حسين الشيخصفحات مميزة

شيخوخة مبكرة/ حسين الشيخ

 

لماذا نفكر بالشيخوخة؟ ألأننا نموت مبكرين.. برصاصة.. بقرنفلة.. أو خيبة؟!

تهرم أحلامنا فجأة ويتسرب لها النعاس، ولا تلقى مكانا لتنام فيه.. إلا النشيج المتكرر لرجع بعيد.

ألأن أحلامنا المبكرة لا تتسع لها الذاكرة، وتوزيع الأحلام الجائر يدعونا لأن نتطفل على واحة أحلام الآخرين، ونسرق أحلاما ليست لنا.. أم أننا اعتقدنا أن بمقدور المرء أن يقفز من الحلم إلى الحقيقة على حبل مشدود من الألفاظ ببساطة، بدون مشيعين.. قبر على هامش الحديقة، بأصدقاء متناثرين، في الموت قبلنا، أو بالهجرة والمعتقلات، هكذا بدون ضجيج، سوى قليل من التراب المتراكض صوب الأرض، بعد معول البسملة، بدون طيور بيضاء أو سوداء، بدون زهور، ولا نعوة بسيطة في الصحف، نكتب قصيدتنا الأخيرة.

هكذا تتطاير محتويات الذاكرة والقلب إذن..

لم تنفعنا القصائد التي قرأناها باكرا على زند الأحلام، لم ينفعنا هذا البياض المبحلق في أوج الحلم والمسافة لا تفصلنا إلا عن شهيق متأخر، نكتب رسائل الحنين.. ونبكي…

في البدء نركض نحو حلم جماعي، نترك في منعطفات الطرق رائحة الشوق، نكتب على أحجارنا اللائذة بالشمس، الأحرف الأول من المحية، نقرأ، نعشق، يغزونا الصبح الجميل يهدئ نقاشنا المحتدم.. نهرب بالبريد من العسكر نحو الطرق المهجورة لنوصله إلى الطرقات التي تضج بالاقدام. وننام حين يدعونا الأمر في غرفة مساحتها ستة أمتار مربعة، يكسو جدرانها الطحلب والأشنيات بتأثير رطوبة عتيقة، عشرة في بعض الأحيان، خمسة في أحيان أخرى، نتفقد بعضنا في الظهيرة، ونصنع قهوة بابريق الشاي، وتدور الكأس الواحدة على كل الشفاه الجميلة والبشعة.

ألأننا هربنا إلى حلمنا الفردي.. صرنا نفكر بالشيخوخة..

ماذا ترانا نفعل بعد سنة.. سنوات.. سنواتنا القليلة الباقية، بلا أصدقاء، ولا بيت صغير ولا أحلام، لا مسافات، لا عشق، لا ضجيج، ويعرش علينا المرض. أنرفع علم الوباء كما فعل ماركيز في “الحب في زمن الكوليرا”، أنخترق النهر ذهابا وايابا في العشق، ومن أين لنا المراكب، ومن أين لنا العشق، ومن أين لنا الأمان الصغير؟! حتى الأنهار تغدر بالعاشق في هذا الوطن..

جيفتان، وعشر جيف، وعشرة أخرى بعين الحاسد، أنظل بعد كل غصة في الماء أو العرق أو الخيبة نقول لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا يهرم النص الآخر فينا، ونتباهى بالنص المليء بسير الهزائم والأحزان. نصفنا الآن يحمل: الجهل، الرعب، البقية، الكرامة، العقم، الفراغ، الجمل، الخطابة، الطبول، الجارح، الصمت، العناق، الممكن، المستحيل، الكره، الفحولة، المخاوف، الظلام، الفارس، المسيطر، القمح، الهجرة، المعتقل، الموت، الشيخوخة، الأطفال، الحبيبة، والقاسية…

ألأننا هربنا من مواجهة محتملة، لنغرق في مواجهات غير محتملة، ونفكر بالشيخوخة، لماذا لا نولد شيوخا، ونصغر في العمر من الشيخوخة إلى النضج، إلى الشباب ونموت أطفالا. ألا يحدث نفس الشيء لدينا، نولد شيوخا نتفرج على المجازر والمعتقلات، ولكننا نموت أكثر سيخوخة، هذا هو الفارق الوحيد، فقط الشعراء يمكنهم أن يموتوا أطفالا صغار…..

ألسنا نولد شيوخا بلا حكمة، سوى المجازر، منذ المخاض، نشعر بالمدافع والرصاص والسياط والدم، الضجة الأولى لسمعنا الذ لا يلبث أن يشيخ، وحين نقدم إلى العالم المسود، المسدود، وبحكمة المجازر التي ترافقنا، نرفض الولادة، تقودنا الممرضات نحو سريرنا المبعثر بخمسمائة مجزرة أو تزيد، ولأننا نمتلك الحكمة، نبعثر الرصاص على الأفق، نقلب القنابل في جيوبنا، نلعب بها ككرة، نتقاذفها فيما بيننا، ونخفي الجثث تحت الأسرة، ونتعلم اللفظة الأولى في هذا العالم: القتل.

ألسنا مصابين بمرض الشيخوخة المبكرة
Progeria

أيضا، شيخوخة الجسد أيضا، يموت الطفل لدينا ويظهر التشريح وجود العلامات المميزة لشيخ في التسعين من عمره وهي أعراض تصلب الشرايين والجلد والذاكرة وأشياء أخرى.

السمة الرئيسية لحضارة التقنية السائدة في العالم حاليا، هي التبدل الكبير المتسارع في جميع المجالات، والتطور والتبديل مناقضان للسلوك السكوني لإنساننا، الذي صاغته تربية المجتمعات العربية شيخا منذ ادراكه في البيت والمدرسة. وتتكون شخصية الانسان خلال نموه الجسدي والعقلي ويتم هذا البناء بانتهاء سن المراهقة، وللسنوات الست الأولى في الحياة أهمية خاصة في هذا التكوين حيث تتحدد أسس السلوك ومنطلقاته، وقد فرضت علينا تربية البيت والمدرسة والعمل قوالب جامدة من الثقافة والسلوك، كان الانسان الشاب منا فيها شيخا باكرا وعاجزا عن التلاؤم مع التبدلات المستمرة في البيئة والعلاقات، أليس هذا ما يقوله العلم.

وتتوالى المجازر والمعتقلات والاغتيالات والجوع والعطش والخطأ على حياتنا، تصبغها بدمعة أو تزيد. ونعتاد لا يهزنا شيء، لا يزعجنا، لا يقيقنا، لا نموت سوى أكثر شيخوخة من السابق…

الشعراء وحدهم، بعض الشعراء يعود طفلا، يمسك بقبضة المسدس كاي لعبة خشبية، ويطلق أولا، وثانيا وينام…

فقط الشعراء من يهزهم الدوي القاطن في الذاكرة، والرصاص المذهب، والجثث التي لا تلقى مقابرا صغيرة بحجم العناق لتنام فيها، وتتوقد أحلامهم ومخيلاتهم كسماء مطرزة بالنجوم والشهب.. لذلك يموت الشعراء وهم أطفال، مجانين، شياطين، يضعون القمر على الأريكة، ويبعثرون الغيم في زوايا المطبخ، ينثرون ورد الحبر على سماء بيضاء، يشيدون بيوتهم الصغيرة في قلب الريحان الذي لا يلبث أن يذبل فيتشردون بلا مأوى يصنعون الحياة..

المجد للشعراء كأنهم يموتون باكرا بلا نأمة أو صراخ…

وسحقا لهذا المجد المرتبط بنهاية وشيكة..

كل الجهات تشير للحزن.. فأي الجهات تسلك…

كل الأيام تبدو كغيمة لا تمطر، فأي الأنهار منها سيفيض؟!

كل الأحلام شراع لليأس،

كل العيون خبا بريقها، فأي زهرة نهديها لذلك الشاعر الحزين؟!

كل الأخيار قد ذهبوا، وهذا العالم يحاصرنا فيه القوادون والحشاشون والسفلة

فهل نخرج إلى الناس شاهرين قصائدنا

ونموت باكرا، باكرا جدا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى