الرئيسية / صفحات الناس / سيجار وشمبانيا ونزوح

سيجار وشمبانيا ونزوح

 

مادونا سمعان

في إحدى مجالسه الخاصة ذكر أحد الوزراء أن عدد الندوات واللقاءات والحملات التي أعدت لإغاثة النازحين السوريين منذ بداية الأزمة فاق الثلاثمئة مبادرة، كلّفت ملايين الدولارات لإطلاقها. وكان من الأفضل لو تم صرفها على الإغاثة مباشرة.

لكن على ما يبدو لا تهدف الجمعيات المدنية والمنظمات إلى تأمين الأساسيات اليومية للنازحين، بقدر ما ترى في نزوحهم مناسبة لاستدرار الأموال. وللعبة أصول لم تخجل إحدى العاملات سابقاً في واحدة من أكبر المنظمات الدولية من الإفصاح به، لمناسبة إطلاق حملة من الحملات. وروت كيف استخدموا أرقاماً خاطئة وغير صحيحة في شأن مرض خاص بالأطفال، غير موجود أصلاً في لبنان للحصول على التمويل أيام الحرب الأهلية.

أكثر من ثلاثمئة حملة لم تبدّل حياة النازحين في لبنان، ولم تغيّر أي تفصيل في تلك المشاهد.

المشهد الأول

كم هي صغيرة بالمقارنة مع المبنى الشاهق الذي يفتخر أصحابه أنه أحد أكبر فنادق لبنان، زوّاره لا يلحظونها ولا يرمقونها بنظرة. حتى أولئك الذين قصدوا المبنى للاجتماع الطارئ والمغلق الذي دعت إليه إحدى الجمعيات، للتباحث في كيفية الارتقاء بحياة أمثالها من الأطفال وذويهم الذين تركوا وطنهم الأم مرغمين.

هي في الأصل لا تقترب منهم كثيراً، تلتزم ببضعة أمتار من الطريق العام لتقول بصوت خافت: «أريد ثمن خبز». في الغالب لا يجيبون، يتجاهلونها. ومن لا يتجاهلها يعطيها ألف ليرة أو حتى أقلّ من دون النظر إلى وجهها.

لا تفهم تلك الصغيرة بالنقود وقيمتها، تحبّ منها أحجار الخمسمئة والمئتين وخمسين ليرة لأنها تبرق وتحدث صوتاً رناناً يتغلّب على ضجيج السيارات والمدينة عموماً.

تقول إن اسمها ريما وإنها أتت من سوريا إلى لبنان «كي لا يقتلونا». هي أبنة وحيدة لأهلها. أمها تلتزم المنزل، بينما يعمل والدها في مكان مجاور. لا تعلم بماذا يعمل، تروي أنه يذهب في الصباح الباكر ويوقظها من نومها للعمل في الشارع، وقد سمعته يتحدث إلى والدتها ويقول: «الناس تهمّ إلى مساعدة الأطفال أكثر من ذويهم. فلا ينفع نزولك إلى الشارع. وأنا سأحاول مراقبة البنت من مكان عملي».

تشير ريما بإصابعها إلى أنّ عمرها سبع سنوات، وتقول: «عمري ثمانية». أما الفرق بين لبنان وسوريا بالنسبة إليها فهو «المصاري»، لأنه «في سوريا مصاري كتير وبلبنان في شوي. في سوريا نشتري كتير أشياء، في لبنان لا يمكننا أن نشتري إلا الخبز والأرز».

لا تعرف ريما أن في لبنان مدارس للسوريين: «قالت لي أمي إنه ممنوع على السوريين ارتياد المدارس هنا». ربما تخفي الأم عن ابنتها حقيقة أوضاعهم المادية أو ربما ما زالت العودة إلى الديار محسوبة؟ لا أحد يعلم.

المهم أن أصحاب السيارات الفخمة والضخمة المملوءة بالمرافقين الشخصيين أتوا للبحث في وضعها، وأوضاع أمثالها. ومن شدّة حماستهم لم يلتفتوا إليها وتجاهلوا صوتها ومشوا صوب باب قاعة الاجتماعات بخطوات مسرعة، لأنهم يريدون تسريع عملية الإنقاذ والتباحث بالخطط تمهيداً لتطبيقها على أرض الواقع. والواقع الذي يتحدثون عنه هو بالطبع الواقع الذي مروا من جانبه من دون ملاحظته قبل أن يبتسموا لوسائل الإعلام، ويعودون إلى عقدة الحاجبين التي تشي بجدّية الموقف وخطورته في آن.

اللافت أنه ما أن مرّت دقائق على افتتاح الاجتماع، حتى غادر أحد الوزراء المعنيين بالملف، وتبعه أحد السفراء المهتمة بلاده بالأزمة السورية… سياسياً. لتكرّ السبحة ويختتم الاجتماع بصياغة الجمعية المنظمة لخطة العمل والتوصيات.

من سوء الحظّ أن ريما لم تعلم أن هؤلاء هم أصحاب القرار في شأنها وشأن أمثالها. وإلا لكانت حتماً قالت لهم: «أريد خبزاً من دون تعب».

المشهد الثاني

في صفّ الحضانة، في إحدى مدارس بيروت الرسمية، قالت المعلّمة للتلاميذ الأطفال: «أخرجوا سندويشاتكم وكلوا قبل الخروج إلى الملعب». ثم راحت تجول بين الطاولات الصغيرة لمراقبتهم. كان واحد منهم يضع وجهه بين يديه، وقد أخفضه كثيراً. سألته: «لماذا لا تأكل؟»، فأجاب: «ما معي». ظنّت أنه نسي أن يأتي بطعام إلى المدرسة، وأضافت: «لا تنساه في الغدّ فالطعام ضروري للنمو الفكري والجسدي». لم تعرف تلك المدرّسة أن التلميذ ليس بحاجة إلى درس في التغذية، بل إلى رغيف خبز، مثله مثل زملائه، يأتي به إلى المدرسة فيرفع رأسه كلما حان وقت الطعام.

مع ذلك لم يخجل من بوح الحقيقة التي تؤلمه، فأشار إلى أنه «لا خبز في البيت». ارتبكت المعلّمة، صمتت ثم سألت: «من منكم بلا طعام؟»، رفع ولد آخر إصبعه وقال: «وعدتني أمي بأن يكون لدينا خبز حين عودتي إلى المنزل».

طلبت المعلّمة من الرفاق أن يتقاسموا الطعام وزميليهم، بعضهم لبّى الطلب في حين اعتذر آخرون لأنها «السندويشة الوحيدة التي معي».

لاحظت أن واحداً من التلميذين سوري والثاني لبناني، واكتشفت أن نحو سبعة تلاميذ آخرين لم يأتوا بالطعام الكافي.

خرجت مسرعة إلى مدير المدرسة، روت له ما شاهدت وقالت: «هؤلاء هم تلاميذ حضانة، ومن دون طعام يكفيهم. إما أن تبلّغ الوزارة بالأمر وتقدّم اقتراحاً كي تصل المساعدات إلى المدارس وتوزع على التلاميذ، وإما أن تعيد النظر في تلقينهم مواد تتحدث عن التغذية والصحّة والمشاركة والكرم!».

المشهد الثالث

نزح ماجد وزوجته من سوريا إلى منطقة الدورة، اختار الرجل الخمسينيّ العمل في منشرة تعلو متاجر مختلفة، واتخذ منها سكناً له ولزوجته التي تعمل في متجر للثياب.

كان مدرّساً في إحدى مدارس حلب، وهو يتقن اللغة العربية، وملمّ بالتاريخ والجغرافيا. اختار العمل في صناعة الخشب لخبرة ورثها عن أبيه النجّار.

يصرّ ماجد على اصطحاب زوجته مساء كل يوم من مركز عملها لأنها لا تعرف المنطقة، ولأنه يسمع ما تتعرض له النازحات السوريات العاملات من تحرّش و«قلّة أدب».

ذات مساء مشت خلفهما «شلة» شباب وراحوا يشتمون سوريا والسوريين. لم يكترث لهم بداية. ثم راحوا يمشون أمامهما ويعيقون طريقهما. وأيضاً لم يكترث. حتى أضحوا يرمون بزجاجات البيرة من حولهما وبدأوا بشتم الزوجة. قال: «خليكم أوادم يا شباب». لكن الشباب الأوادم مكبوت، ويريد قدراً من الاعتراف بقوتهم على الأقل البدينة. فزادوا من التكسير والشتم. فأردف الرجل: «يا عيبشوم هيك ربوكم أهلكم؟»

انتظر الشباب جملة مماثلة لبدء الصراخ والتهديد والالتفاف حوله لضربه. هربت الزوجة، ثم هرب هو. وراحوا يصيحون له: «إذا رجال نزال لنتحاسب». وكان يردّ: «والله أنا آدمي، آكل وأشرب في لبنان وأدفع بدل منامتي في المنشرة. فلماذا تفتعلون مشكلة؟». وكانوا يجيبون: «نزال! ما بتعرف أنها منطقة محظورة عليكم؟».

لم يجرؤ أحد من الجيران على التدخل باستثناء رجل أمني تقاعد من عمله منذ زمن، لعلّ هو وحده من بين الشباب من سمع صراخ الزوجة وهي تطلب من زوجها الاتصال بقريبه الضابط في قوى الأمن الداخلي اللبناني. أدرك «حجم» الاسم الذي ذكرته فنصح الشباب بالتراجع.

 المشهد الرابع

لم تكن وسائل الإعلام قد ملّت من بث صور القتلى والجرحى السوريين، ولا حتى صور القتل والدماء، حين أتى رجل الأعمال السوري إلى لبنان هرباً من الموت.

قصد المطعم المشهور للاستمتاع بصوت الفنان معين شريف في سهرة خاصة. دعا أصحاب وأقارب، فمدّت له طاولة تسع لثلاثين شخصاُ، تصدّرها كي لا يحجب أحدٌ الرؤية بهدف التواصل مع فنانه المفضّل.

بدا شديد الابتهاج، فكان يصفق حيناً ويغني مع الفنان حيناً آخر. وبين هذا وذاك يضرب كأسه بكؤوس ضيوفه، وقد حجبهم دخان «سيجاره» الكوبي الذي كاد أن يلامس جبين من يجلس مقابله.

صفق للنادل ووجهه صوب شريف. همس الأول في أذن الثاني فقال: «نرحب بأحبائنا من سوريا». علا التصفيق في الصالة ليكمل الفنان غناءه.

لم يملّ رجل الأعمال لا من تدخين السيجار ولا من ضرب الكؤوس، وأراد تكريم فنانه المفضلّ فصفق للنادل مرة أخرى. وإذ بالأخير يتوجه إلى شريف حاملاً صندوقاً من زجاجات «الشامبانيا» يفوق عددها الأربعة، وسعرها الخمسة آلاف دولار. ردّ شريف شاكراً «الأخ من سوريا» وأكمل الغناء.

لم يُعجب عدد من الساهرين، وبعضهم سوريون، بخطوة «الأخ من سوريا» فسادت بلبلة عاد وغطى عليها صوت شريف. فـ «فتح الشمبانيا في مثل تلك الظروف يشبه الرقص فوق القبور»، كما علّق أحدهم.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...