الرئيسية / صفحات سورية / صادف أن كنت في القبر || 35يوماً في ضيافة الأمن

صادف أن كنت في القبر || 35يوماً في ضيافة الأمن


غسان ياسين

 لا يوجد حروف تكفي لوصف ماحدث معي خلال 35يوما تحت الارض ومهما حاولت وصف ماجرى ستكون الكلمات عاجزة عن ايصال الصورة لكم..لم اكن اتصور ان كل هذا الحقد والبشاعة موجودة وجوه السجانين كانها بلا وجوه تفنن في اختراع اساليب التعذيب واختراع الشتائم والاهانات.

سانزل للشارع واتظاهر في يوم قريب انتظر فقط انتهاء الثورة المصرية..لانريد اسقاط النظام لاننا نحب بلدنا ولا نريد نقطة دم واحدة ان تسيل في شوارعها..هذه بعض من كلمات قلتها على الهواء مباشرة في حلقة عن يوم الغضب السوري على تلفزيون الاورينت بتاريخ 10/2/2011

بعد خمسة ايام داهم عناصر من الامن السياسي منزلي ولحسن حظي لم اكن موجودا قررت بعدها الهرب الى دمشق وبقيت هناك يومين قبل ان يعتقلوني في منطقة باب توما واثناء خروجي من مقهى انترنت

بعد ان وضعوني في سيارة مغلقة(فان) اقتادوني الى جهة ما دخلت مكتب ضابط يبدو انه مهم وبادرت انا بالحديث قائلا مافي داعي تعزبو حالكون وتضربوني كف واحد..انا مو عامل شي غلط مع هيك رح احكي كلشي عندي وماخبي اي معلومة انا بعمري مادخلت نظارة ولا حتى مخفر..ابتسم الضابط وقال ليش لحتى نضربك نحن دولة مؤسسات وفيهاقانون وانت مواطن محترم ولك كل الحقوق!

اخذوني بعدها لغرفة ثانية وبدا التحقيق معي ثم انتظرت ساعتين ليعود المحقق ويخبرني بدك تضل عنا شي يومين..انزلني الى مكان في الطابق السفلي واعطوني ثياب السجن الزرقاء الشهيرة ثم اخذني السجان الى زنزاتني المنفردة كان رقمها تسعة ومن يومهاصار اسمي عندهم..تسعة

كانت مظلمة جدا وباردة ومخيفة لم استوعب بعدمايحدث لي كنت خائفا حتى من الجلوس وبعد ساعات اصابني التعب وقررت الجلوس..تحسست المكان بيدي لم اجد جرذان او حشرات كما كنت اسمع..اخترق صمتي المرعب صوت الباب الحديدي وهو يفتح بسرعة لم اتحرك جاءني صوت..ولاك حيوان بس ينفتح الباب بتوقف بسرعة وتحط راسك بالارض ياحقير..كلمات صعقتني وبدون تردد قلت له انا لست مجرما حتى تخاطبني بهذه الطريقة..ليش جايبينك لهون يامنيك سياحة..هلق بشوف مين المحقق تبعك وبرجع بعلمك شلون ترد عليي يامفلسف

بقيت ثلاثة ايام لايفتح الباب الا لدخول الطعام الذي لم اتذوقة ابدا وحين الخروج للحمامات مرتين في اليوم فقط..لم اكن استطيع النوم كان الهدوء مخيفا ضاعت مني بوصلة الساعات والايام ولا اعرف الصباح من المساء اللحظات كلها متشابهة كنت اتمنى سماع اي صوت انشالله زمور سيارة حتى اشعر اني لازلت على قيد الحياة

في اليوم الرابع فتح الباب بسرعة كالعادة..وقف ياكلب وضعوا كلبشات في يدي وشيئ ما على عيوني واقتادوني الى غرفة التحقيق وانهمرت امطار من الاسئلة..مين معك بالتنظيم وكم واحد انتو بالجمعية بدك تكتبلي اسماءهم الثلاثية وتحكيلي عنن واحد واحد!(كان يقصدالجمعية السورية لمكافحة الفساد)قلت له انها ليست جمعية هي فقط مكان للنقاش على الانترنت..

بدك تعمل ثورة يااخو الشرموطة ماهيك والله لخليك تتمنى الموت وماتلاقيه وصفعني على وجهي..هنا احسست ان الزمن توقف واني انشطرت الى نصفين..لاول مرة يصفعني شخص غير ابي..كان لوقع هذا الكف اثر كبير شعرت بالالم النفسي والقهر والقمع..ومن يومها صار التعذيب يرافق كل جلسة تحقيق واستجوابات..يجلس ثلاثة فوقي واحد عند الكتفين وواحد عند الظهر والثالث عند قدماي ويبدا الضرب المبرح حتى تسيل الدماء من اصابعي..وكل ماارتفع صوت صراخي وصوت الامي كانت تزداد قوة الضربات(عرفت فيما بعد انه يتلذذ بصوت المعذبين) يستمر الضرب حتى افقد الوعي فيحملني الثلاثة ويضعوني عاريا في برميل فارغ ويفتح فوقي الماء الباردوبببطء شديد تنزل فوقي قطرات الماء كانها رصاصات قاتلة حتى يمتلئ البرميل اكون حينها قد استيقظت من غيبوبتي فيحملوني مرة اخرى لغرفة التعذيب ليواصل المحقق هوايته المفضلة بسماع صوتي وانا اتالم من شدة ضرباته حتى افقد الوعي مرة ثانية حينها يحملوني الى زنزاتي كما لو انهم يحملون خروفا مسلوخا ويلقون بي في ارضية الزنزانة بعد ان يرشو الماء فيها كنت لا استطيع النوم من شدة الالم والبرد..احاول ان اعزي نفسي قائلا هذا ثمن موقف اتخذته ويجب ان اتحمل كل النتائج كانت الايام متشابهة وكنت امضي ساعات باسترجاع شريط حياتي حتى يمضي الوقت كان يراودني شعور باني لن اخرج من هنا ابدا..ومن كثرة تناولي للخبز فقط كنت اظن ان معدتي اصبحت مرتعا للديدان..مرات قليلة كان ياتي مع وجبة الغذاء نصف برتقالة اصنع صندويشة صغيرة واتناولها وحين انتهي منها احس بجوع اكثر فاصنع صندويشة ثانية من قشر البرتقالة وهكذا كانت تمضي الايام

في اخر عشرة ايام اشتد التعذيب والضرب والاهانات حتى ان جسمي تعود على الضرب ماكان يؤلمني اكثر هي الشتائم المتنوعة واخبار كان ينقلها لي المحقق حتى اضعف واكتب مايريد مني..مثلا كان يقول لي ان والدي معلق في زنزانة ويضرب بسببي وانهم احتجزو اخوتي كلهم ويعذبوهم ولن يتركوهم حتى اعترف واقر بكل شيئ كان هذا العذاب النفسي اشد وقعا من كل الضرب

لم اجد تفسيرا للتغيير الحاصل في طريقة التعذيب في اخر 10ايام (اي من تاريخ15/3) حتى انه في احدى المرات بعد ان ضربني كالعادة حتى فقدت الوعي..بدء بوضع البراز على وجهي ومن ثم يدوس بحذائه ويفرك لي وجهي بقدميه وهو يقول بدي اذلك ياكلب انت وامثالك..ثم عاود الضرب وامر برميي في زنزاتني وبينما انا مستلقي على ظهري ولا استطيع الحركة اسمع كلمة مظاهرة..اهتز كياني لم اصدق مااسمع..احد المعتقلين يستجوب من قبل المحقق ويعيد عليه السؤال:كم واحد كنتو بالمظاهرة ولاك..يالله انتابني شعور بالفرح والفخر وتمنيت لو استطيع الصراخ..مظاهرة واخيرا في سورية..صرت ابكي من شدة الفرح ونسيت كل الامي والدماء التي تسيل من قدمي

في اليوم التالي كان هناك توافد كبير حتى ان الزنزانات لم تكفي فقرروا ان يضعوا كل 3 في واحدة منفردة فرحت جدا حين سمعت الخبر..واخيرا سياتي من اكلمه ويكلمني..وحين وصل الدور لعندي صرخ السجان تسعة..حاضر..قال لزميله هاد واحد خطير لاتحط معوا حدا خليه لوحدوا هيك التعليمات..عشت نصف ساعة من الفرح والامل بوجدو شخص معي يعيد الي قليلا من انسانيتي التي كادت تختفي في ظلمة القبر

انه يوم 21 آذارعيد الام..آه يامي آه كم بكيت من اجلها في ذاك اليوم لاني اعلم ان قلبها يحترق من الخوف والقلق..ماذا ياكل غسان..هي الوحيدة التي تتحمل مزاجيتي في كل شئ حتى انها كانت غالبا تعد وجبتين للغداء واحدة للعائلة والتانية لغسان(لاني مابياكلها)..بكيت كثيرا وتمنيت لو ان المحقق لا ياتي حتى لا اسمع شتيمة من شتائمه القذرة هذا اليوم للاسف جاء المحقق وهذه المرة كان مبتسما وقال لي تعى لهون ياابن الشرموطة تعى..دبرلتك ثلاث تهم وسارسلك الخميس الى سجن صيدنايا(انشاء جمعية الهدف منها النيل من هيبة الدولة-مراسلة جهات اجنبية معادية بهدف زعزعة الاستقرار- اثارة النعرات الطائفية) من شدة فرحه وثقته بالتهم الموجهة الي لم يضربني كثيرا وقال للسجان خدو للكلب والخميس بدنا نرحلوا

وكان يوم الخميس الموعود24/3 فتح الباب ..تسعة..حاضر..شو اسمك استغربت اول مرة يسالوني عن اسمي حتى كدت انسى ايقاعه الصوتي..غسان ياسين..تعى معي..ذهبت برفقته الى غرفة الامانات وقال لي البس ثيابك..البس ببطئ شديد لاني اعلم انه يوم الترحيل..صرخ مبتسما بسرعة شو ماعندي غيرك يلا اهلك بيستنوك..دهشت من كلامه ليش مو انت بدك تاخدني لصيدنايا..لا اخلاء سبيل ..لم اصدق بالبداية الا حين صعدت لنفس الغرفة التي دخلتها اول يوم وهناك اعطوني البطاقة الشخصية والموبيل وطلبوا مني الانتظار في الممر..ذهبت للمغاسل حتى اغسل وجهي وماان نظرت بالمرآة حتى صعقت من المنظر صدقوني لم اعرف نفسي وجهي كان غريبا عني..

فتحت الموبيل واتصلت لاكلم امي كان الهاتف مشغولا..اتصلت بوالدي..الوو..بابا..مين..غسان..اي بابا انا غسان..انفجر ابي المسكين بالبكاء..قلت له..بابا انا آسف..وعلى ايقاع بكائه بكيت ايضا

جاء المحقق برفقة صحفي واشار الي وهو يكلم الصحفي شوف..شوف شوعملنا فيه كمان هاد صحفي لم انظر في وجه الصحفي لكني بالكاد رايته وهو ينزل الدرج اعتقد انه الاستاذ ياسين حاج صالح

خرجت من ذاك الفرع في كفرسوسة وانا انظر اليه نظرة متوعدة..في طريقي الى حلب كانت اطول رحلة في حياتي..كنت احس ان الرحلة لن تنتهي..حين وصلت للمنزل سالتني امي من شدة دهشتها من شكلي المتغير..وين كنت..اجبتها..كنت ميت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...