الرئيسية / صفحات الثقافة / صانع الأفلام وقاتلها

صانع الأفلام وقاتلها


نديم جرجوره

المال صانع أفلام. لكنه قاتلها أيضاً. الوفرة ضرورة. الصناعة محتاجة إلى تمويل مالي مباشر. أدوات وتجهيزات وتقنيات وتكاليف. أجور عمّال وفنانين. مصاريف ترويج وتسويق. المال صانع مهرجانات أيضاً. لكنه قاتلها أحياناً. الوفرة ضرورة. الكثرة تُصيب العمل، فيلماً أو مهرجاناً، في مقتل. الكثرة قاتلة، إذا لم تُوظَّف في الاتّجاه الصحيح. إذا لم تُخَصَّص بالأطر الموصلة إلى نتيجة جامعة شكلاً ومضموناً إبداعيين متكاملين. إذا لم توضع في المكان «الصحّ». غالب الظنّ أن الخيط رفيعٌ جداً بين «الصحّ» و«الخطأ» في أمور كهذه.

المال أساسي. العالم العربي محتاج إلى خطط طويلة الأمد في مسألة الإنتاج السينمائي. لا يعني هذا أن لا أفلام من دون أموال طائلة. هناك أفلام عربية عدّة ذات براعة لا توصف، مواضيع ومعالجات واشتغالات تقنية وفنية، أُنتجت بميزانيات صغيرة الحجم. هناك مهرجانات عربية متواضعة، أثبتت حضوراً بميزانيات قليلة. أثبتت قدرة على تواصل فعّال مع السينما ومحبّيها. مع صانعيها ومُشاهديها. مع تطوّرها وبلورة آفاقها المفتوحة على أسئلة واختبارات. أقول إن المال أساسي، ولا أحصر المسألة بالكمية فقط. مخرجون عرب أدركوا اللعبة. تغاضوا عن أشياء، كي يُوفّروا للأهمّ، بالنسبة إليهم، أكبر قدر من الميزانية المطلوبة. أقول إن المال أساسي، لأنه الجوهر المادي للبناء الثقافي الإبداعي. منظّمو مهرجانات عرفوا أن الحيلة طريقٌ إلى النجاح أيضاً. الحيلة على التكاليف. على الميزانيات. سخّروا ما لديهم من طاقات ثقافية وفكرية من أجل نشاط أفضل.

المهرجان مختلف عن الفيلم. المهرجان محتاج إلى أموال أكثر من احتياج فيلم إليها، خصوصاً إذا أريد له أن يبلغ مرتبة دولية. أن ينتزع اعترافاً سينمائياً سليماً. أن يكون مرآة الجديد والمختلف. أن يدعم الجديد والمختلف. أو ما يراه متوافقاً ومنهجه. التنافس أداة. محتاجٌ إلى أموال لاستقطاب الجديد أو المختلف. لاستقطاب صانعي الجديد أو المختلف. ما جرى ويجري في منطقة الخليج العربي، في دبي وأبو ظبي والدوحة الدوحة تحديداً، دليلٌ على الدور الأساسيّ للمال في صناعة «صورة دولية» ما للمهرجانات المُقامة فيها حالياً. السعي، بشتّى الوسائل، للحصول على أفلام. لتقديم منح ومساعدات إنتاجية. لإتاحة فرص أمام سينمائيين للتواصل مع منتجين. هذا مفيدٌ جداً. لكن السؤال متعلّق بالمسار المقبل: هل الصناديق الداعمة «موقّتة»، أم قابلة للعيش بالاعتماد على خطط مستقبلية بعيدة الأمد؟ هل الصناديق هذه موجودة حالياً ضمن سياسة التنافس الحادّ بين المدن الثلاث (المهرجانات الثلاثة)، أم أنها مؤسّسات متكاملة في صوغ آليات ثباتها واستمرارها وتطوّرها؟

المال صانع أفلام. لكنه قاتلها أيضاً. قلّته تُشبه، أحياناً، كثرته. حجب أموال عن مشاريع واعدة، قاتل. تماماً كصرف مبالغ طائلة على مشاريع سيئة. المشروع المكتوب، بحدّ ذاته، مخادع. الحاجة ماسّة إلى يقظة ووعي معرفي يستبق المسائل ويُتقن اختيار الأفضل.

مع هذا، الأمر مخادع فعلاً. المأزق خطر فعلاً، أيضاً.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...