الرئيسية / صفحات الرأي / شهادة “باتريك سيل”

شهادة “باتريك سيل”


د. طيب تيزيني

من سقوط بغداد عام 2003 بيوم واحد، أعلن كولن باول، على شاشات تلفازية، الرسالة التالية إلى سوريا: على دمشق أن تتقن الدرس البغدادي، كانت تلك “الرسالة” مفعمة بالصلف والوقاحة والتهديد، إضافة إلى إنذار واستفزاز لعموم الشعب السوري. وفي اليوم التالي، كتبت “بياناً” بخط اليد، ووزعته بألوف النسخ، أما العنوان الذي حمله هذا البيان، فكان التالي موجهاً إلى السلطة: سارعوا، وافتحوا أنتم الدائرة، قبل أن يفتحها الأغيار، ولكن حين يتم ذلك، تتباكى أصوات كذباً ورياءً، مُعلنين أن “المؤامرة الخارجية” دبرها “الاستعماريون” انتقاماً منهم، أي من الحاكمين في البلد.

كان الأسى والغضب قد عما في سوريا، كما في العالم العربي كله، رداً على احتلال العراق بذريعة زائفة، هي حيازته “أسلحة دمار شامل” وعلى الرسالة الاستعمارية التي وجهها “باول” إلى سوريا، وراح الشعب السوري يطالب بضرورة “فتح دائرة بلده” هو نفسه، وذلك عبر إعلان وطني شامل، عن بدء الانخراط في مشروع إصلاحي وطني ديمقراطي، قد يؤسس لمقدمات أكبر وأعمق لهذا المشروع بحيثياته الكبرى: النهضة والتنوير والحداثة، كما العدل والحرية والكرامة، يداً بيد مع تعددية في السياسة والثقافة والخيارات الوطنية.

وانطلق حوار سوري وعربي (ودولي بحدود أولية) حول ضرورة القيام بتلك المهمة التاريخية، بيد أن هذا الأمر لم يتحول إلى تيار عميق شعبياً، وظل – على صعيد النظام الحاكم – حالة غير مرحب بها، فاستمرت “الدائرة” مغلقة بالعموم، مفرطاً – بذلك – بالفرصة التاريخية العظمى لإنجاز المهمة الكبرى المعلقة، وعاد النظام الأمني (الدولة الأمنية) إلى سابق عهده من التغول في شؤون البلد، وكان من ذلك ما دفع الباحث الصحفي البريطاني والمتعاطف مع الشؤون العربية “باتريك سيل” إلى كتابة مقالة نشرها في صحيفة “الحياة” اللندنية بتاريخ 2-5-2003، قال الكاتب: “إنه في 21 أبريل من عام 2003 نشرت (أخبار الشرق) أن السيد طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة المعروف في جامعة دمشق، نادى بإجراء حوار وطني ديمقراطي، وناشد السلطة قائلاً: “أتمنى عليكم أن تفتحوا أنتم الدائرة من الداخل، قبل أن تفتحها دولة أجنبية من الخارج”، فلقد اتضح عبر كثير من الآلام والندم – أن “الداخل”، أي داخل، سيبقى قابلاً للاختراق والمهانة والاستباحة، طالما ظلت القوى الفاسدة والمفسدة وعلى رأسها الاستبدادية الظلامية، قادرة على تعطيله، وعلى محاولة الإجابة عن مشكلاته ومعضلاته المتحدرة من الخارج والداخل، في ضوء جدلية الداخل والخارج، إذ بمقتضى هذه الأخيرة لا يستطيع خارج ما أن يخترق داخلاً ما ويستبيحه، إلا إذا كان مهمشاً من قِبل أهله ومُستباحاً من طرف حكامه.

والآن وبعد مرور ثمانية أعوام على ما أتينا عليه، نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام تحذير كولن باول، المأتي عليه والذي قدمه بلغة الثنائية التي طرحها الفيلسوف هيجل: إن المأساة إذا استمرت إلى ما هو أبعد منها صارت كارثة.

والآن وبعد مرور أكثر من ثمانية أعوام على ما أتينا عليه، نجد أنفسنا، من جديد، أمام التساؤل عما إذا أُنجز الجواب السوري المطلوب، وكي ندقق في أهمية وخطورة هذا الإنجاز، علينا أن ندرك إدراكاً عميقاً أن النظام العولمي رفع مشكلات العالم – ومن ضمنه العالم العربي وسوريا ربما في المقدمة – إلى سقفها الأعلى، ومن أجل ذلك، صار ضرورياً أن نفتح مفهوم الزمان التاريخي على النحو التالي، عليك أن تنجز الآن وليس غداً، ما عليك أن تنجزه، لأنك لن تتمكن من أن تقوم بذلك غداً، وهنا يبرز دور المثقفين والمفكرين والأدباء والفنانين ومعهم الشباب الفاعلون ضمن ورشة عمل – هي الوطن نفسه -.

هؤلاء جميعاً وانطلاقاً من حاضنة الشعب السوري الكبير، هم المدعوون إلى فتح “الدائرة السورية” بتوهج وحكمة واقتدار، ابدأوا بتحقيق مطالب أولئك جميعاً في الحرية والكرامة والكفاية المادية، وذلك ضمن دولة مدنية قائمة على التعددية الديمقراطية الخلاقة.

الاتحاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...