللين سياسيين، فلا إيران انسحبت من سورية ولا حتى خففت من هيمنتها، ولا غيّرت استراتيجيتها أو خففت من دعمها للنظام، بل على العكس، أصبحت تُفاوض الثوار بدلاً عنه، وتتوعدهم وتهدد الدول التي تدعمهم.

الرئيس الإيراني حسن روحاني أكّد على أن طهران “ستقف إلى النهاية إلى جانب الحكومة السورية والشعب” وهو يعني النظام والسلطة طبعاً، وأرسل تهديدات مُبطّنة لـ “بعض دول المنطقة” التي تدعم المعارضة السورية بأن “الإرهاب سينقلب عليها”، أما وزير الخارجية محمد جواد ظريف، فقد جدد دعم بلاده “الكامل” للنظام في مكافحة “الإرهاب” وهو طبعاً لا يقصد إرهاب ميليشيات النظام وأتباعه (لمن يمكن أن يتوه بالمعاني)، وهذا التهديد انعكس على الأرض السورية مزيداً من التدمير والبراميل المتفجرة العشوائية والمجازر المتتالية بحق المدنيين، وأثبتت إيران أنها بعد التوقيع نفسها إيران قبل التوقيع، ولم تتغير قيد أنملة كما “يتوهم” بعض المعارضين السوريين.

وقبل ذلك بأشهر أيضاً، أتحفنا بعض المعارضين السوريين بأن الخسائر العسكرية المتواصلة التي يتعرض لها النظام على يد الثوار، والعدد المتزايد من القتلى من طائفته، وَلّد استياءً داخل الطائفة، وحوّل النظام من مهاجم إلى مدافع، وجزموا بأنه أوشك على رفع الراية البيضاء، وسيرضخ قريباً ويقبل بمفاوضات مع المعارضة تُنهي عقوداً من الحكم الشمولي الأمني الدموي الفاشل في سورية.

لكن، ورغم أن النظام خسر بين نصف وثلاثة أرباع سورية، وخسر نحو مائة ألف قتيل وربما أكثر، عشرات الآلاف منهم من ميليشيات طائفته، ورغم “شبه انهيار” الجيش السوري، وانفلات ميليشيات النظام وتمدد الثوار في مناطق واسعة على حساب قوات النظام، وأخطبوط تنظيم الدولة الإسلامية الذي ينهش أي شيء بطريقه، كل ذلك لم يُقنع النظام أو مواليه بضرورة التغيير، بل زاد من قصفه وبطشه على عكس ما توقعت المعارضة.

لا يختلف اثنان على أن الدعم الروسي والإيراني للنظام السوري هو الذي منع سقوطه، ولم تعد سراً المساعدات المالية والعسكرية والسياسية التي تلقاها ويتلقاها منهما، وليست خافية الأهداف الاقتصادية والسياسية والطائفية والقومية التي يحملها المشروعان الروسي والإيراني، فالأول يريد استعادة دور مفقود على حساب السوريين وحريتهم وحياتهم، والثاني يريد سورية ورقة للمفاوضات الدولية وممراً مكمّلاً للاقتصاد نحو المتوسط وقاعدة عسكرية لتهديد دول المنطقة، أملاً بأن تصبح إيران قوة إقليمية وروسيا قطباً عالمياً من جديد، وبديهي أن أياً منهما لن يُغيّر موقفه مما يجري في سورية حتى يحقق أهدافه.

المشكلة إذاً ليست في “لماذا لم تُغيّر هذه الأطراف موقفها من الأزمة السورية”، بل المشكلة في المعارضة السورية التي تحلم بهذا التغيير وتبني عليه أبراجاً، والمشكلة في نهجها وضعف خبرتها السياسية والثورية، فهي تترجى تغييراً لن يحدث، وتتمنى إسقاطاً للنظام بيد حلفائه وشركائه، وتأمل انتصار الثورة بيد من دمّرها، وتنسى أن الوسيلة الوحيدة لتغيير النظام هي الثورة بذاتها، بصلابة الموقف وصوابيته، وتوحيد الرؤى والمواقف والتنظيمات، وتنظيم اليد التي تحمل البندقية وتوجيهها، وتكامل العمل السياسي والعسكري، والأهم باستعادة ثقة الشعب المنتفض الذي لم يعد يثق كثيراً بهذه المعارضة.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...