صفقة سورية

 



ساطع نور الدين

ما دام من الصعب التقدير بأن الرئيس السوري بشار الاسد بادر الى العفو عن حركة الاخوان المسلمين من تلقاء تفسه، او استنادا الى الوقائع التي افرزتها الحركة الاحتجاجية الشعبية في مستهل اسبوعها التاسع، فإن السؤال الجدي الوحيد الذي يطرح هو ما اذا كان النظام والاخوان قد توصلا الى صفقة ثنائية، او انهما بتعبير ادق في الطريق الى مثل هذه الصفقة، وهما الآن في مرحلة التفاوض على بنودها وتبادل الاشارات والنيات الحسنة.

لا يمكن ان يكون قرار العفو المفاجئ، بل المذهل بالمقارنة الى تكوين النظام وسلوكه، قد جاء من الفراغ، او من الشارع غير المعترف به حتى الآن. ثمة دفع خارجي اكيد، تركي تحديدا، لكنه لا يكفي وحده للإقدام على خطوة استثنائية من هذا النوع من دون ان يكون لها سياق محدد، ومن دون ان يكون استثمارها ممكنا، ومحصلتها معروفة سلفا، وتتخطى ما يقال علنا في المبارزات المتصاعدة على شاشات التلفزيون بين طرفي الازمة.

اما الظن في ان النظام اتخذ مثل هذه الخطوة كي يُفرغ مؤتمر المعارضة السورية في انطاليا من محتواها، فهو لا يستقيم مع حقيقة ان العفو يرسل الى المؤتمرين خاصة اول اشارة على ضعف النظام واستعداده لتقديم التنازلات… ما يعني ان المؤتمر يمكن ان يخرج اليوم بخطة اكثر تشددا مما كان متوقعا. وهذا المنطق ينسحب ايضا على الشارع الذي يمكن ان يزداد موقفه تصلبا، في تظاهرات اليوم الجمعة، عندما يدرك ان حركة الاخوان المسلمين خرجت من غرف الاعدام الى غرف التفاوض.

صحيح ان الخطوة التكميلية الاولى للعفو، والمتمثلة بتشكيل لجنة الحوار، لم تلق تجاوبا ولا استحسانا، لكن المؤكد ان ثمة قنوات اخرى، بعيدة عن الشارع وعن مؤتمر انطاليا ايضا، فتحت بين النظام والاخوان، الذين لم يكن ردهم الاول على العفو قاطعا في الرفض ولا جازما في طلب اسقاط النظام، بل كان مشروطا بالغاء القانون الرقم 49 الصادر في العام 1980 الذي يحكمهم بالاعدام، كضمانة على ان المعفى عنهم لن يعتقلوا مرة اخرى، ومصحوبا بالمطالبة باطلاق حرية الرأي والتظاهر.. من دون الاعلان عن ان باب التفاوض قد اغلق نهائيا.

ولعل قراءة التجربة المصرية الراهنة، وما تنبئ به من تفاهمات بين المجلس العسكري الحاكم والاخوان، تقود الى الاستنتاج ان سوريا اختارت او جرى اقناعها باعتماد هذا الخيار، البديل من الفراغ والفوضى، والذي يؤسس لتعاقد سياسي بين الجهتين الاقوى والاكثر تنظيما، علما بان هاتين الجهتين تمثلان في الحالة السورية الحاجز الاخير امام حرب اهلية مدمرة، ليست واردة في حسبان اي مصري لكنها واردة في حساب كل سوري.

التفاوض في بدايته، لكن احدا لا يستطيع ان يضمن نجاحه ولا حتى استمراره، لا سيما في لحظات التوتر الشديد بين النظام والمعارضة، التي تضم قوى ليبرالية اقوى بكثير من الليبراليين المصريين الذين فجروا الثورة المصرية، ثم سمحوا للاخوان بالاستيلاء عليها!

السفير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...