الرئيسية / صفحات العالم / شهادة مراسل رويترز عن الإنسانية المهدرة على يد الأمن السوري

شهادة مراسل رويترز عن الإنسانية المهدرة على يد الأمن السوري

 


رويترز

يتضح من شهادة لمراسل وكالة رويترز أن جرائم بحق الإنسانية ترتكب في سوريا التي تشهد احتجاجات ضد النظام.

قدم مراسل وكالة رويترز للأنباء شهادة عما يجري في سوريا من تعذيب للمتظاهرين، قائلاً: “كان الشاب معلقا من قدميه ومتدليا رأسا على عقب وتسيل رغاوي بيضاء من فمه وكان أنينه غير بشري. هذا مشهد من مشاهد كثيرة للامتهان الانساني التي رأيتها خلال استضافتي بالاكراه في المخابرات السورية حين اعتقلت في دمشق بعد أن قمت بتغطية أنباء الاحتجاجات في مدينة درعا بجنوب سوريا”.

وأضاف المراسل: “في غضون دقائق من اعتقالي وجدت نفسي داخل مبنى جهاز المخابرات. كنت في قلب دمشق لكن نقلت الى عالم مواز مروع من الظلام والضرب والترويع. لمحت رجلا معلقا من قدميه اثناء مرافقة أحد السجانين لي الى غرفة التحقيق لاستجوابي. “انظر الى أسفل” هكذا صاح في السجان حين رأيت ما رأيت”.

وأضاف المراسل سليمان الخالدي: “داخل غرفة الاستجواب أجبروني على الركوع على ركبتي وقيدوا ساعدي. يبدو أن تغطيتي للاحداث في درعا حيث اندلعت الاحتجاجات في مارس اذار ضد الرئيس بشار الاسد لم تعجب مضيفي الذين اتهموني بأنني جاسوس. والسبب الرئيسي لاعتقالي الذي قدمته السلطات لرويترز هو أنني لا أحمل تراخيص العمل اللازمة. لم يكن عملي كصحفي لحساب رويترز أؤدي عملي المهني حجة كافية لمن يكسبون قوتهم من امتهان كرامة الانسان”.

وتابع: “وصاح محقق “اذن أنت عميل أمريكي حقير… جئت لتبث اخبارا عن الدمار والفوضى. يا حيوان جئت لتهين سوريا يا كلب.” استطعت أن أسمع خارج الغرفة قعقعة السلاسل وصراخا هستيريا مازال يدوي في رأسي حتى يومنا هذا. مارس المحققون عملهم باحتراف وبلا كلل ليضعوني في حالة من التوتر في كل خطوة من عملية الاستجواب على مدى عدة ايام. وقال محقق اخر ظل يصرخ قائلا “اعترف يا كذاب… اخرس يا حقير … أنت واشكالك غربان بدكم تشوفوا سوريا تتحول الى ليبيا.”

ويقول: “في 18 مارس اذار مع بداية الاحتجاجات في درعا كنت قد عبرت الحدود قادما من الاردن حيث عملت لحساب رويترز لنحو عقدين. قضيت معظم الايام العشرة التالية وأنا أغطي الاخبار من المدينة. واستلهمت الاحتجاجات سقوط رئيسي مصر وتونس فتصاعدت بسرعة الى تحد هائل لحكم عائلة الاسد الممتد من 40 عاما”.

ويمضي: “اعتقلت في 29 مارس في دمشق حين كنت ذاهبا لاقابل شخصا بالحي القديم بالعاصمة السورية. اقترب مني رجلا أمن في ملابس مدنية وطلبا مني الا أقاوم وأمسكا بي من ذراعي واصطحبوني الى محل حلاق الى أن جاءت سيارة بيضاء اللون لتنقلني الى المخابرات. أظهر المحققون اهتماما خاصا بأمرين في تغطيتي وهي أنني كتبت أنني شاهدت محتجين يحرقون صورا للرئيس الراحل حافظ الاسد والد الرئيس الحالي وسمعت هتافات تهاجم ماهر الاسد شقيق بشار وقائد الحرس الجمهوري”.

وتنتشر تماثيل الاسد الاب وصور الرئيس الحالي في الطرقات والمكاتب بمباني جهاز أمن الدولة. شعرت أن مضيفي يريدون أن يقدموا لي بصفتي صحفيا أجنبيا عرضا توضيحيا للاساليب التي يستخدمونها مع السوريين. وكي أعد نفسي لما قد يحدث تاليا وأنقذها من الانهيار التام حاولت تركيز ذهني على ذكريات الطفولة، كما يقول المراسل.

وتابع: “ساعدتني هذه الالعاب الذهنية على تجنب التفكير في طفلي التوأم الصغيرين وزوجتي في الديار بعمان والتي لم تكن لديها اي وسيلة لتعرف اين انا او حتى ما اذا كنت حيا ام ميتا. استمر الاستجواب ثماني ساعات حتى منتصف الليل في اليوم الاول من اعتقالي. كنت معصوب العينين في معظم الاحيان لكن العصابة أزيلت لبضع دقائق. وعلى الرغم من أوامر المحققين بأن أظل خافضا رأسي حتى لا أستطيع رؤيتهم تسنى لي أن أرى رجلا وقد وضعوا رأسه في كيس يصرخ من الالم امامي”.

وأضاف: “حين طلبوا منه أن ينزع سرواله رأيت أعضاءه التناسلية المتورمة مربوطة بسلك بلاستيكي. وقال الرجل الذي قال انه من محافظة ادلب بشمال غرب سوريا “ليس لدي ما أقول لكنني لست خائنا ولا ناشطا. انا مجرد تاجر.” وأصبت بالفزع حين انتزع رجل ملثم زوجا من الاسلاك من قابس كهربائي وصعقه في رأسه”.

وأسهب في سرد شهادته قائلا: “في لحظات أخرى كان المحققون معي رائعين لكنهم ينتقلون سريعا الى الاجواء التي لا تعرف الرحمة والتي بدت كمحاولة منظمة لانهاكي. وهددني أحدهم حين ضربت للمرة الثالثة على وجهي “حانخليك تنسى من انت.” لم أستطع رؤية ما الذي ضربت به. بدت مثل قبضة يد. جلدت على كتفي مرتين خلال احتجازي مما خلف كدمات ظللت أحملها لاسبوع. في بعض الفترات بالطرقة حين كنت أقف وظهري للحائط رافعا ذراعي الى أعلى كان يمر علي ما لا يقل عن 12 من رجال الامن الذين كانوا يدفعونني ويهيلون علي الاهانات. لكن الانسانية كانت تظهر في أسوأ اللحظات”.

ويروي الخالدي: “في احدى المراحل كان المحقق يصرخ ويسبني قائلا “يا كلب” وجاءه اتصال هاتفي على هاتفه الجوال. تحولت نبرته على الفور الى نبرة دافئة وعاطفية، وقال “بالطبع يا حبيبي سأحضر لك ما تريد” ليتحول من اختصاصي تعذيب محترف الى اب حنون. تمددت لفترات طويلة على حشية في زنزانة بلا نوافذ مضاءة ببعض الانوار النيون مليئة بالصراصير التي تابعتها جيئة وذهابا”.

ويواصل سرد قصته: “وتذكرني الصرخات التي أسمعها من وقت لاخر أين انا وما قد يحدث. وضعوني في الحبس الانفرادي وكان السجانون يعطونني قطعة من الخبز الجاف او حبة من البطاطا (البطاطس) وأخرى من البندورة (الطماطم) مرتين يوميا. حين كنت أريد الذهاب الى المرحاض كنت أدق على باب زنزانتي. يظهر سجان حينذاك لكن الاستجابة لمطلبي قد تستغرق اكثر من ساعة”.

ويضيف: “فكرت في الاف المحبوسين في السجون السورية وكيف يتحملون الحبس الانفرادي والاهانة المستمرة وكثير منهم على هذا الحال منذ عقود. فكرت فيمن قرأت عنهم من الروس الذين يعيشون بالمنفى في سيبيريا وعن معنى الحرية بالنسبة للسوريين وغيرهم من العرب الذين يعيشون في ظل حكم استبدادي في شتى أنحاء المنطقة”.

ويقول: “بالطبع لست أول النزلاء في هذه الزنزانة. أحد أسلافي غير المعروفين حفر عبارة على الحائط بأظافر يديه فيما يبدو تقول “ربنا على الظالم.” استرجعت الاحداث في درعا والاف الشبان الذين كانوا يهتفون “حرية” والتعبيرات التي كست وجوه النساء والاطفال والشيوخ الذين خرجوا للشوارع للمشاهدة في مزيج من الدهشة والسعادة وروح التحدي المثيرة”.

ويضيف: “رأيت عقودا من الخوف الذي زرع في قلوب وعقول الناس تتداعى حين تحدى مئات الشبان بصدورهم العارية الاعيرة النارية التي أطلقها رجال الامن والقناصة من على أسطح المباني. لن أنسى ابدا جثث الرجال الذين قتلوا بالرصاص في الرأس او الصدر والذين كانوا يحملون في شوارع درعا الملطخة بالدماء وعشرات الاحذية المتناثرة في الشوارع لشبان يفرون من نيران الاسلحة. في اليوم الرابع لاحتجازي جاء من يستضيفونني لنقلي فوضعوني في سيارة أخذتني الى ما تبين أنه مقر جهاز المخابرات على بعد بضع بنايات في دمشق”.

وواصل الخالدي: “كان مجمعا ضخما به المئات من رجال الامن في ملابس مدنية بالفناء وهم جميعا متجهمون. وقال رجل فيما جرني اثنان اخران نحو القبو “فتشوا حتى أظافره.” قضيت ساعتين في زنزانة فكرت خلالهما كيف سأتعايش مع السجن في الاشهر القادمة”.

ويقول: “ثم نقلت الى حجرة قريبة. اندهشت حين قال لي رجل يبدو أن له سلطة “سنعيدك الى الاردن.” أدركت لاحقا عند مطالعة الصور في وسائل الاعلام أن هذا كان اللواء علي مملوك رئيس جهاز أمن الدولة السوري بنفسه وهو المسؤول الذي يحتجز رجاله الاف السوريين في سجون مماثلة في أنحاء البلاد. وقال ان تغطيتي للاحداث في درعا كانت غير دقيقة وأضرت بصورة سوريا. في غضون ساعات عبرت الحدود وعدت الى دياري حيث علمت أن الاسرة الحاكمة الاردنية بذلت جهودا لاطلاق سراحي وجنبتني مصيرا بائسا. كما طرد صحفيون اخرون من رويترز وبعضهم تم طرده ايضا بعد احتجازه والان أصبحت سوريا محظورة على معظم وسائل الاعلام الاجنبية.

ويختتم المراسل شهادته بالقول: “وبعد شهرين تقريبا وبمرور الوقت استطعت أن استوعب أثر هذه الايام الاربعة بدرجة تسمح لي أن أسجل تجربتي بالكتابة. لكنه مازال يلاحقني هذا الثمن الانساني للانتفاضات العربية التي قامت بها شعوب تطلب بعض الحريات التي يعتبرها اخرون في أجزاء أخرى من العالم أمرا مسلما به”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...