الرئيسية / صفحات الرأي / شباب يعيدون تأسيس النهضة

شباب يعيدون تأسيس النهضة

 


بطرس الحلاق

تبدو ثورة العقد المدني المتفتقة في هذا الربيع العربي الذي طال انتظاره، استكمالاً للنهضة في شكل قطيعة مفهومية كاملة: لا تنسخها بل تعيد تأسيسها بقلب مسارها رأساً على عقب. انبثقت من وعي الشبيبة المتعلمة، أي خريجة الجامعات والمعاهد العليا بكفاءاتها المهنية وثقافتها العامة، وفاجأت المثقف بأطيافه كافة: قامت من دون المثقف بوصفه موجهاً للرأي العام، صحافياً كان أو داعياً إلى تيار فكري أو حزبي، وقامت في وجه المثقف وضده، بوصفه ممثلا للنخب الحاكمة أو رديفاً لها. بذا انهار تصور تاريخي لمثقف وقف حياته – مخلصاً بوجه العموم حتى في تعثره – على تحديث المجتمع فضاعت به السبل أحياناً نحو الهدف وفاز به آخرون.

يدعونا هذا الوضع إلى إعادة النظر في طبيعة الثقافة وحكم المثقف منذ قيام نهضتنا الحديثة، لا من باب نقد الذات كما مارسناه بعد هزيمة حزيران تجريحاً للنفس لا يؤول إلا إلى التدمير، بل وعياً لمسار أطمأننا إليه إطمئنانناً إلى مطلق بدل أن نتقراه باستمرار على ضوء الواقع المستجد.

في نظرة سريعة إلى ماضينا القريب، نرى أن مفهوم الثقافة لم يتبلور عندنا على صيغته المطاطية الراهنة (هل هو المتعلم، المفكر، الأديب، الخبير، السياسي قائد الرأي العام أم المفكر المستقل؟) إلا في ثلاثينات القرن الماضي. أتت صياغته الأولى في مؤلف طه حسين الشهير «مستقبل الثقافة في مصر» (١٩٣٨)، فتميز عندئذ عن مفهوم الأدب الذي استقام في العشرينات بجهد العقاد والمازني («الديوان في النقد والأدب») وميخائيل نعيمة («الغربال»)، وكلا الكتابين صدر عام ١٩٢٢، فأصبح يشير إلى الإبداع الأدبي حصراً، بعد أن كان يراوح سابقاً – وفي صيغة الجمع «آداب»، كما في اكثر من مؤلف يحمل عنوان «آداب اللغة العربية»- بين مفهوم الإبداع ومجمل المعارف الفكرية، الموروثة والمستحدثة.

هكذا اعتبر مثقفاً كل من تحصل على كفاءة في ميدان العلوم الإنسانية وربما في العلوم التقنية أيضا، والتصق الاسم بحكم البنية التعليمية آنذاك بحاملي الشهادات الجامعية وكانوا في ذلك الوقت قلة قليلة، وما عتم أن ازداد عددهم فتجاوز مئات الألوف ثم الملايين مع انتشار التعليم ونشوء وزارات لـ «الثقافة». اتخذ المثقف والحال هذه صورة المتعلم والخبير الذي يحتل مرتبة متميزة عن سواد الشعب تخوله أن يكون موجها للحراك الاجتماعي، وأحيانا قيما عليه. شرخ أول في مسار القطيعة بينه وبين الشعب.

بعد الحرب العالمية الثانية، وفي سياق حركات الاستقلال وانتشار الفكر الثوري، لا سيما في صيغته الماركسية المبتسرة، ونشوء تيارات حزبية جديدة، ارتبطت صورة المثقف بالمتعلم – في أي من ميادين المعرفة بما فيها الميدان العسكري- شرط أن يكون ملتزماً الشأن العام من منظور تحول اجتماعي جذري (تلخص بشعار «الحداثة» على ابهامها) يشمل، بحسب الاتجاه المأخوذ به، أصعدة متنوعة: العدالة الاجتماعية، تحديث الاقتصاد والتعليم، قيام مجتمع مدني توحده المواطنة بديلة عن الانتماءات الدينية والطائفية والقبلية، بلورة الانتماء القومي العربي في مؤسسات إقليمية أو شاملة.

وراثة المجددين

هذه الفئة الأخيرة المتعددة الوجوه ورثت موقع كبار المجددين النهضويين، من الطهطاوي والشدياق وبطرس البستاني وعلي مبارك إلى المويلحي وجبران وشبلي شميل … ثم إلى العقاد وطه حسين وأحمد أمين وغيرهم. وقامت بعمل متميز في مجالات شتى بما فيه المجال السياسي (سعد زغلول). ويجدر التذكير أن محصلتها العامة هي المؤونة التي لا نزال نغتذي بها فكرياً في سنواتنا العجاف حيث تدهورت الثقافة وأحكم الخناق على الحراك الاجتماعي. غير أنه يجدر التنبيه أيضا إلى انزلاق ترتبت عليه نتائج خطيرة. إذ لم ترث هذه الفئة مواقع النهضويين فقط بل ورثت أيضاً مفهومهم لدور الثقافة والمثقف، كما استخلصوه بشيء من العجالة من تنويريي القرن الثامن عشر ممن بشروا بالثورة الفرنسية، أي كونه مربياً وموجهاً وقائداً – وليكن «ملهماً»- للشعب: مقولة شرع لها الشعر بسلطته المعهودة على لسان أحمد شوقي إذ تغنى «كاد المعلم أن يكون رسولا». فالثقافة عندهم هي التي تبني المجتمع الحديث اقتصادا وبنى جمعية ومؤسسات سياسية وصولا إلى الديمقراطية المنشودة، أو هكذا بدت لهم في قراءتهم للنموذج الأصلي، فكر التنوير الغربي. وهي قراءة تبسيطية إلى حد كبير. إذ أن مثقفي الغرب، وعلى رأسهم أركان التنوير، لم يكونوا يوما حجر الزاوية في قيام الديمقراطية الغربية. فهذه بدأت تتبلور منذ القرن الثالث عشر على يد مجموعات مدنية رسخت مواقعها الاقتصادية ثم الفكرية تجاه السلطتين القائمتين آنذاك، الكنيسة والملكية، ومهدت الطريق لبزوغ «البورجوازية» التي راحت تحتل حيزا متناميا في الميدان العام، بحيث ساهمت بشكل حاسم وبعد تراكم طويل في نجاح الثورة الفرنسية. وبكل تأكيد كان للمثقفين دورهم في هذه العملية الطويلة الأمد، ولكن لا كمنطلق للحراك بل كرديف له، يحلل ويستنتج ويستشرف المستقبل، منبهاً إلى العثرات ومشيراً إلى المحفزات. فالحراك عصبه الفئات الاجتماعية الفاعلة، التي حين اتسعت دائرتها، أصبحت تشكل «الشعب» بمعناه الحديث.

حين اضطلع المثقف بدور «العقل المدبر» لحراك اجتماعي يقوم بسواعد الشعب تفرد عمليا بمسؤولية هي أصلا مسؤولية الشعب. شرخ ثان في العلاقة بين الشعب والمثقف. ولا شك أن ما حفزه على تبني هذا الدور حتى النهاية تصور أخذت به أوروبا، رآسمالية كانت أم اشتراكية، يقوم على التأطير السياسي الصارم للقوى الشعبية على اختلاف نشاطاتها وأجيالها. تأطير أصبح علماً بذاته في الاتحاد السوفياتي كما في ألمانيا النازية، ولا يخفى كم اقتبسنا منه بخاصة في ظل الحركات الثورية. هكذا وضع المثقف نفسه، وبغض النظر عن نواياه، في موقع منفصل عن الشعب وفوقه. وضع حرج لا يدوم إلا في حالات استثنائية تشهد تماهيا بين الشعب وقيادته (الفترة الناصرية) وسرعان ما تنقضي. على هذا النحو اتسعت الفجوة بين المثقف والشعب، فأعرض هذا عن ذاك ولجأ المثقف أحيانا إلى العزلة وربما ارتمى في اليأس، إن لم يتمترس في برج عاجي مستكينا إلى «ثقافوية» متعالية، سلط عليها الضوء ياسين الحاج صالح بنظرة ثاقبة عادلة (مقالات صدرت في الصحافة في سياق جدال حول أدونيس). ذلك المثقف هو الذي قامت الثورة بدونه.

وتفاقمت الحال حتى الكارثة حين تفرد بالحكم مثقف من نوع خاص، هو المثقف العسكري المسلح بعنف السلاح أولاً وأخيراً. أزاح عن المسرح كل مثقف لا يأتمر بأمره واكتفى بمن قبل، عن قناعة عمياء أو عن حس انتهازي، أن يكون رديفاً له يؤول للشعب حكمة السلاح ويؤطره في منظمات «ثورية» جوفاء إلا من بقايا شعارات بائدة. ذاك أخيراً المثقف الذي قامت الثورة ضده.

انفجرت ثورة الشبيبة من ذلك الزخم الذي لم يدرك المثقف الشريف أنه مصدر التغيير الحقيقي، والذي خشي المثقف المسلح انفلاته فساهم حمقا باحتقانه. أما الشبيبة «المثقفة» فقد مكرت بالثاني متعالية على خوفها، وأفادت بوعي كبير من خبرة الأول ونضاله دون أن تسلمه زمام أمرها. ولم يتلمس ما يعتمل في وعيها وإرادتها إلا بعض المثقفين القلائل في ظروف استثنائية، وعلى رأسهم روائيون يمثلهم في نظري أفضل تمثيل عبد الرحمن منيف الذي زهد بالسلطة بعد أن اختبر السياسة من موقع قيادي فانزرع في الوعي الشعبي ليصوغ منه وبه رؤيته الحداثية المتميزة (يا لروعة روايته «النهايات» !). ومنهم أيضا نجيب محفوظ و وكذلك جمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم في بعض أعمالهما،من دون أن أنسى حدس جبران المتخفي تحت صوفية موهت على القارئ فكره الحي. يكفي أن نعيد قراءة هؤلاء وغيرهم بعيدا عن منظور «واقعية» بائسة سترت نسغ الحياة في أدبنا بدل أن تعلنه.

إن صح هذا التحليل، فإنني أرى في ثورة الشبيبة، ومن دون أن انجرف إلى تفاؤل ساذج، إعادة تأسيس للنهضة لتقف على قدميها – ربما كما اعتقد كارل ماركس أن فيورباخ أنجزه في الفلسفة. لم تأت طفرة – فلا وجود للطفرات في علم الأحياء- تنسخ جهد قرنين من النضال والتفاني، بل أعادت تركيب مساره ليستوي سليما على قاعدته الطبيعية هي الشعب، وما المثقف إلا منه ومعه على المستوى نفسه وإن اختلفت الوظائف. لن يكون هذا المسار نزهة ترفيهية، إنه محفوف بالاخطار والمصالح المتضاربة، فالحرية مغامرة رائعة لأنها تسير دائما على شفاالمأساة.

بذا تكون هذه الثورة – إلى جانب انجازاتها الكبرى- قد هدت المثقف إلى موقعه، إلى دوره الحقيقي. دور أشار إليه الفكر الغربي في ذروة تحوله الاجتماعي في نهاية القرن التاسع عشر، عندما استحدث كلمة intellectuel/intellectual للتدليل على نمط خاص من ذوي ثقافة قد تشمل الفنان والأديب والفيلسوف والمفكر والعالم والخبير في كافة المجالات وتتجاوزه في آن. تعبير لا تدل عليه كلمة «مثقف» المطاطية والمجردة، وإن أجزت لنفسي تحديداً له لاقترحت «العامل المستقل في الميدان الفكري الملتزم بالمصلحة العامة». ذلك أن هذا النمط من المثقف يمتاز بأنه مستقل في معاشه المادي وفي تصوره الإبداعي عن كافة المؤسسات التقليدية، رسمية كانت أم دينية أم اقتصادية أم حزبية، مستقل ومجرد من أي سلطة يفرض بها نفسه على المجتمع إلا سلطة الرأي والبصيرة. ببصيرته المنزهة عن المنفعة الشخصية وعن شهوة سلطة لا يملكها، يساهم بوصفه مجرد مواطن في التحول الاجتماعي من موقعه الشخصي ووفق قناعاته ورؤيته للعالم، مهما كان حظه من الصواب والخطأ. وإن شاء أن يضطلع بمسؤولية سياسية احتكم كغيره لصوت المواطنين، فيستمد سلطته من الشعب لا من كونه مثقفا، وقد يحالفه النجاح أو الفشل.

تمثلت ثورة العقد المدني خير تراث نهضتنا متجاوزة هفواتها من تشنج عقائدي وسلطوية فردية أو فئوية واستسهال للعنف وانبهار بالآخر أو نبذه، لتبني مجتمعاً متآلفاً على تعدديته تتفتق فيه مواهب الأفراد لتتضافر في سبيل تكوين مجتمع حر مؤسس على المواطنة ومنفتح على كل ما هو إنساني. وأفضل ما يشهد على وعيها النبيل نبذها للعنف حتى حين تقع ضحيته، لا ولعا بالشهادة بل حباً بالحياة وفداء لكرامة الأجيال القادمة – فعلى أرواحهم أندى سلام ولاسمهم المجد ! هذه الثورة هي التي أعفت المثقف من «رسولية» أرهقته بقدر ما أرهقت المجتمع وحررته من شطط كثير، ولكنها ائتمنته على النهوض بتواضع بدوره الطبيعي الجليل الذي به تكتمل إنسانيته كفرد فيما تساهم في أنسنة المجتمع بالتواشج السوي مع كل مواطنيه. أليس في ذلك اكتمال الحرية؟

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...