الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبحي حديدي / سيلفيا بلاث في طينة البشر/ صبحي حديدي

سيلفيا بلاث في طينة البشر/ صبحي حديدي

 

 

 

خبر بهيج أن يصدر، في 1424 صفحة، عن هاربر، المجلد الأول من رسائل الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث (1932 ـ 1963)، وأن يغطي سنوات 1940 ـ 1956، ومراسلات مع أكثر من 120 شخصا، وعشرات الصور الفوتوغرافية والرسوم التي تُنشر للمرة الأولى. أسباب البهجة عديدة، لا تبدأ مما تحتويه مئات الرسائل من تفاصيل حول حياة واحدة من أكثر شاعرات القرن العشرين إشكالية، فحسب، ولا تنتهي عند تسليط المزيد من الأضواء على مناخات الشعر الأمريكي، والبريطاني أيضا، خلال أحقاب عاصفة. وبالطبع، ثمة الكثير من المعطيات التي تكشف خفايا تجربة بلاث المعقدة مع الشاعر الإنكليزي تيد هيوز (الذي سيصبح زوجها)، وملابسات انتحارها.

ويندر أن تكون وفاة شاعرة قد حظيت باهتمام بالغ يفوق مسارات حياتها ذاتها، أو منجزها الشعري، من حيث مقدار الغموض، وحجم الأسئلة التي تتوالد من سواها، وكذلك اكتساب صفة استمرار مضطرد اكتنفت، وما تزال، سيرورة البحث والتنقيب، والكثير من الفضول أيضا. بعض السبب قد يكون عائدا إلى قسط آخر من الفضول، يخصّ هيوز نفسه، الزوج العاثر الحظّ الذي انتحرت زوجته الأولى، بلاث، لأنه هجرها إلى امرأة أخرى، هي آسيا ويفيل، وهذه الأخيرة انتحرت بدورها لأسباب لا أحد يجزم بها على وجه الدقّة.

ولقد جرى العرف على تحميل هيوز مسؤولية الانتحارَين، معا، ولكنّ الرجل التزم الصمت المطبق، وأعطى أذنا صمّاء لعشرات حملات التأثيم التي شنتها ضده الحلقات الأدبية النسوية، وأنصار بلاث في الولايات المتحدة بصفة خاصّة. وفي مطلع العام 1998 قرّر أن يكسر الصمت من خلال «مرافعة» بالغة الخصوصية، فأصدر مجموعة شعرية بعنوان «رسائل عيد الميلاد»، لقيت على الفور ترحابا واسعا، ليس لأنها كانت تقترح اسلوبية متقدمة في فنّ هيوز الشعري، فحسب، بل كذلك لأنها كانت تُشبع بعض أسئلة الفضوليين أيضا!

دفاع شعري، إذن، عن «تهمة» جنائية أو تكاد، غائمة التفاصيل وغائبة الأدلة، يسيّجها التعصّب النسوي المغالي، أو التعاطف الوجداني الجارف مع المرأتين المنتحرتين، ومع بلاث، الزوجة/ الشاعرة الرقيقة اللامعة، بصفة خاصة. وهو دفاع ينتهج قصيدة الحبّ من جهة، ولكنه من جهة ثانية يعيد كتابة الكثير من فصول حياة هيوز مع بلاث وعشقه لها. والأهمّ أنه يميط اللثام عن أطوار غير عادية في حياة بلاث النفسية والروحية، ويترك للقارئ أن يقدّر بنفسه… إذا بقيت لديه حوافز كافية لإصدار «حكم» بوليسي، بعد كلّ ذلك الشعر الرفيع.

وشخصيا، ودونما إغراق في تفاصيل لا يسمح المقام بها، لا أميل إلى تحميل هيوز المسؤولية الأولى عن وفاة بلاث، لأنّ الأسباب التي دفعتها إلى محاولة الانتحار الأولى (قبل سنوات من تعرّفها على هيوز) ظلّت تتنامى في داخلها، وظلّ إحساسها المبكّر بانعدام الأمان يضغط على حياتها العائلية والنفسية والشعرية، إلى أن بلغ ذروته القصوى وقادها إلى تلك الطريقة الفاجعة في الانسحاب من الحياة. وممّا له دلالة خاصّة أنّ قصائدها الأخيرة، فضلا عن مسرحية إذاعية بعنوان «ثلاث نساء»، كانت تشير إلى تمارين رهيبة في محاولة اعتياد الموت، وكانت، في الآن ذاته، تمتدح الحياة الأخرى التي يخبئها «اللقاء الناجح مع الموت» كما ستقول.

ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه أنّ هيوز يوحي، في «رسائل عيد الميلاد»، بأنه لم يكن قادرا على الحيلولة دون انتحار بلاث، وأنه كان شاهدا لا حول له أمام ذلك الاضطرام العارم الذي كان يكتسح أعماقها. كذلك يلمّح إلى أنّ مآلات لقائه مع بلاث كانت مسألة قَدَرية صرفة، سواء رُدّت جذورها إلى ارتطام نفسَيْن خلاّقتَين شاعرتَين، أو إلى هوس بلاث المَرَضي بذكرى موت أبيها، وميلها إلى إسقاط شخصيته على هيوز (إذْ كانت ترى في الأخير صفات الأب والحامي والعشيق). وثمة مَنْ يذهب إلى ترجيح أقصى: لقاء بلاث («مارلين مونرو الشعر»، كما لُقبت)، وهيوز (شبيه ذلك الأرستقراطي غريب الاطوار في حكاية الفرنسي شارل بيرو، الذي اعتاد قتل زوجاته داخل أسوار قصره)، كان محتما أن ينتهي بالفاجعة.

وفي مقدمة المجلد الأول هذا يشير المحرران، بيتر شتاينبرغ وكارين كوكيل، إلى أنّ بلاث في رسائلها كانت أكثر من شخصية واحدة، تبعا للناظر إليها: إبنة، طالبة، صحافية، شاعرة، صديقة، فنانة، حبيبة، زوجة، روائية، وأمّ. ولكنها، في المقام الأول، كانت من طينة البشر، ولهذا فإن مراسلاتها تحتوي على كلّ ما يشير إلى تعدد شخصيتها، من الحديث عن القنبلة الذرية وفلسطين، إلى شعر و. ب. ييتس ورواية جيمس جويس، ليس دون ارتكاب أخطاء طباعية ونحوية، واستخدام اقتباسات مغلوطة، وتوظيف أضاليل هنا ومبالغات هناك…

وفي رسالة بتاريخ 20 آذار (مارس) 1943، أرسلت بلاث إلى أمّها قصيدة (تُنشر للمرة الأولى في هذا المجلد) تقول: «إغرسي شتلة صغيرة/ اخلطيها بمطر ورذاذ/ حرّكيها بقليل من ضياء الشمس/ ولسوف تنبت بعض الزهور». وكشوفات كهذه هي بعض بهجة الإبحار في مئات الصفحات من مراسلات حارّة، دافقة بالحياة، ومترعة بشجن الشعر وحيرة الوجود، في آن معا.

القدس العربي

————

سيرة سيلفيا بلاث الكاملة كما ترويها الرسائل/ هناء عليان

عن ثلاثين عاماً، قررت الكاتبة الأميركية سيلفيا بلاث الانتحار. هذه المرة لم ترد لمحاولتها أن تفشل كما سابقاتها، فأقحمت رأسها في فرن الغاز لتقضي اختناقاً، فيما كان طفلاها يلهوان في غرفةٍ أحكمت إغلاقها في الطابق العلوي.

لم يكن انتحارها خبراً عادياً، بل شكّل مادة دسمة للكثير من الكتب والأفلام والتحقيقات التي ما لبثت تنشر سنوياً منذ رحيلها عام 1963، حتى أنها لقبت بـ «مارلين مونرو الأدب المعاصر». بقي انتحار سيلفيا محط اهتمام، ربما لأن زوجها السابق، الشاعر البريطاني تيد هيوز، تلقى الملامة كونه من دفعها إلى الانتحار بسبب خيانته لها، مع أنها كانت تعاني أصلاً من اضطرابات نفسية منذ المراهقة.

ربما كانت بلاث تدرك أنها سترحل باكراً، فاستغرقت في الكتابة «إلى حدّ الهوس»، كما أكد المقربون منها. كان إنتاجها غزيراً إذ تركت الكثير من الكتب والدواوين والروايات، منها «العملاق»، «آرييل»، «عبور المياه»، «شجرات الشتاء» و«القصائد المجموعة»، إضافة إلى رواية أقرب إلى السيرة الذاتية بعنوان «الناقوس الزجاجي» وأربع مجموعات قصصية للأطفال. حتى أنّها لم تتخلف عن كتابة يومياتها والمئات من الرسائل لنحو 140 شخصاً من أهلها وأصدقائها، معظمها موجهة إلى والدتها. هذه الرسائل التي جمعها بيتر شتاينبرغ وكارين كوكيل خلال أعوام وقاما بنشرها أخيراً ضمن كتاب عنوانه «رسائل سيلفيا بلاث» من 1500 صفحة، على أن يصدر الجزء الثاني من الرسائل في تشرين الأول (أكتوبر) من العام المقبل.

لم يكــــن الجزء الأول من الرسائل كما كان متوقعاً، أي أنه لم يؤكد الشكوك بأن تيد هيوز هو السبب وراء انتحار بلاث، كمـــا لم يبددها. تبدأ الرسائل مذ كانت بلاث طفلة لتتوقف بعد شهر من زواجها، إذ أراد الناشران الإبقاء على عنصر التشويق ريثمـــا يصدر الجزء الثاني من الرسائل الـــذي سيتناول علاقتها بتيد هيوز بالتفصيل وجميـــع الرسائل التي تحدثت فيها عنه وعن عشيقـــته آسيا ويفل بغضـــب. هذه الأخيرة التي قضت انتحاراً هي الأخرى مع طفلتها وبالطريقة نفسها التي اختارتها بلاث- اختـناقاً بالغاز- ما عزز الشكوك المحيطة بتيد هيوز وطبعه العنيف والمتسلط.

اللافت في رسائل بلاث أنها أظهرت وجهاً آخر يختلف عما تظهره قصائدها من افتتان غريب بالموت ورغبة بالرحيل. في الكثير من رسائلها لوالدتها، بدت سيلفيا مرتاحة، مرحة وسلسة جداً. تتحدث بإسهاب عن موعد غرامي أخير، عن معطف جديد اشترته، عن نزلة برد أصابتها. فقط في منتصف الكتاب، تتغير وتيرة رسائلها لتلمح إلى ما تعانيه من اكتئاب وتعب نفسي. في رسالة لصديقها، تصف محاولة انتحارها في قبو المنزل بتناول كمية كبيرة من المهدئات، لتعود فتتحدث عن حياتها الجامعية وعن سرورها لتعامل أصدقائها معها في شكل طبيعي متناسين محاولة انتحارها.

عندما وصلت بلاث إلى لندن عام 1955، لتدرس في جامعة كامبريدج بعدما حازت على منحة فولبرايت كاملة، كانت تجسد صورة الإغراء الأميركي بالنسبة إلى الشبان البريطانيين، بشعرها المصفف بعناية وأحمر شفتيها وفساتينها الجديدة وحذائها الأحمر. كانت لها علاقات سريعة ببعض الشبان، إلى أن التقت بتيد هيوز الذي تصفه في إحدى رسائلها لوالدتها بأنه « ضخم، رياضي، صوته أشبه بصوت ديلان توماس، يحفظ أفضل ما كتب شكسبير، بليك وييتس وجميع كتابي المفضلين. يرسم بشكل رائع، بورتريات ولوحات عن السحرة والحيوانات، كما يروي حكايات شيقة عن الأشباح والأساطير والأبطال الإرلنديين… هو مفلس تماماً، صادق ورائع».

لا شك في أنها أحبته إلى حد الجنون، حتى أنها كتبت له قبل الزواج: «إن حدث لك أي مكروه سأقتل نفسي»، لذلك لم يكن سهلاً عليها تقبل خيانته لها، لا سيما عندما جاء إلى منزلها ليصارحها بأن عشيقته حامل منه، مبدداً كل آمالها بالعودة إليه. في تلك الفترة، كتبت الكثير من القصائد القاتمة لتعبر عن كرهها له، كما أنجزت العديد من الدواوين. والمفارقة أنه كان وريثها الأول لأنها لم تترك أي وصية، فأصبحت تركتها الأدبية بين يديه وبات هو صاحب الحق الوحيد في نشر كل القصائد والرسائل بما فيها تلك التي تتحدث عنه بسوء.

وعلى رغم أنه أتلف جزءاً من الرسائل وبعض القصائد التي اعتبر أنها لا تستحق النشر، وهو أمر اعتاد عليه منذ أن تعرف إلى بلاث، هو الذي اعتاد انتقاد كتاباتها، نشر هيوز الكثير من الدواوين والكتب منها «آرييل»، و «القصائد المجموعة» التي حازت عنها سيلفيا بلاث جائزة بوليتزر عام 1982. لكنّ محبي بلاث يعتقدون أنهم اليوم أمام الكتاب الوحيد الذي يتناول سيرة حياتها بصدق من دون أن تطاوله يد لحذف بعض المقاطع المسيئة أو إغفال بعضها الآخر.

تبدأ الرسائل منذ أن كانت بلاث في السابعة من العمر، في رسالة إلى والدها أوتو الذي توفي في العام نفسه. لتتوالى الرسائل والبطاقات التي لا نهاية لها لوالدتها، أوريليا شوبر بلاث، موضحة علاقة مقربة إلى حد الاختناق بحيث لم يكد يمر اسبوع من دون مراسلات عدة. لكن في رسالة لصديقتها ماريا ستيرن صيف عام 1952 وبينما كانت تعمل كمربية أطفال، كتبت: «أتساءل أحيانا لماذا قبلت بالوظيفة… أعتقد أنني فعلت ذلك للابتعاد عن أمي. كم أكره الاعتراف بذلك. إنها أم جذابة لكنّها عصبية وأكاد أرى صداها يتردد في كل نوبة اكتئاب أعاني منها».

اللافت أن والدتها سبق أن نشرت بعض هذه الرسائل في كتاب بعنوان: «سيلفيا بلاث… رسائل إلى المنزل»، لكنها حذفت منها كل ما يسيء إليها وإلى معارفها وزوجها. وتردد أن أوريليا شعرت باستياء شديد عندما قرأت ما كتبته ابنتها عنها في هذه الرسائل، وكذلك عندما علمت أن السيرة الذاتية التي كتبتها سيلفيا بلاث «الناقوس الزجاجي» تتناول علاقتها بوالدتها المتسلطة.

وكان نشر «الناقوس الزجاجي» لأول مرة في لندن في كانون الثاني (يناير) 1963، أي قبيل رحيل بلاث في العام نفسه، وذلك تحت الاسم المستعار فكتوريا لوكاس. اختارت سيلفيا بلاث هذا الاسم لنشر روايتها الأولى لأنها قلقت حيال ما يمكن أن تتسبب به من ألم للأشخاص المقربين منها، حين تُعرّي شخصياتهم وتتحدث عن سيئاتهم وما تشعره حيالهم صراحة.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...