الرئيسية / صفحات سورية / صفقة الدم في الشمال السوري/ عبد القادر عبد اللي

صفقة الدم في الشمال السوري/ عبد القادر عبد اللي

 

 

عاد الحديث مرّة أخرى حول تحرير مدينة الرقة السورية، والجديد هو ما نقله مسؤول “سابق” في العلاقات الخارجية لكانتون كوباني “عين العرب” إدريس نعسان، لمجموعة “كردستان 24” الإعلامية، مركزها في أربيل، حول اجتماع عقد بين رئيس حزب “الاتحاد الديموقراطي” صالح مسلم، والممثل الخاص للرئيس الأميركي لمحاربة “داعش” بِيْت ماكغورك، في عين العرب/ كوباني. وفيه تقررت صفقة بين الطرفين، تدخل بموجبها “قوات سوريا الديموقراطية” بقيادة “وحدات حماية الشعب” إلى مدينة الرقة، وبالتالي تدخل هذه المدينة منطقة “الحكم الذاتي”.

بالطبع الثغرة في هذا التقرير هي مكان الاجتماع، فلماذا يأتي صالح مسلم والضباط الأميركيون من كردستان العراق إلى “عين العرب” كوباني لعقد هذا الاجتماع؟ أما كان الجميع هناك، وبإمكانهم الاجتماع متى شاؤوا؟

على الرغم من هذه الثغرة، حظي الاجتماع باهتمام واسع، وتناولته وسائل الإعلام العربية والتركية بكثير من التفاصيل من دون نفي من الطرفين المشاركين بالاجتماع، واعتبره كثيرون حقيقة واقعة لا يأتيها الباطل من أي جهة.

قبل خبر هذا الاجتماع المزعوم، كان هناك تصريح لافت قدمه مساعد وزير الخارجية الأميركية أنطوني بلينكن، من إسطنبول، بمناسبة اجتماع مجلس الأطلسي للطاقة والاقتصاد، وقال فيه: “ستُنَظِّفُ تركيا جزءاً من الشريط الحدودي مع سورية بالتعاون مع الجيش الحر، وبدعم من الولايات المتحدة الأميركية” والملاحظ أن بلينكن ابتعد عن لعبة الاصطلاحات التي كانت تلعبها الخارجية الأميركية سابقاً في اتفاقاتها مع الخارجية التركية مثل: “منطقة عازلة، منطقة آمنة، منطقة خالية من داعش…إلخ”.

لم يحظ تصريح بلينكن باهتمام أحد، حتى إن أحداً لم يأخذه مأخذ الجد، بدليل أن أحداً من المسؤولين الإيرانيين أو الروس البارزين لم يتناول التصريح، ويعلق عليه بجدية، ولعله شغل مواقع التواصل الاجتماعي أكثر بكثير مما شغل وسائل الإعلام.

ولكن عندما نشر خبر اجتماع كوباني بين مسلم وماكغورك، بُعَيْدَ هذا التصريح، أخذ الموضوع جدية أكبر، وطرحت أسئلة مهمة: “هل عُقِدَت صفقة بين الولايات المتحدة وتركيا حول هذا الأمر؟ هل وجدت الولايات المتحدة حلاً يرضي تركيا بعدم تأسيس وحدة جغرافية بين كنتوني عفرين وكوباني، مقابل تمكين وحدات حماية العشب الكردية من الرقة؟”.

تبدو هذه الأسئلة منطقية. فتركيا تريد “منطقة آمنة” يكون باب الدعم اللوجستي لمقاتلي الجيش الحر في حلب مفتوحاً وآمناً عبرها أولاً، وتحقق فصلاً جغرافياً بين كنتوني عفرين وكوباني الكرديين ثانياً، وتكون هذه المنطقة ملجأ لكثير من النازحين، إذ يمكن لها أن تضم حوالي نصف مليون نازح من شمال حلب وغربي الرقة في مدن هامة مثل إعزاز والباب، وبالتالي تخفف من ضغط اللاجئين عليها ثالثاً.

من جهة أخرى، فإن الرقة تدخل ضمن طموح الدولة الكردية الموحدة، ويعتبرها “الاتحاد الديموقراطي” جزءاً لا يتجزأ من كردستان، وهذه فرصة تاريخية له للسيطرة على مدينة مهمة يعتقد أنها تنافس أربيل أو السليمانية.

ولكن هل كل ما هو منطقي واقعي؟ وهل ستسير الخطة أو الصفقة بشكل سلس، وتحرر “قوات سوريا الديموقراطية” أو بمعنى آخر قوات “الاتحاد الديموقراطي” مدينة الرقة بالدعم الجوي الأميركي فقط؟

عبارة “تحرير الرقة” عبارة جميلة، لها وقع جيد على الأذن، وإذا تركنا التحليل العسكري والتوازنات العسكرية وإمكانية هذا التحرير لأهل الاختصاص، فإن النتائج الإنسانية والسياسية لهذه العملية لن تكون سهلة. فإذا كانت تركيا تريد التخلص من نصف مليون لاجئ ممن لديها أو الذين يشكلون ضغطاً على حدودها، ألن يحقق هذا “التحرير” هجرة نصف مليون لاجئ إضافي إليها؟ فعلى الرغم من أن منطقة تل أبيض والقرى المحيطة بها شبه آمنة، لم يتمكن اللاجئون العرب إلى تركيا من العودة إليها حتى الآن. من جهة أخرى، أين هم لاجئو عين العرب “كوباني” الأكراد؟ أليسوا في تركيا حتى الآن؟ لماذا لم يتمكنوا من العودة إلى مدينتهم؟ فهل المدينة التي تشهد اجتماعات يحضرها مسؤولون عالميون كبار عصية على استقبال أهلها؟

لعل المصلحة الأميركية تقضي بفتح جروح لا تندمل، وتعميق الهوة بين العرب والأكراد أكثر مما هي عليه الآن، والخطة المزعومة لتحرير الرقة مقابل منطقة آمنة بحماية تركية تمتد من جرابلس إلى عفرين هي المثال الأكثر وضوحاً على تعميق هذه الهوة.

وبفرض أن هذه الخطة حقيقة واقعة، فهي لا يمكن أن تتجاوز عملية تسوِّق كل طرف فيها يحاول “خوزقة” الطرف الآخر. فليس هناك حاضن شعبي للأكراد في الرقة، ولن يقبل الأكراد بعرب الرقة الذين يشكلون الغالبية المطلقة لهذه المدينة، وهكذا ستنتقل المدينة من صراع إلى آخر يؤدي إلى مزيد من الدمار والهجرة نكون متفائلين جداً فيما لو شبهناه لدمار كوباني.

الأمر لا يختلف بالنسبة للمنطقة الآمنة التي تضم إعزاز والباب بطول مئة وعشرين كيلومتراً، وبعمق من سبعين إلى ثمانين كيلومتراً بإشراف تركي، فهي ستكون أيضاً “قدس أقداس” جديد للأكراد، ويدور فيها صراع جديد لا ينتهي.

الأخبار والتقارير الإعلامية تقول بأن هناك مؤشرات كثيرة على مساومات بين هذه الأطراف، مساومات تحقق طموحات المتساومين كل على حدة، ويدفع ثمنها المواطن الكردي والعربي… وتترك في قلبه جروحاً لا تندمل.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...