الرئيسية / كتاب الانتفاضة / محمد أبي سمرا / “شعوب الشعب اللبناني” لحازم صاغية وبيسان الشيخ : الحرية السياسية المتوحشة على مثال حربي/ محمد أبي سمرا

“شعوب الشعب اللبناني” لحازم صاغية وبيسان الشيخ : الحرية السياسية المتوحشة على مثال حربي/ محمد أبي سمرا

 

 

في كتابهما “شعوب الشعب اللبناني – مدن الطوائف وتحولاتها في زمن الحرب السورية (“دار الساقي”، بيروت، 2015)، يجمع حازم صاغية وبيسان الشيخ تحقيقات واستطلاعات ميدانية قاما بها “بين اوائل العام 2013 واواسط 2014 في مناطق (من) لبنان”، فبلغت “13 جولة صحافية، بدأت بطرابلس وانتهت بمرجعيون، ونُشرت (تباعاً) في صحيفة الحياة”. قادهما الى ذلك “اقتناع بأولوية العمل الميداني”، وسأم من “تهالك افكار كبرى” متقادمة صارت من سقط الكلام الذي يطرح على الوقائع والخبر عنها والتأريخ لها، قناعاً صفيقاً من اكاذيب وغرضيات وخرافات تؤدي الى الجهل في “فهم ما يجري حولنا وتحت اقدامنا”، على ما اشار الكاتبان في مقدمة الكتاب.

يجمع هذا العمل شذرات من معرفة واسعة بالتاريخ الاجتماعي و”السياسي” والانتخابي النيابي والعائلي والحزبي، وبالصراعات والمنازعات والتحولات، في المناطق اللبنانية وحواضرها أو مدنها وبلدانها المحلية، وخصوصاً المسيحية (زغرتا وبشري وزحلة والبترون وجزين) منذ القرن التاسع عشر حتى نهايات القرن العشرين وبدايات الالفية الثالثة.

تشكل الحروب الأهلية الملبننة، بعواملها الاقليمية، الفلسطينية والسورية والعربية، معطوفة على العوامل الداخلية المحلية اللبنانية العامة، بؤرة أساسية حاسمة في تأليف الكاتبين بورتريهات ولوحات بانورامية موضعية للتحولات التي عاشتها المناطق اللبنانية، وصولاً الى أثر الحرب السورية الراهنة في هذه المناطق.

العائلات والفيض الجماهيري

شذرات السرد التأريخي الموضعي المتقطع لأحوال الاجتماع “السياسي” الأهلي المحلي على المدى الطويل، تمازجها روايات متقطعة لعشرات الأشخاص من أهالي المناطق والمدن والبلدات التي تُروى وقائع من تواريخها المحلية ومحطاته وتحولاته. ويخلص صاحبا هذا العمل الى أن ما يضرب المجتمع اللبناني من “انهيارات” و”تفتّت” راهنين، “ينحطان به الى سوية شعوب يصعب أن تجتمع على شيء كما تجتمع على تناقضاتها” التي ينجم عنها شظايا “تواريخ محلية، بعضها القليل مشترك، وبعضها الكثير متنافر”. التواريخ المتشظية هذه، هي ما يرويها كتاب “شعوب الشعب اللبناني” الذي تقوم البنى العائلية والقرابية مقام الركن من الاجتماع والسياسة فيه، لحيازة القوة والتصدر والسلطان في الأحياء السكنية والهيئات والأطر المحلية في القرى والبلدات والمدن، وفي العمل والوظائف العامة والانتخابات النيابية، وفي الانتساب الى غرضيات حزبية يُفترض أنها تتجاوز الانقسامات العائلية والقرابية.

حتى اواخر الستينات من القرن العشرين ظل هذا الركن للاجتماع والسياسة قادراً على تصريف الانقسامات والنزاعات والتنافس في الأطر المحلية، وفي مؤسسات الدولة والحكم، لكن على مثال تسويات ومساومات ومناكفات عائلية وأهلية موقتة، من دون أن تخلو من “حروب صغيرة” دامية (كما في زغرتا وبشري، وبين أهدن وبشري، مثلاً). لكن هذه التسويات والمساومات التي نفر منها فؤاد شهاب في عهده الرئاسي (1958-1964)، وحاول تأطيرها في أجهزة الدولة والحكم وفشل في محاولته، سرعان ما انفجرت في خضم ولادة ما يمكن تسميته فيضان الظاهرة الجماهيرية المنفلتة والمتذررة طوفاناً في المدن وضواحيها، ما بعد حرب 1958 الطائفية. فطوال الستينات والسبعينات نشأت تلك الظاهرة الجماهيرية واصطفافاتها الأهلية والمناطقية المحتقنة في المدن والضواحي، وما إن داخلها ولابسها انتشار سلاح المنظمات الفلسطينية، حتى انفجرت حرباً أهلية طائفية، ارتدّت من ضواحي المدن الى البلدات والقرى في المناطق. وكان أن تولّى نظام حافظ الأسد إدارة “السلم الأهلي” اللبناني “البارد”، فأداره على مثال اصطفافات وحروب أهلية مخابراتية هاجعة بين الطوائف والمناطق وفي مؤسسات الدولة والحكم، تاركاً لـ”حزب الله” و”حركة أمل” خوض حروب بالوكالة عن سوريا وإيران ضد إسرائيل، طوال التسعينات حتى حرب “الوعد الالهي” في 2006.

وفي خضم هذه الحروب سيطرت المنظمتان الأهليتان المسلحتان على الطائفة الشيعية وحوّلتها خزاناً عسكرياً لمجتمع حرب لا تتوقف عن بعث الشقاق الأهلي والطائفي بين الجماعات اللبنانية. وهو الشقاق الذي توسع واشتد في خضم مشاركة “حزب الله” في الحرب السورية، دفاعاً عن نظام بشار الأسد.

مرجعيون بلا سياسة

كتاب “شعوب الشعب اللبناني” يروي وقائع هذا المسار المديد وتحولاته ومنعطفاته التفصيلية كما عاشتها وانخرطت فيها المناطق اللبنانية وأهاليها: في صيدا وطرابلس وكسروان وزغرتا وبشري والنبطية وجزين وبعلبك وزحلة وصور والبترون والشوف، وأخيراً في مرجعيون التي “تكره السياسة”، على ما ورد في عنوان الفصل الخاص بها من الكتاب. “مقت” مرجعيون السياسة يتغذى من مصادر كثيرة، منها أنها دفنت “الأمّيّ الأخير” فيها في العام 1932، ومنها أن “شعبها” في معظمه في بلاد الاغتراب، ولم يبقِ الدهر من آثاره في البلدة سوى بيوت القرميد الجميلة المهجورة إلا من رجال ونساء مسنين منفردين. هل الهجران من الديار وحده يشفي اللبنانيين من تناسل حروبهم، ومن الاجتماع والسياسة على مثال حربي؟! وهل كراهية السياسة والنأي منها، هما سبيل اللبنانيين الوحيد الى الخروج من فوضى حريتهم السياسية المتوحشة على المثال الحربي؟

النساء بلا مثال حربي

وحدهن النساء في لبنان يعشن خارج هذا المثال. لذا يلاحظ كاتبا “شعوب الشعب اللبناني” أن “النساء اللواتي يتحدّثن في الشأن العام، نادرات”. والحق أن هذه الملاحظة يمكن حملها على خلاف ما حملها عليه الكاتبان، ما دام ما يقومان بالسؤال عنه واستنطاق رواياته من الشهود والرواة الكثيرين، هو الاجتماع “السياسي” الأهلي الذي تقوم “حروب الاستتباع” مقام الركن من السياسة فيه.

فالمنوط بالنساء في المجتمعات العربية، ومنها المجتمع اللبناني، وإن على تفاوت واختلاف، هو تجديد النسل والنسب والعصبية. وهذه، مع الهوية وحيازة القوة والسلطان، هي مادة السياسة التي تُنحّي النساء الى دور أرحام صامتة أو خرساء، يناط بالرجال تلقيحُها وحرثها واستنباتها، لإقامة الاجتماع على مثال حربي، حتى في أزمنة السلم.

وإذ كان للنساء في لبنان من دور يتجاوز الأرحام الخرساء، فإنه دور فني وجمالي محدث، تزامنت ولادته مع هبوب نسائم الحداثة الغربية على المشرق، فتلقفها المسيحيون قبل سواهم من الجماعات. وفي بيروت تخالطت وتهجّنت شعوب وأقوام وجماعات، كانت الحروب والهجرات، قد فككتها على نحو أدى الى ولادة مدينة وفردية “موقوفتين”.

جاء ذلك مخالفاً لسياسة القوة والسلطان والاجتماع على مثال حربي. فما تنشئه الحداثة والمدنية والفردية – حتى الموقوفة والجهيضة – يستمد مادته ومثاله من الهشاشة والاصطناع والرغبة والتخييل وجماليات التعبير الفني والأزياء والمزاج الشخصي والحياة الخاصة. وهذه كلها تنأى عما يؤرخ له ويرويه كتاب “شعوب الشعب اللبناني” روايات متشعبة، تستعيد ملامح من مجتمع “لبنان الصغير” و”دولة لبنان الكبير”، وصولاً الى “لبنان الحزب الإلهي” السائر حثيثاً الى “دولة” قوامها الحرب والاستتباع، لإتمام “الزحف” الإيراني الجهادي “المبين” في العراق وسوريا واليمن. وهو زحف توتاليتاري يستنهض نظيره ومكافئه الجهادي في “دولة خلافة” صحراوية وسواها من إمارات الجهاد الحربي.

لكن نأي الكتاب عن اقتفاء أثر المثال الخارج على مثال سياسة القوة والسلطان والحرب، ليس من عيوبه، بل هو توكيد لقوة ما يؤرخ له ويرويه ويستطلع حضوره الحي في مجتمعات الشعوب اللبنانية في أزمنة الحرب والسلم.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...