الرئيسية / كتاب الانتفاضة / جمال صبح / شتائم “إلهية” في حضرة حزب الله/جمال خليل صبح

شتائم “إلهية” في حضرة حزب الله/جمال خليل صبح

في حادثة لم تتّضح روايتها بعد يُخبر نشطاء عن شجار وقع في منطقة سورية ساخنة، بين مليشيات طائفية تابعة لبشار الأسد، وعناصر من “حزب الله” اللبناني، وصل حدّ رفع السلاح، وذلك إثر قيام بعض الشبيحة بشتم الذات الإلهية بعد تلاسن بدا أنّ له علاقة بإمتعاضٍ أبداه مقاتلو الحزب “الإلهي” من “إلتهاء” القوات الأسدية المرافقة بأعمال السّلب والنهب في بيوت قريبة، فيما هم مرابطون يتصدّرون المشهد أمام كتائب “الجيش الحر” المقابلة. بمعزلٍ عن صدق الرواية من عدمها، إلا أنها لا تبدو “مستحيلة”، خصوصاً لمن عاش وخبر طبائع وسلوكيات أفراد أجهزة الأمن والمخابرات في سوريا الأسد، المسوّرة بالإرهاب والخوف التي أرسى دعائمها الديكتاتور الراحل بودائع العنف التي تنفجر في وجوه السوريين الآن، ومنذ سنتين.

 الحادثة تبدو محرّضة على أسئلة ثقافية وإجتماعية-نفسية في وجهتين على الأقل. تتعلق الأولى بدلالة الكلمات واللّغة المنطوقة في طبقات الوعي العميقة التي وسمت أعضاء وأفراد الأجهزة الأمنية خصوصاً، والعسكرية عموماً في سوريا، من جهة العلاقة مع “الله/الرب”، إبتداءً من مرحلة الأسد الأب وإنتهاءً بالمرحلة الراهنة للوريث الإبن. أمّا الوجهة الثانية فتذهب نحو طبيعة تلك العلاقة التي تجمع مليشيات الأسد مع مقاتلي “حزب الله”. الطرفان يبدوان على تناغمٍ ظاهر، بينما يعتملان على اختلافات عديدة وعميقة، لا تبدأ في العقائد ولا تنتهي عند السلوك.

لا يخفى على أحد بأن أجهزة الأمن والمخابرات التي أسسها حافظ الأسد بعناية فائقة، تضم نسبة كبيرة من أبناء الطائفة، بمختلف مشاربهم “الطبقية” و”العشائرية”، وبشيء من “التوازن المحسوب” لضمان الولاء والإشراف على مشروع “التأديب” و”العقاب” الخاص بالشعب السوري، وبطرائق وحشية أريد منها أن تفارق معادلة “العقوبة والفعل” لتؤسّس لتجارب رضيّة عميقة في نفوس من قُيّد له الوقوع بين أيدي وحوش صُنعت على مهل. ففضلاً عن أساليب التعذيب الجسدي، التي تذهب بعيداً في السادية والوحشية بحق المعتقلين، هناك شهادات متواترة عن كمّ كبير من الإهانات اللفظية التي يمطر بها “الجلادون” ضحاياهم، لا تقف عند حدود السُباب الشخصي والإهانات الجنسية بحق الأقربين، بل تذهب أيضاً صوب “موضوع” آخر، صوب الإله/الله، الذي عُومل كشيء “شخصي” يخصّ المعتقل/الضحية وحده دون سواه، وأخذ ما أخذ من حقّه في السُباب والشتائم الجنسية المبتكرة والموغلة في التجديف.

 اعتمد الديكتاتور الأب، في بنائه لجمهورية الخوف، على الطائفة في المدماك الأمني والعسكري، وتم تطييفه بشكل تراتبي مُحكم، وكان جادّاً في صناعة “علوي” خاص به، وبمشروعه السلطوي الكبير. هذا المشروع تطلّب حرمان الفرد الطائفي من أي سند روحي أو ديني يمكن الرجوع إليه عند الضغوط الحياتية والوجودية، الشخصية منها والوطنية. عمل حافظ الأسد على استنساخ “علويين بلا دين”، بما يمثّله التديّن من بعد مرجعيّ، ونظام قيمي أخلاقي وروحي معيّن، يمكن الاستناد إليه في ظروف تعجّ بالمتغيّرات والقلق. وخلافاً لبقية أبناء الطوائف في سوريا، لم يكن هناك مكان ديني خاصّ بهذا “العلوي” المتشكّل. لم يكن للعلويين “الجدد” علاقة تُذكر بطقوس وأماكن دينية معينة، بما فيها ذلك المكان الأكثر حميمية للمسلم، أينما وُجد في أربع جهات الأرض: الجامع. الجامع كان، بالنسبة إلى عناصر الأمن والمخابرات العلويين، كأي مكان آخر، هدفاً للتجسّس والتنصت وعدّ أنفاس المصلين والخطباء. إنه مكان أمني للمراقبة والسيطرة يخصّ الآخرين وحدهم. هؤلاء الآخرين تم حشرهم في طابع طائفي موحّد، أصمّ وذي لون واحد: السنّة. لم يتم عبر ذلك تأسيس علاقة مرتبكة مع الدين والمتدينين/الآخرين فقط، بل طاولت الأزمة العلاقة مع “الإله” نفسه، ذلك المتعالي الذي لم تعد صورته تستبطن شيئا ذاتيا، كما ترتسم في وجدان المؤمن الفيّاض بالمشاعر. تلاشت صورة الله “الأنا/نحن” شيئاً فشيئاً لتحل مكانها صورةٌ أخرى، إنه “الله”، إله “الآخرين”، المحكومين بالحديد والنار. في مشهدٍ ملتبسٍ كهذا، لم يكن “التجديف” سوى وجه من وجوه السلطة وتجلياتها عند المريدين، حتى وإن بدوا أبناءها البررة.

 مسيرة سلطوية كهذه كانت في حاجة إلى “حُلول” آخر، محل الإله الغائب عند الأتباع. ليس هناك من تأكيدات في الحقل البيبليوغرافي الشخصي الذي تركه حافظ الأسد، ما يؤكد نيّته اعتلاء عرش الآلهة، بعد صعوده الواثق مراتب الديكتاتور الأوحد. إلا أن احساسه العميق بالإسثنائية والسطوة، كصانع للقدر “الطائفي” كان يبثّ في روحه رياحاً ألوهية جبّارة. لعل فترة الثمانينات، وما تلاها من تحوّلٍ في صورة حافظ الأسد داخل الطائفة العلوية، هي المحطّة الأبرز والأكثر وضوحاً على هذا الصعيد. إذ بانتصاره السّاحق في حماة بعد الإبادة الماحقة الشهيرة، وتدبير البيت الداخلي للنظام وعلاقته بالمحيط الدولي على نحو أفضل، بدا حافظ الأسد خارجا من سوريا كخروج موسى من التيه بالمعنى الأسطوري العام. كل شيء كان جاهزاً للخطوة الأخرى، “تأليه الديكتاتور”، الخوف والسرد التاريخي وروايات المظلومين، الإمساك بالبلد ومفاصله بإحكام يكاد يكون مطلقاً، ماكينة إعلامية مستحوذة على الفضاء العام بكل تلابيبه، بطانة جمعية “علوية” تبحث عن بطل مخلّص، الآخر/المجتمع وقد استسلم لوقائع الإرهاب والعجز والإحباط. ورغم أن حافظ الأسد كان “أكثر من مخلّص وأقل من إله” في عيون عوام العلويين على الأقل، إلا أنه بدا في التسعينات من حكمه كالآلهة المتجسّدة، التي تحيي وتميت بجبروتٍ مفارق للإنساني بأشواط.

وهكذا، في غياب آلهة أخرى، تم استبطان صورة الديكتاتور كبُعد إلهي استدعته الحاجة مع الضرورة، وإقتضته الوقائع النفسية والإجتماعية. كان تمجيد “الإله الجديد” يقود بالضبط إلى طرد الآلهة الأخرى وتشويهها، وإعمال العنف فيها، لفظيا وذهنيا. مع المضي في تأليه حافظ الأسد، كان “إله” الآخرين يعامل معاملة المؤمنين به تماماً، من ضُروب العنف إلى السّباب والشتائم، الجنسية وغيرها. وقائع العلاقة الطردية بين “تأليه” الديكتاتور واستفحال العنف اللفظي ضد “الله”، كانت تجد مرتعاً واسعاً لها في أقبية المخابرات وأفرعة الأمن والسجون الوحشية، وبتواتر يصل حدّ الجنون.

 رحل الديكتاتور تاركاً رصيداً كبيراً من “التأسيس” الإلهي المرعب، وجمهوراً أمنياً ومخابراتياً أصيل التكوين، نفسيّاً وإجتماعيّاً. ورغم القيام ببعض التغييرات في هياكل أمنية ومخابراتية، لتكون برّانية الطابع من أجل تسيير عملية التوريث على قدر كبير من السلاسة والحذاقة، إلا أن ميراث وتقاليد أفراد هذه الأجهزة في العنف المنفلت بكل طبقاته، واللفظي في مقدمتها، بقيت كما هي وتطورت لتدخل حيّزاً فاق التصور منذ إندلاع الثورة التي يبدو أنها فاجأت الجميع. يكفي تتبّع سلوكيات قوات الأسد ومليشياته أثناء وبعد إقتحام البلدات والمدن السورية الثائرة، حتى نحصل على صورة “رهيبة” عن طرائق الشتم والسباب والإهانات المبتكرة التي عصفت بـ”الله” المتخيّل ملكاً للآخرين ورموزه على المستوى الديني. فخلال إقتحامات البيوت في مناطق عدّة، لُوحظ قيام المليشيات الأسدية بإطلاق العنان للّعنات والشتائم الإلهية بتواتر ملحوظ. لم يكتفوا بذلك، بل كانوا يقومون بحفلات الشتم في الحارات والشوارع، من أجل إسماع سكان الأحياء المقتحمة والإعمال في إهانتهم. قُصفت المساجد بلا رحمة، وتسلّت قوات الأسد بالمآذن، فأوقعت العشرات منها على مرأى من الجميع. بعض المساجد عِيث فيها فساداً، وقُدحت فيها أكواب الحكول وارتفعت فيها أغاني اللهو، جامعةً فيروز وعلي الديك بضربة واحدة! روايات أخرى تحدّثت عن إغتصاب وتعدّيات جنسية عديدة قامت بها قوات الأسد في تلك الأماكن “الدينية” أيضاً، فضلاً عن تحوّل العديد منها إلى مراكز إحتجاز مؤقتة تُرتكب فيها الفظاعات. مقاطع فيديو نُشرت، يظهر فيها تعدٍّ واضح على جثث الشهداء وقتلى العمليات العسكرية من الثوار، وبشتائم “إلهية” جنسية مقذعة. أما ما يحصل في مراكز وأفرعة الأمن والمخابرات “الرسمية” من إنتهاكات كبيرة وسُباب “إلهي” متواصل، قبل، أثناء وبعد حفلات التعذيب الوحشية، فحدّث ولا حرج. نحن أمام “ظاهرة” فريدة من التنكيل العميق، ثقافيا، إجتماعيا ونفسياً.

لا تنبع ظاهرة “الشتائم الإلهية” من أصول إجتماعية-سياسية فحسب، بل يمكن أن تكون إحدى أمارات الإضطراب النفسي عند الأفراد أيضاً، بغض النظر عن الفلسفة الوجودية في عقول الشتّامين حول العلاقة بين الإنسان والله، أو حتى بمعزل عن إيمانهم ودرجات تدينهم ودور الدين في حياتهم وسلوكياتهم. بعض الإضطرابات النفسية، كالفصام مثلاً، يمكن أيضا أن تفعّل إتجاهات لفظية عدائية تتخذ من التجديف “موضوعاً” لها، خصوصاً في حال كانت الضلالات/الأعراض ذات المحتوىً الديني عن علاقة متخيّلة بالتخاطب مع الآلهة وإدعاء التواصل بطريقة تتملك عقل المريض، وبضراوة لا يمكن تفنيدها. في إضطراب “الوسواس القهري” نجد أيضاً إحتمالاً آخر، تشكّل فيه أفكار “السُباب الإلهي” بعضاً من تلويناته، وإن بقيت محصورة ضمن النطاق العقلي الداخلي للمريض، دون خروجها للعلن. يمكن أيضا ملاحظة بأن الأشخاص الذين لا يستطيعون التحكم في أعصابهم وينفجرون بالغضب في مواقف إجتماعية معينة، يظهرون أيضا “لعنات إلهية” في لحظات إندفاعية من غياب التعقّل والرّوية. عموماً، يمكن أيضاً القول بأنه كلما كان المستوى التعليمي والإجتماعي-الإقتصادي منخفضاً، كلما كان إحتمال “إطلاق” العنف اللفظي المتضمن شتائم إلهية وجنسية مرتفعاً. فالبيئات الفقيرة والمحرومة، مادياً، إجتماعياً وثقافياً تكون أكثر عرضة لكهذا نوع من العنف، بالمقارنة مع البيئات المغايرة. على العموم، يجب التأكيد، أن هذه الظاهرة ليست محصورة في رجال الأمن والمخابرات ذوي الخلفية الطائفية التي تحدثنا عنها سابقا، فالغضب وتجلياته اللفظية تكاد تكون عابرة للأديان والطوائف والدرجة الإجتماعية والتعليمية أيضاً. بالطبعن للظاهرة آباء كثر، كذلك من المرجّح أن يكون لعامل السّلطة العنيفة التي أسّسها الديكتاتور البائد ومضى في غيّها أبناء مهمشين وفقراء من الطائفة، الدور الأبرز فيها، مع عدم إغفال عوامل وتأثيرات عديدة كالتي سبق الحديث عنها.

 في سياق سلوكي وذهني-عقائدي كهذا، تبدو علاقة مليشيات وقوات الأسدن بقوات “حزب الله” علاقة شائكة، لا يمكن فيها الركون فيها إلى المتشابهات، وهي ليست واضحة، ولا إلى الإختلافات، وهي ليست بسيطة في تقديم تفسيرٍ مقنعٍ للجمع بين كيانين متمايزين. فما الذي يجمع قوات شبيحة الأسد الرعناء، المسلوخة عن التدين، شتّامة “الله”، بأخرى أكثر إنضباطاً وتديّناً، تتخذ من ذات الموضوع-الهدف (الله) إسماً لها؟ الإختلافات لا تقوم دوماً وأبدأً على أصول دينية تقليدية كالتي يختلف بها “العلويون” عن “الشيعة” الإثنى عشرية مثلاً، وإنما تقوم على ميكانيزمات وأسس السلطة التي تم تأسيسها في كيانات “تابعة”، إجتماعيا ونفسياً، سواء داخل المؤسسة العسكرية والأمنية في سوريا الأسد، أو داخل “حزب الله” نفسه. وقد يجانب الصواب أيضاً بأن أهداف الشركاء المتباينين لها سحرٌ أكبر من إختلافاتهم، وإن كانت عميقة. بهذا تصبح معركة وأد الثورة وإخضاع الثوار بكل الأشكال الهمجية المتاحة، مشروعاً كبيراً، يتخطى ما يفرّق ولا يقف عند صغائر الأمور، خصوصاً تلك التي يبدو فيها “الله” مطيّة المتحاربين، تماماً كلعبة بائسة في يد طفل صغير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...