الرئيسية / صفحات الحوار / صلاح ستيتية: الآخر هو أنا

صلاح ستيتية: الآخر هو أنا

 

 

أحلام الطاهر

باريس | يذكر علماء التشريح القدامى أن العصب السمعي له ثلاثة ممرّات تصل إلى أعماق الدماغ، وكانوا يظنون أن الأذن مهيأة – بناء على ذلك- لكي تسمع على ثلاثة مستويات مختلفة، يقال إن أحدها مخصص لسماع الأحاديث الدنيوية، والثاني لإدراك العلوم والفنون. أما الممر الثالث، فقد وجد ليتسنى للروح أن تنصت وتتلقى المعرفة من خلاله فترة وجودها على الأرض.

هذا هو الممر السرّي الذي وجد صلاح ستيتية (1929) مفتاحه منذ باكورته «الماء البارد المحفوظ» رغم الألم الذي تسببه معرفة أشياء مؤكدة عن النفس وعن الآخرين وعن طبيعة العالم. نلامس في هذا الحوار ملامح تجربة ستيتية الذي «سكب مياهاً عربية في نهر السين» واعتبر الشعر تجربة والتزاماً بالفرح العميق والألم العميق للعالم. الخيميائي الباحث عن الخلاصات والأسرار، استطاع أن يعود إلى جذوره عبر اللغة الفرنسية، أن يعود إلى ذاته المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمعاني والمخيلة الروحية للحضارة العربية الإسلامية، ونوفاليس خير من تحدث عن ذلك في تحديده للشعر بأنه بمثابة العودة إلى البيت. بعد وضع ما يربو عن ستين كتاباً، حصل صاحب «حمَلة النار» على كل ما يطمح إليه تقريباً، نال الكثير من الجوائز على مجمل مؤلفاته الشعرية والنقدية، وأضيف اسمه إلى معجم «لاروس» الشهير. ملحق «كلمات» التقاه قبيل سفره إلى لبنان للمشاركة في معرض الكتاب

■ العرب أبناء اللغة هكذا يعرفون أنفسهم، اللغة الأم ماذا تعني لك هذه العبارة؟

هي بالتأكيد لغة المنشأ حيث الجذور، وهي ما يمكّننا من تحقيق وجودنا في العالم. أنا أثبت وجودي عبر اللغة الفرنسية، لا أحبذ كلمة الفرنكوفونية. ليست كلمة جميلة برأيي. سمّيتُ الفرنسية «اللغة الأخرى» لغة الآخر الذي نستطيع الحوار معه، الآخر الذي هو أنا أيضاً لأن جذوري عربية وأعبر عن نفسي بالفرنسية، أنحاز لما وصفني به أدونيس ذات مرة «شاعر عربي يكتب باللغة الفرنسية» وأنا مدين بذلك لطفولتي. كل كاتب مدين لطفولته التي هي سر الحياة.

■ ما هو الجوهري الذي تتذكره وتعود إليه في طفولتك؟

كانت عائلتي تنتظر مني الكثير، كان عليّ أن أجلب بطاقة الامتياز الزرقاء كل يوم سبت، وأن أكون الأول في كل المواد، اجتزت البكالوريا الفرنسية برتبة أولى، والبكالوريا العربية كذلك. وفي النهاية استنزفتني كل الجهود التي قمت بها.

توفي والدي محمود ستيتية في الخمسين من العمر. كان لغوياً مميزاً وطامحاً لمركز مهم في الإدارة أيام السلطنة العثمانية، فتعلّم اللغة التركية لكنه عاد من سفرة طويلة إلى إسطنبول ليرى حلمه يتحطم. فقد خسرت كل من تركيا وألمانيا الحرب وأصبح لبنان وسوريا تحت وصاية فرنسا. تعرفين الجنرالات مولعون بالكلمات ذات الأبعاد التاريخية. حين سمع أبي الجنرال غورو آنذاك يقول إنهم باقون هنا لألف سنة، قال لنفسه إن الفرنسيين لا بدّ جادون في كلامهم، ورغب في تعليمي الفرنسية لكي أنجحَ في ما لم يُعط هو فرصة للنجاح فيه. أدخلني إلى مدرسة فرنسية رغم كلفتها الباهظة ثم تابعت الدراسة في الجامعة اليسوعية. الفرنسية ليست مجرد لغة، إنما حضارة بكاملها. في المدرسة العليا للآداب في بيروت، التقيت غابرييل بونور الذي جاء صدفة إلى لبنان كمفتش للمعارف، واقترح عليّ أن أدرس عند المستشرق الشهير لويس ماسينيون. وصلت إلى باريس في زمن الوجوديين، زمن سارتر وكامو وكان سيوران صديقي، وتحدث عني في كتابه الأخير. بدأت الدراسة في «السوربون» كي أحقق وجودي أنا الآخر، لكنني كنت مفتوناً بكل ما هو خفي ولا مرئي. أمضي وقتي في المتاحف. وحين أصبت بالتهاب الجنبة -وهو مرض لا يستهان به في الخمسينيات لعدم توافر مضادات حيوية- كنت أقرأ ما يقارب أربعة كتب في اليوم. لذلك أقول دائماً إذا كنت تريد أن تعرف السر وراء سعة ثقافة شخص ما، لا تسأله عن تعليمه بل عن المرض الذي كان يعاني منه.

■ الذين تبعوا موجة الأنطولوجية الفرنسية التي لا تعترف بالحدود بين الفنون وتنهل من الشعر والمسرح والفلسفة من أدونيس ومحمد بنيس إلى ستيتية، لا نرى أي أثر مباشر للتجربة الشخصية في شعرهم.

لستُ شاعراً يحكي قصصاً. أسعى إلى اللغة المطلقة وأسأل نفسي أسئلة الحياة والموت والحب وهي الأسئلة الجوهرية في رأيي.

■ تقول «الكون يُقبض عليه بالكلمة». إيلوار تحدث عن «تلك الكلمات الغامضة، التي تبقى مغلقة بسرية»، هل هناك كلمات لا تزال مغلقة ومستعصية عليك؟

لا أبداً. أعتقد أنني أعتبر اليوم أكبر شاعر في العالم، ليس في اللغة الفرنسية بل في العالم.

أنحاز لما وصفني به أدونيس بأنني «شاعر عربي يكتب باللغة الفرنسية»

■ ثمة قصيدة ترجمها عيسى مخلوف لمجلة «مواقف»، عنوانها «نعاس الثلج»، تأمل معي هذه المفردات: المشتعل/ الشعلة/ تلتهب/ يخمد/ ملتهب/رماد/ نور/ توهج.. كل هذه الإحالات إلى النار في قصيدة عن الثلج؟

«في موقع ما من الاشتعال» عنوان كتاب ضم أعمالي الكاملة، صدر في مجلد واحد عن منشورات «روبير لافون» وتحمل مقدمته توقيع الباحث والأكاديمي بيار برونيل. يقسم الكتاب إلى قسمين: الأوّل مخصص للأعمال الشعرية ويتضمن المجموعات التالية «الماء البارد المحروس»، «تعاكُس الشجرة والصمت»، «الكائن الدمية»، «الجهة الأخرى المشتعلة الأكثر صفاء». أما القسم المخصص للبحث، فيحتوي على كتب مثل «حملة النار»، «أور في الشعر»، «مالارميه باستثناء الأزرق»، «الخمر الصوفي»، «السفر إلى حلب» وغيرها من نصوص وأبحاث.. لطالما اعتبرتُ النار عنصراً أساسياً للحركة الداخلية للإنسان والدينامية التي تحكمه. مادة الكون الأولى هي النار التي سمحت بتشكل الوجود وحين انطفأت أصبحت أضواءً ونجوماً .. النار أصل المادة.

■ ثقة الإنسان بقدرة الشعر على مقاومة الزمن، كانت دائماً أكبر من ثقته بالصروح الهائلة التي بناها من الصخور والأحجار. المصريون القدماء الذين شيدوا الأهرام لتكون حصونهم الشامخة التي تحفظ لهم البقاء وتشكل معراجهم نحو الخلود لم يأنسوا تماماً إلى مناعتها، فعملوا على ترصيع جدرانها بالأناشيد والأشعار التي تمثل السلاح الأمضى في معركة البقاء. متون الأهرامات هي هاجس الإفلات من قبضة الزمن نستطيع أن نقرأ مثلاً «إن مدى حياة الملوك هو الأبدية وحدوده هي الخلود». وإذا تركنا مصر الفرعونية وذهبنا إلى نينوى، نجد جلجامش يهيم باحثاً عن نبتة تبطل مفعول الزمن. وإن التفتنا إلى التراث الشعري العربي نجد أن المطلع الطللي الذي لا تستوي القصيدة من دونه ليس سوى تعبير عن عمق الاحساس بالزمن، وتوقه إلى احتواء حركته.. الرسم أو الطلل تجلّ مادي لحركة الزمن، علامة محسوسة على تفتت الوجود، لكن الشاعر يرفضه ويقاومه عن طريق الشعر، هل الشعر هو دائماً هذه الرغبة في التجدد والبقاء؟

الشعر هو وسيلة لجعل الوقت يطفو، إنه وقت الوقت نحن في الوقت لكننا نخترقه، نتجاوزه كأنما نصعد إلى قمة جبل ونراقب الزمن وهو يمرّ.

هناك مسحة برجوازية في الأدب اللبناني الفرنكوفوني وكأنه أدب صالونات باريسية من زمن مضى، أليس الجو البرجوازي الذي يعيش فيه الكتاب الفرنكوفونيون مضجراً؟ هناك دائماً المواضيع العميقة أو الإشكالية (الإسلام، المرأة الشرقية…) لملاعبة دور النشر الكبرى. الفرنكوفونيون المغاربة أو الجزائريون بشكل خاص أكثر حرارة من اللبنانيين، يعني إسكندر نجار الكاتب الغزير والروائي الذي يكتب عن أساطير لبنان من جبران لوادي قاديشا مثال عن الفرنكوفونية المارونية، ولكن الجانب الشعبي ضامر، يصعب أن تصادف كاتباً مثل كاتب ياسين.

فرنكوفونية اللبنانيين بدأت في العصور القديمة مع رحلة مارك أنطوان للقاء كليوباترا، لا تزال هناك آثار تدل على عبوره من لبنان. كونتية طرابلس وهي آخر إمارة صليبية تأسست في بلاد الشام، تقع في شمال لبنان ولا ننسى بارونية بيروت أيضاً. ومع بدء الحملة الصليبية التاسعة ومجيء سان لوي، رسّخ الفرنسيون وجودهم. جان دو جوانفيل المؤرخ الفرنسي كتب هذا في مذكراته. ومن ثم في القرن التاسع عشر مع بدء الانتداب الفرنسي، فتحت العديد من المؤسسات أبوابها. كثيرون حاولوا الكتابة بالفرنسية، لكن فعلياً ثلاثة فقط استطاعوا ذلك: جورج شحادة وفؤاد غابرييل نفاح الذي اكتشفته ونشرت أول ديوان له على نفقتي الخاصة في «ميركور دو فرانس»، وصلاح ستيتية. آه ولا ننسى أمين معلوف الذي تنازلتُ له عن مكاني في الأكاديمية الفرنسية. إذن ولد الأدب اللبناني باللغة الفرنسية بعيداً عن كل ضغط، نتيجة لحب، حب اللغة الفرنسية تحديداً. بخلاف بلدان المغرب العربي التي كان استخدام الفرنسية فيها مفروضاً بحكم قوة الأشياء، مع حرب الجزائر وما حدث في بنزت في تونس ونضالات الحركة الوطنية المغربية المطالبة بتحقيق الاستقلال التي دفعت سلطات الحماية لنفي السلطان محمد الخامس إلى مدغشقر. كتاب مثل الطاهر بن جلون وطاهر البكري وعبد الوهاب المؤدب وكاتب ياسين ومحمد ديب يستخدمون الفرنسية، لكنها فرنسية نمطية، بينما الفرنسية عندنا هالة تحيط عروبة لبنان.

كلمات

العدد ٣٣١٦ السبت ٤ تشرين الثاني ٢٠١٧

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جان دوست: لم أستطع حل عقدة الحدود القاتلة

    ريم غنايم واضحًا وموجعًا كمذبحة، يلجُ جان دوست، الروائيّ والمترجم الكرديّ السّوريّ المقيم ...