الرئيسية / صفحات الثقافة / “صباح الخير” متى يقولها اللبنانيون والسوريون؟

“صباح الخير” متى يقولها اللبنانيون والسوريون؟


رامي الأمين

في واحدة من التظاهرات السورية، المطالبة بإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، رفع المتظاهرون لافتة حملت اعتذاراً من الشعب اللبناني عن هول ما قاساه من النظام الذي حكم “البلدين الشقيقين” معاً لما يزيد على أربعة عقود. اعتذار، بدا كأنه صحوة ولو متأخرة لشعب اكتشف أن نظامه المتسلط واللاعب في ملاعب الغير، ليس لاعباً نزيهاً.

الصورة التي يقدّم بها النظام نفسه داخلياً تستند إلى انعكاسات دوره الخارجي، فهو “داعم المقاومة في لبنان وفلسطين”، وبطل الإنتصارات التي يحقهها صمود الشعبين الفلسطيني واللبناني في غزة والجنوب، وصاحب الفضل الأكبر في تأمين ملاذ آمن للقيادات الحمساوية، ومرور آمن للسلاح إلى “حزب الله” في لبنان. دور قد يبدو بطولياً واستثنائياً، إذا ما اقترن بنظام ديموقراطي داخل سوريا، لا يعتمد سلطة الحزب الواحد، ولا يؤله الشخص والعائلة، ويرعى مصالح الناس الاقتصادية والاجتماعية، ولا يسندها، بلا مسوّغ لابن خالة الرئيس، رجل الأعمال الفاسد رامي مخلوف، الذي يشكل الرافعة الاقتصادية للنظام. كما أن الدور السوري الخارجي، كان ليبدو مثالياً، لو تمنّع المرء عن النظر إلى الخلف، إلى حيث الجولان المحتل منذ عقود من دون تحريك قطعة سلاح واحدة في وجه العدو الإسرائيلي، ولو لتهديده.

اللافتة التي رفعها المتظاهرون السوريون، لا تحمل اعتذاراً من الشعب اللبناني فحسب، بل هي تمسك خيط العلاقات اللبنانية – السورية من أوله، وتسحبه لتعرّيه من كل المتمسكين به على طول تاريخ هذه العلاقات. للمرة الأولى ربما، يجري تبادل التضامن بين الشعبين اللبناني والسوري. للمرة الأولى يتضامن الشعب من هنا مع الشعب من هناك، بمعزل عن النظام الحاكم في سوريا، والأنظمة الحاكمة في لبنان. للمرة الأولى، تخرج صورة لتقول إن الشعب السوري يعتذر من الشعب اللبناني. مثلها ارتفعت في بيروت، لافتات تدعم الشعب السوري في ثورته ضد نظامه. فالشعوب لا تشن حروباً، كما كان يقول الرئيس الأميركي رونالد ريغان، بل الحكومات هي التي تفعل. النظام السوري، ومعه النظام اللبناني الطائفي والهجين، هما اللذان يخوضان الحروب، ويقحمان شعبيهما في الكراهية والحقد وعقد النقص والعنصرية وسواها من المشاعر التي تعتمل تحت ثقل النظام السوري الذي كان جاثماً على البلدين، ضاغطاً تناقضاتهما لتختلط تحت التراب، وما إن بدأت الثورة السورية بزحزحة النظام من مكانه، حتى راحت تناقضات المجتمع السوري تظهر. وبدأت معها أصوات كانت مكتومة تأخذ طريقها إلى الألسنة لتقول ما كبته الخوف والقمع وفرضته القبضة الحديد للنظام الأمني السوري، الذي خرج مهزوماً من لبنان، تاركاً انقساماً واضحاً في الشارع اللبناني حوله، وفاتحاً مصراعي الباب على التناقضات والخلافات التي كانت ممنوعة على اللبنانيين، حتى في ما خصّ أكثر ملفاتهم إثارة للجدل، وهو سلاح “حزب الله”.

لم ينكسر الصمت حيال هذا السلاح إلا بعد تحرر لبنان من ثقل النظام السوري، فخرجت إلى السطح كل تناقضات المجتمع الذي كان خاضعاً لمعادلة شديدة التعقيد والقوة، فرضها النظام السوري، تقوم على توزيع المهام بين فريق يتولى الاقتصاد ويصمت، وفريق آخر يتولى المقاومة ويصمت. وزّع النظام البعثي الأدوار، وعمّم الصمت بآلة القمع المنحدرة إلى أسفل الأساليب وأكثرها تعنيفاً وإهانة. الصمت، الذي يظن فيه البعض دواءً للحرب التي يتسبب بها التصريح، لم يكن إلا سبباً فجاً لتنامي الحقد، الذي لا يعيش إلا في الصمت. ينمو هناك ويكبر، ويصير عملاقاً، لا يمكن في النهاية إلا أن يكسر قالبه، ويخرج صرخة مدوّية. انسحاب الجيش السوري سرّع انكسار قالب الصمت، ليخرج الحقد منه قبل أن يصل إلى حجمه الأقصى، قبل أن يصير عملاقاً. الحقد خرج في مرحلة غير مكتملة النمو، وخرج في لحظة إقليمية مؤاتية لعدم انفجاره عنفاً أهلياً، وإن كان الحقد قد خاض فعلاً جولة عنف عاصفة في السابع من أيار. إنكسار الصمت جعل التصريح بالحقد ممكناً، كذلك التصريح بالحقيقة، التي يحرّفها الحقد، كما يقول تشرشل، ويستاء منها الرعب، ويسخر منها الجهل، لكنها تبقى موجودة. الحقيقة تقول إن تحرير سوريا من نظام الأسد، يعني في الضرورة تحرير لبنان من عقدة سوريا، وتحرير سوريا من عقدة لبنان. وهذا ما يتكفله الكلام، الذي بقي مكتوماً لعقود، بسبب الخوف والحاكم بأمره.

لنا أن نأخذ نموذجاً حياً شغل الناس ومواقع التواصل منذ فترة مباشرة على الهواء، عندما تعارك في برنامج تلفزيوني كل من النائب السابق عن تيار “المستقبل” مصطفى علوش، والأمين القطري لحزب البعث فايز شكر، وتبادلا الشتائم قبل أن يتحول الإشكال إلى تعارك بالأيدي. هذا النموذج صارخ عن انكسار الصمت وتحرر العلاقات بين اللبنانيين من عقالها البعثي، لتتكشف عن انفلات أخلاقي لدى الطرفين. في هذا المشهد الذي لا يقرب من الحضارة بشيء، يمكن أن نعثر على إيجابيات في خلفياته، وخصوصاً إذا رجعنا إلى علم النفس وما يقوله فرويد عن العصاب، وعجزه عن احتمال الغموض. المرحلة الغامضة هذه، تاريخياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً، تخرج ضعيفي النفوس من عقالهم وتجعلهم يضطربون، لضعف الثقة بالنفس وبالآخرين، فتكثر الشكوك التي لا أساس لها، وتترجم المخاوف إلى محاولات إخافة عبر الصراخ والإقدام على الأعمال المتهورة. لكن العصاب هنا، يبدو أهون الشرّين، إذا ما وضع إلى جانب الصمت. العصاب مرحلة لا بدّ منها قبل الركون إلى نتيجة مرضية وساكنة للعلاقات بين البلدين، وللعلاقات بين ابناء البلدين. لكن بين العصاب والصمت، لا تنحصر الخيارات، فثمة بين اللبنانيين والسوريين من يركنون إلى خيارات تُرفع لها القبعات، وتثبت مقولة “وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”، وتجعل الرهان ممكناً على المستقبل، ما بعد النظام البعثي الراحل إلى جهنّم وبئس المسار والمصير!

هناك اليوم في لبنان وسوريا من يركن إلى الأخلاق بوصفها المنقذ، وبوصفها الأداة المثلى لمقارعة وحش البعث، اللاأخلاقي حتماً، الذي يحاول أن يجعل من الدماء التي يسفكها مادة لقتل الرحمة والمودة، وهؤلاء يعتمدون عيون الكلام دليلاً، في زمن غرق “الشمس في بحر الهيام”، على ما تقول أغنية للشيخ إمام عيسى من كلمات أحمد فؤاد نجم.

العلاقات اللبنانية – السورية اليوم تقوم على الكلام، بعدما كانت قائمة قبل ذلك على الصمت. العلاقات اليوم، تنطق بالمكبوت الزمني، بالماضي والحاضر والمستقبل دفعة واحدة. العلاقات اليوم تنتمي إلى زمن التطهّر من كل جراثيم البعث التي استوطنتها وجعلتها ضعيفة المناعة. العلاقات اليوم تعيش على مضادات حيوية تعمل على تقوية المناعة اللبنانية كما المناعة السورية تجاه مرض البعث الذي يمانع في مغادرة جسد العلاقات، فترتفع حرارته ويصاب بنوبات برد ويتحكم برأسه الصداع (الشقيقة/ الميغران).

الثورة السورية وضعت لبنان وسوريا على المحك. في لبنان تكشّف الأمر عن عطب أخلاقي قاتل في البنية الإجتماعية اللبنانية. انقسم البلد الصغير في شأن الثورة التي تجري في البلد- الجار- الأخ الأكبر (أورويل). هو إنقسام تمظهر، كما جرت العادة تاريخياً، بين مؤيد للنظام الحاكم في سوريا (أيا يكن توجهه) ومعارض له. معارضو سقوط النظام لا يخفون خشيتهم من انعكاس سقوطه السلبي على الوضع الداخلي اللبناني وعلى توازنات القوى الطائفية والسياسية، وهؤلاء للأسف لا يعارضون سقوط النظام فحسب، بل يبررون قمعه وقتله وتنكيله بالمتظاهرين السوريين العزّل، من دون أدنى موقف إنساني يخرج من وحشية السياسة وجشع المصالح. هؤلاء، كما بعض من يسكنون في المقلب الآخر، لا يزالون يتعاملون مع لبنان على أنه “ساحة” و”ملعب”. معلوم أن سوريا بنظامها كانت دائماً، ولا تزال، لاعباً داخلياً أساسياً، وقد حالفت وخالفت كل الطيف اللبناني مداورة، بحسب المصالح “القومية”، التي تراوح بين “دعم المقاومة” و”المفاوضات مع إسرائيل”. أما الفريق المعارض للنظام السوري، والمتمني، بل المطالب بسقوطه، داخل لبنان، فهو ايضاً يستجدي تغييراً في موازين القوى، ويصعب معه الوقوع على أسباب إنسانية خالصة في دعمه للشعب السوري، فهنا أيضاً تتقدم المصالح لتتصدر الواجهة. لكن الفجاجة اللاأخلاقية لم تحضر بقوة في هذا الجانب كما حضرت في الجانب الآخر، مع أنها حملت في علاقة معارضي النظام السوري اليوم ومؤيدي الحراك الشعبي في سوريا كثيراً من العنصرية والحقد في الماضي، يصعب تجاهلهما. العنصرية نفسها يبدو أنها تنسحب إلى مؤيدي النظام السوري اليوم، الذين يتهمون الشعب السوري الثائر بأبشع التهم ويصفونه بأبشع الأوصاف.  وإذا كان ما بين لبنان وسوريا “أبعد من سياسة ونظام”، على ما اختار حازم صاغية عنواناً لنص قصير في دفاتر “هيا بنا”، إذ يدخل التاريخي والاجتماعي والثقافي كعوامل أساسية، ذاهباً إلى اعتبار أن الصراع يسكن في تجاويف عقول اللبنانيين والسوريين على حد سواء، فإن ما بين لبنان وسوريا اليوم أبعد من ثورة ونظام، إذا جاز التعبير. بينهما اعادة صياغة للعلاقات النائمة في قمقم البعث، والمستيقظة حديثاً على الظلم الذي لحق بها وبطرفيها.

الصراع الذي يرفض مبارحة هذه التجاويف، لم يركن يوماً إلى معايير أخلاقية في التخاصم السياسي. فالبعث لم يترك متكأً للسياسة بين البلدين الجارين، بل أفرغها من كامل مضامينها وقواعدها، وجعل بينهما زواجاً بالإكراه، لا يستند إلى الاحترام والندية والحب والودّ، بقدر ما يستند إلى مصالح الأهل والعشائر والطوائف والأنظمة. بعد سقوط النظام السوري، قد يستيقظ الشعبان- الزوجان اللبناني والسوري في سرير واحد، وللمرة الأولى منذ عقود، يبتسمان، واحدهما للآخر، ويقولان معاً: صباح الخير!

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...