الرئيسية / صفحات العالم / سورية … وضرورة التغير .

سورية … وضرورة التغير .

 


سلمان محمد شناوة

لم تعد سورية هي سورية عام 1982 حين قامت انتفاضة حماة , وتم قمع الانتفاضة بقسوة شديدة , ولم يعد حافظ الأسد هو الحاكم , ولم يعد حزب البعث ذاك القوة الضاربة القوية خلال فترة ستينات وسبعينات وثمانينات القرن السابق , ولم تعد أحاديث المقاومة والصمود تقنع الموطن و حتى تثير به تلك الحيوية القديمة , ولم تعد شعارات مثل ” لا صوت يعلو على صوت المعركة ” بقادر على إخضاع الناس اليوم , أو أرغامهم على الإنصات أو الانتباه على الأقل وهم سائرون في خضم حياتهم اليومية السريعة والقلقة والمضطربة .

سورية بشار الأسد اليوم تنازع ربما بالرمق الأخير , وربما هي أخر لحظات الحياة لنظام يكاد يسقط وسبقه الزمن والدنيا بخطوات طويلة وكبيرة , ووجد نفسه فجأة بأخر الركب خلف الناس , وهو يحاول ن يقودهم بأدوات الأجيال السابقة , بشار الرئيس المتعلم المنفتح على أوربا وهو الذي درس طب العيون , وجد نفسه رئيسا لدولة حديدية صعبة المراس , وكل عناصرها من الحرس القديم والفكر القديم حتى أخوه , صورة قديمة من ماضي قديم .

هناك مسافة بين الخطاب الرسمي السوري ورجل الشارع العادي , مسافة تستغرق سنوات ضوئية , تقدمت بها قدرة الشارع وأدواته , وركب الموجة الجديدة , والتي ركبها قبله الشعب التونسي والمصري واليمني البحريني , وان تحولت أدوت الشعب الليبي إلى أدوت عنف وقتال , ولا ن الشعب السوري استغل كل أدواته الحضارية من فيس بوك وتويتر , ومن شباب يرغب بالتغير بأي صور كانت , فكنت الآراء والمقالات والأخبار والصور وأفلام الفيديو , تنتشر بسرعة ضوئية , لم يستطع النظم السوري فهمها لغاية اليوم , بل تكد تهرب من يديه كلم حاول الإمساك بها وجعلها خلف جدران مظلمة وسجون معتمة .

أذن لابد من التغير , الشعب السوري قالها والدول التي تراقب الوضع قالتها وحتى بشار الأسد قالها , منذ أول خطاب له بعد أحداث درعا , حين رضخ لمطالب شعب , وقام بإلغاء القوانين العرفية , ولان المطالب اكبر من قدرة النظم على الفهم والاستيعاب , والناس لم تعد مطالبهم إلغاء قوانين عرفية حكم بها النظام البلد لمدة 40 سنة , إنما في كل مظاهرات وفي كل جمعة ترتفع سقف المطالب أكثر وأكثر , ولا يستطيع النظام تقديم شي مقابل سقف المطالب المرتفع .

قال بعضهم إن الشعوب خرجت من عقالها , كالمارد حين يخرج من القمقم , ولا عودة للوراء أبدا , وهذه الحقيقية منذ اليوم الذي خرجت بها المظاهرات التونسية , والحال لم يعد هو الحال , والعرب لم يعودوا هم نفس العرب , والجماهير لم تعد هي الجماهير , فلن يرضي الشعب بالقليل بعد اليوم , ولن يرضى الشعب بشعارات السلطة تظهر وتختفي هكذا بدون نتيجة ….

بعد الخطاب الثالث ليشار الأسد , قال المتظاهرون , ماذا قدم ؟ والحقيقة لم يقدم شيئا ملموسا بل لقد لاحظ المراقبون إن الأسد بدا مضطربا , وتحدث كثيرا , وركز على المؤامرة الخارجية , والحديث عن المؤامرات الخارجية قديم قدم النظام نفسه , فالنظم يعتقد إن الكل ضده , والكل يريد إسقاطه , ولان النظم في موجهة عدو لا يرحم هو إسرائيل فلابد إن يكون دائم متيقظ , دائما على أهبة الاستعداد , دائما ينام مفتوح العينين , ولابد ن يكون هناك رقيب وعتيد في كل مدينة وشارع وزاوية وبيت وحتى بين الزوج وزوجته , فالنظم لابد ن يعرف كل شي , ولأنه مستهدف , فلا بد إن تعد العدة وان يكون الجيش جاهزا , والموطن تحت الطلب , ولمدة 40 سنة ونفس الحديث والوطن يراقب , فلا احد حاول الدخول إلى الحدود متهجما , ولا الجيش قام بواجبه الوطني باستعادة الأراضي المغتصبة منذ 1967 ….

فما هي الحكاية , والحكاية بكل بساطة إن هناك من هو مستفاد بظل هذا الوضع الحالي , ولا يريد إن يتغير , هل هو البوليس الحديدي القديم , أم هم متنفذون على أعلى سلم السلطة , ربما ولكن الحقيقة إن النظام تحجر لدرجة إن النظام أصبح قيد على الموطن , والموطن يريد إن يتحرر من هذه القيود وينطلق , وأصبح وعيه اكبر والشعور بكرامته اكبر , والشعور بالحرية اكبر , لم يعد النظم ذاك المتسلط , ولم يعد ذاك الرعب والساكن داخل قلوب الناس .

في مقابلة مع بن جدو قال إن لدي معلومات مؤكدة إن النظام السوري مستهدف , وان هناك خطط أكيدة لضرب النظام , وبشار الأسد نفسه تحدث كثيرا وقال ان النظام مستهدف وان هناك مؤامرات تأتي من خلف الحدود , مؤامرات تدبر في عواصم كبرى وصغرى الهدف الأول والأخير لها ضرب النظام , والحقيقة نقول ونقول دائما , متى كان النظام السوري غير مستهدف , الحقيقة إن النظام السوري وبما يشكل من إرادة وقدرة على المقاومة , سواء إثناء استضافة المعارضة العراقية إثناء حكم صدام حسين أو الحكومة الجديدة هو مستهدف , النظم السوري مستهدف لأنه يضم الصوت الفلسطيني الأخر والذي لا يرغب بالصلح مع إسرائيل , النظام السوري مستهدف , لأنه يعتبر نقطة وصل المقاومة اللبنانية وخاصة حزب الله والطرف الأخر الإيراني البعيد نسبيا , فالتحالف السوري الإيراني والمقاومة اللبنانية هو وجع حقيقي لا إطراف كثيرة لا تحب ولا تعشق اسم إيران أو حزب الله , لذلك نقول النظام السوري مستهدف وهذه حقيقة , ولكن الحقيقة الأخرى , إن هناك متطلبات للشعب السوري لا بد إن تؤخذ بعين الاعتبار , والحقيقة كذلك , ان العصر وأدواته تفرض واقعا جديد لم يستطيع النظام إن يتأقلم معه أو حتى يفهم مفرداته , فلم تعد السلطة مستبدة , إنما السلطة آخذت في كل من دول العالم تتعاون مع الموطن لا تجبرهم على حياة لا يريدونها , هناك حقائق كثيرة على ارض الواقع لابد ن يفهمها النظام حتى لا يأتي يوم وينكسر مع اشتداد العاصفة , فيجب إن يتعلم المرونة التي تسمح له بالإنحاء قليلا حتى تمر العاصفة .

المتابع للإحداث العالمية نجد إن الخطاب وطريقة إدارة الأزمة من قبل دول العالم تختلف اختلاف كاملا عن طريقة إدارة الأزمة الليبية مثلا , منذ اليوم الاول قال الاتحاد الأوربي وبمقدمة الدول الأوربية فرنسا , إن النظام الليبي لا بد ن يرحل , وخلال فترة وجيزة اتخذ مجلس الأمن قرار بضرورة التدخل ورأينا إن دول التحالف وفي مقدمتها فرنسا وأمريكا السباقين لضرب القوات الليبية , لا بل نجد إن دول مثل قطر والإمارات والسعودية ومجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية تقف ضد معمر القذافي وتطالبه بضرورة الرحيل , إما في سوريا نجد هناك الخطاب اللين نسبيا مع بشار الأسد حيث تم مطالبته إما بالإصلاح أو التنحي , وان الرئيس التركي والذي يعتبر أكثر المقربين للنظام السوري , طالب الرئيس أكثر من مره بضرورة الإصلاح , وانه أوفد رئيس استخباراته ورئيس حكومته أكثر من مره لإقناع بشار الأسد بضرورة التغير والإصلاح , حتى الخطوات المتخذة لعقد جلسه لمجلس الأمن نجدها في الشأن السوري بطيئة وأن دولا مثل الصين وروسيا لا زالت تراعي الجانب السوري , وهذا يعني إن الباب لازال مفتوح والأيدي والأذرع لا زالت مفتوحة لاحتواء الجانب السوري إن أراد التغير .

حتى إسرائيل فإنها تفكر أكثر من مره إذا أرادت التدخل لتغير النظام السوري , لأنها تعتقد إن النظام السوري وبكل مساوئه بنظرها فهو مفيد جدا حيث يحمى لها حدودها الشرقية , التغير في النظام السوري يخيف بل هو يرعب كل من إيران وحزب الله الحليفان القديمان الأزليان للنظام السوري , فالنظام السوري يعتبر العمود الفقري للعلاقات الإيرانية وحزب الله, لا بل هو يعتبر الممر الوحيد القادر على مد مقاومة حزب الله ما تحتاجه من عتاد واليه تستطيع بها موجهة إسرائيل أو حتى خصوم إيران في المنطقة , لذلك نجد إيران وحزب الله من الأوائل المنادين لمناصرة النظام السوري .

ثلاث خطابات وإصلاحات لم تتحقق , والوعود كثيرة ولا يوجد شي حقيقي على الأرض , والحقيقة إن هناك ثقة مفقودة بين النظام ورجل الشارع , فالنظام يعتقد دائم إن حديثه مقدس , إن قال يجب إن يطاع , ورجل الشارع فقد الثقة بخطاب النظام , فكثيرة هي الوعود , ولا يتحقق شي جديد على ارض الواقع , والمشكلة في النظام السوري إن هناك تجارب سبقته , النظام المصري والتونسي واليمني كذلك , وهذه التجارب كان من الممكن إن يستفاد منها أو على الأقل يكون خطابه مختلفا , ولكننا نراه يسير على نفس خطى ابن علي ومبارك , وربما تكون نهايته هي نفس النهاية , اعتقد جزما ن هناك رغبة دولية أو على الأقل تتعاطف مع شخصية الرئيس بشار الأسد , لذلك نجد إن المجتمع لا يزال يرغب ببقاء الرئيس بشار ولكن مع تغير حتمي للنظام , لكن الوقت ليس في صالح النظام السوري , والسير بالإصلاحات سير السلحفاة لا ينفع النظام لان حركة الزمن سريعة ولا تتوقف ولا ترحم احد . أنها النهاية نهاية نظام , والتاريخ يعيد نفسه دائم ولا يبقى احد للأبد , فلا بد من التغير , وهي سنة من سنن الحياة الضرورية , ولكن العاقل الذي يستطيع ن ينظر إلى النهايات ويتصرف على أساسها .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...