الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / شهلا العجيلي: أصداء كثيرة لصوت أوحد/ يزن الحاج

شهلا العجيلي: أصداء كثيرة لصوت أوحد/ يزن الحاج

 

 

ثمة روايات تُكتَب بالمسطرة بحيث تتوافق مع شكلٍ جامدٍ أوحد للرواية، وثمة روايات أخرى تحاول تحطيم التعريفات المُكرّسة بحيث تصبح هي المرجع بذاتها كي يُبنى عليها التعريف لما يُفترَض أن تكون عليه الرواية. يكاد التّصنيف الأول ينقرض بتقدّم السنوات وتضاعف عدد الروائيّين ومدارس الكتابة، فيما يكاد التّصنيف الثاني يطغى على المشهد الروائيّ بحيث يترسّخ تدريجاً ليصبح قيداً بنفسه ولنفسه، حين تعود الرواية لسجن نفسها ضمن إطار آخر، ربما كان أكثر رحابة، ولكنّه إطار بتقييدات في نهاية المطاف. ويمكن القول إنّ هذا التّصنيف الثاني، أي الرواية المتحرّرة من التّعريفات القديمة، ينقسم بدوره إلى نمطين من الرواية: يترك نمطا الرواية هذان القارئ بعد انتهاء القراءة في حالة ارتباك، إذ نُسف ما كان يعرفه عن الرواية أمام شكل مُغاير. إما أن تكون هذه الرواية مذهلة إلى درجة إرغام القارئ (بقسوة أو نعومة، لا فرق!) على تغيير رؤيته تجاه الكتابة والعالم، وإما أن تكون مُخفقة إلى درجة أنّها تُعيد القارئ إلى ما اعتاده. تُعيده إلى تلك الرواية التّقليدية شبه المنقرضة.

تنتمي رواية السوريّة شهلا العجيلي «سماء قريبة من بيتنا» (منشورات «ضفاف»/منشورات «الاختلاف») إلى مجال الرواية غير التقليديّة. لا تشبه هذه الرواية – التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» العربية – الروايات السوريّة الأخرى، أكانت تلك الروايات المُكرَّسة بفعل الزمن أو الجوائز، أو حتى تلك الروايات «الجديدة» التي بدأت موجتها مع بداية الألفيّة. بل إنّ الرواية تختلف عن كثير من الروايات العربيّة، حتى تلك البعيدة عن الكلاسيكيّة. إنّها رواية التشظّي. يحتلّ التشظّي كل عناصر الرواية، بشخصيّاتها وأفكارها وأمكنتها وأزمنتها ورواتها. مشكلة رواية التشظّي أنّها تحتاج إلى رافعة ضروريّة لإمساك العمل كي لا ينهار، فيلجأ معظم الكتّاب، ومنهم شهلا العجيلي، إلى التفاصيل اليوميّة المنمنمة لكسر الرتابة التّقليديّة، ويخلقون شخصيّات كثيرة تكون عابرةً معظم الأحيان، ولا هدف لها إلا إنقاذ العمل من الوقوع في فخّ الملل.

ما سيجده القارئ في هذه الرواية هو أنّ هذا التشظّي نسف كلّ شيء، بحيث لم تعد الرواية رواية، بل باتت أقرب إلى كتاب أدب رحلات غريب بعض الشيء. تبدو المدن والأمكنة هنا مُقحَمة بدرجة كبيرة، إذ لا مبرّر لها ما عدا كونها جزءاً من ذاكرة أو تجربة الكاتبة. تمرّ بعض الأمكنة أحياناً لاستعراض معلومات تاريخيّة أو جغرافيّة أو أنثروبولوجيّة من دون أن نجد لها سياقاً واضحاً في حكاية جمان بدران. لم تكن جمان هي الشخصيّة المحرّكة للأحداث فعلياً برغم حضورها في معظم مفاصل العمل، بل كانت الكاتبة هي الحاضرة في كلّ سطر، لتذكّرنا دوماً بأنّها هي صاحبة العمل وخالقة الشخصيات، وأنّها هي من سافرت وقرأت لتَهِبنا ما اكتسبته من معلومات وخبرات. مدينة الرقّة موجودة لأنّها مدينة الروائيّة والراوية أيضاً، ومدينة حلب لم توجَد إلا لكونها مدينة دراستهما الجامعيّة، ويمكن المضيّ في تعداد باقي المدن التي نُصادفها في الرواية لسبب أوحد: إنها المدن التي قرأت عنها، وربما زارتها الكاتبة.

ما يمكن ملاحظته بوضوح في الرواية هو أنّ الكاتبة لا تتعامل مع القارئ كندٍّ لها، أو كصديق، أو حتى عدوّ. القارئ هنا تلميذ ذو ذهن سميك تقع مسؤوليّة تنويره على عاتق الكاتبة المنقذة التي سافرت وقرأت وتعبت لتكتب محاضراتها الوعظيّة في مسائل الجندر والهويّة والمنافي والثقافات المتصارعة.

بعيداً عن المنطق الوعظيّ وإلباس الشخصيّات أقنعةً تخدم غرض الكاتبة وحدها، كان ثمّة محاولة لجعل التفاصيل الصغيرة اليوميّة محوراً أساسياً في الرواية. لا يهمّنا هنا الانتقاء المُتعمَّد لشخصيّات متماثلة في النّشأة والثقافة والطّبقة والمكانة الاجتماعيّة وحتّى وجهات النظر، إذ هو خيار الكاتبة في حصر روايتها بشريحة اجتماعيّة واحدة، تدور باقي الشخصيات «المختلفة» في فلكها. ما يهمّ القارئ هنا هو سؤال واحد: هل نجحت هذه الحيلة في إخفاء عيوب الرواية؟ ربما كانت الروائيّة اللبنانيّة رينيه الحايك هي أفضل من كتب التفاصيل المنمنمة العابرة اليوميّة عربياً. وتكاد تكون هي المعيار الوحيد لتقييم مدى نجاح غيرها في دخول هذا المضمار. لم نجد في «سماء قريبة من بيتنا» رشاقة السّرد اليوميّ أو مرونة الانتقال بين الشخصيّات أو براعة تصوير الاختلافات التي قد تكون طفيفةً أحياناً في مزاج الشخصية بذاتها. بدت سيكولوجيّة الشخصيات وكأنّها نسخ «فوتوكوبي» لصورة واحدة. تبدو الشّهوة مُشابهةً للبرود، ويكاد يكون الفرح مطابقاً للحزن، والانفعالات كلّها مجرّد خربشةٍ عجولةٍ لفمٍ مرسومٍ بقلم رصاص على رسمة وجه جاهزة.

لم تختلف رواية «سماء قريبة من بيتنا» عن مثيلاتها من الروايات السوريّة «البوكريّة» الأخرى، برغم سعيها للاختلاف. ثمة استسهال واضح في الكتابة، واستهانةٌ بالمتلقّي، بحيث يبدو القارئ آخر اعتبارات الكاتب السوريّ المشغول بالكتابة لمجرّد الكتابة، والنّشر لمجرّد النشر. إنْ كانت «بوكر» تحاول تكريس شكلٍ أوحد للرواية السوريّة فقد نجحت بقدرٍ كبير في هذا. أما إنْ كانت الجائزة تحاول إفهامنا أنّ هذا الشّكل المُكرَّس هو ما ينبغي أن تكون عليه الرواية، فهذا بالتّحديد ما ينبغي رفضه. يستحق القارئ روايات أفضل. هذا هو المُؤكَّد الوحيد، وكلّ ما تبقّى هو نسبيّ وقابل للنّقاش.

كلمات

العدد ٢٨٣٦ السبت ١٢ آذار ٢٠١٦

(ملحق كلمات) العدد ٢٨٣٦ السبت ١٢ آذار ٢٠١٦

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...