الرئيسية / صفحات سورية / صوتٌ وصمتٌ بين الوهم والواقع…

صوتٌ وصمتٌ بين الوهم والواقع…

 


فاضل الخطيب

يحلو للبعض -وربما عن براءة- أن يصور توقعاته للشرق الأوسط بعد اكتمال التغيير والمستمر بلا توقف، يحلو لهم تصور أن الفوضى والتقاتل الطائفي والقومي والحروب الداخلية وشريعة الغاب هي المستقبل، وأمثلتهم العراق والصومال، ويتجاهل هذا البعض أن سبب كوارث العراق والصومال هو أنظمة المنطقة التي لم يبدأ أو لم ينتهي التغيير فيها. ورأي آخر يعتقد أن تورا بورا ستصبح قبلة المنطقة ورمزها، أي أننا سنرجع ونرجّع التاريخ والزمن، ولا هذا ولا ذاك التصوّر يملك حججاً وعوامل قيامه أو نجاحه أبداً. ولا أعرف لماذا ذلك البعض لا يُحاول التفكير أن مستقبل المنطقة بوجود الديمقراطية ودولة القانون والمواطنة سيكون نهضة اقتصادية وثقافية قلّما وُجد مثلها في العالم، وعوامل نجاحها موجودة أكثر من عوامل نجاح أي منطقة متطورة في العالم –ثروة نفطية، أموال، ثروات باطنية، أرض وطبيعة معتدلة وغنية، تجربة تاريخية ومنذ قرون عديدة –باستثناء حالات نادرة- للتعايش بين المكونات القومية والمذهبية، يد عاملة قابلة للارتقاء بمعارفها والتعلم بسرعة، فرصة لعودة العقول العربية الهاربة وعودة رؤوس الأموال الوطنية التي تعمل في الخارج كما تكون فرصة للقضاء على الإذلال الذي يعيشه أكثر العمال المغتربين في بلاد الاغتراب وعودتهم للوطن لأنه سيكون هناك حاجة ماسة لهم، أسواق واسعة وكبيرة، إمكانيات استثنائية لخلق وتطوير البنى التحتية والخدمات، وهذا بحد ذاته ملايين فرص عمل، وبالتالي سرعة في حركة دوران الأموال…إلخ.

أعتقد أن الشرق الأوسط القادم هو دول “النمور أو الأسود” كما الحال في نمور آسيا، وأن الخطوة الأولى هي الطلاق مع الأنظمة الشمولية والتي لا نظام لها، وهي خليط من مختلف أنواع المافيات، ثمّ إعادة تأهيل الإنسان والمجتمع بشكل عام، إعادة وضعه على سكة القيم الإنسانية ومفاهيم العمل الخلّاق الأخلاقي، كي يمكن إعادة شعوبنا إلى عائلة الشعوب الحرة، وليست فقط التي تحب وتتوق للحرية، والخلاص نهائياً من الشعارات الجوفاء التي لم تجلب إلاّ البلاء والجمود الفكري. الديمقراطية في المنطقة تعطينا احتراماً دولياً، لا يعود الإنسان يخجل من جواز سفره العربي في مطارات العالم، لا تبقى إسرائيل “واحة الديمقراطية” بنظر العالم، والديمقراطية في الدول العربية هي التي ستقضّ مضاجع إسرائيل، ومن هذا المنطلق نرى كم تدافع إسرائيل عن تلك الأنظمة!.

لكن ذلك المستقبل الجميل لن يأتي خلال سنوات قليلة. أعتقد أنه قد نستغرق جيلاً كاملاً حتى نتخلّص من التركة الأخلاقية الثقيلة للتشويه الذي خلقه النظام في تفكير وسلوك الإنسان، وكلما تأخر سقوط النظام/ الأنظمة تلك، كلّما كان الثمن أكثر، لذا عملية التغيير لا تحتمل التأخير..

أريد أن أطرح سؤالاً للذي مازال يقف على الحياد وحتى للذي يميل لدعم النظام بحجة حقن الدم! أقول: لماذا تفخرون الآن بالثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان الأطرش رغم أن ضحاياها في جبل سلطان كان أكثر من نصف ضحايا سوريا بأكملها؟ ورغم أن رجال الدين وقفوا ضده حينها وأصدروا حرمٍ ضد كل الذين يتعاملون مع سلطان ومع الثوّار؟ وهذا ما يُحاول النظام تكراره اليوم من خلال بعض رجال الدين في الجولان المحتل بتجييشهم ضد من يدعو لإسقاط نظام من فرّط بالجولان، ولم يُقدّم إلاّ الوعود منذ صدور بيان الانسحاب المشئوم عام 67 الذي أصدره والد الوريث!.

نظام الممانعة/المقاومة العربي الأول لم يُحرّر ولا متراً مربعاً واحداً من الأرض المحتلة، وبعد فصل الجولان تابع الوريث فصل اسكندرون، وهي أجزاء من الجانب الوطني للعطاءات. ويقول البعض أنه لا بدائل عنه. وأقول أنا، ما الضمانة أن لا تحيد العائلة عن تراثها أباً عن جد وتقوم بتفريط جزء جديد من الوطن لأن عندهم لكل شيء سعرٍ وقابل للمساومة؟ داخلياً وخارجياً، والأمثلة بالعشرات. رحم الله من نظر فاعتبر! “سورية لا تختزلها عائلة الأسد”.

لقد قتل النظام السوري من أبناء شعبنا في انتفاضة الحرية وخلال خمسة أسابيع أكثر مما قتلت إسرائيل خلال نصف قرن. ومازال هناك صامتون ومتخوفون من البديل على أساس التبصير بالفنجان وليس على أساس قراءة تاريخية وحالية للواقع! الأكيد أن القمع والإذلال والإفقار و….إلخ هي مفردات تابعة للنظام. وليس أكيداً ما يتوقعونه عن البديل الأسوأ، وهل هناك أسوأ؟ بل المنطق التحليلي الموضوعي يؤكد عكس ذلك، وهذا التخويف والفزاعة هي خطاب النظام خلال عقود للداخل والخارج. وهل من عاقل يُصدّق كلام النظام وخطابه؟ وهل من عاقل يقرأ المرحلة التاريخية لسورية خلال النضال ضد الاستعمار وبعد الجلاء، حيث كان الشيوعي يجلس مثلاً مع المسلم المؤمن تحت قبة البرلمان؟ لو استمر ذلك التطور لكانت سورية الآن مضرب مثل في تطورها على كافة الأصعدة؟ من أجهض ذلك النهج؟ لماذا لا نكون صريحين في قراءة الماضي والحاضر؟ لماذا نثق بسياسة النظام والذي أثبت مئات المرات فشله وفشل رؤيته التطويرية، ولا نثق بعقلنا والتفكير المنطقي؟ أو لنقول صراحة أن الخوف فقط هو أساس كل تفكير وتحليل، وعندها نفهم الواقع أفضل!..

كان الخوف ولعقود عديدة من الزمن هو المحرّك لردود فعل أكثرية الناس وظهر المجتمع السوري وكأنه استنساخ يتجدد ويُجدد نفسه مع النظام حتى قدوم أطفال درعا وثقبهم بالون الخوف، ثم انطلقوا نحو الحرية يُشيرون إليها وفي طريقهم يُسقِطون تماثيل الصنم وهم يُزغردون “زنكة زنكة دار دار .. إرحل إرحل يا بشار”..

موقف الإنسان السوري وتبريراته حين كان يخاف من الأجهزة الأمنية القمعية لا يمكن أن يظل هو موقفه وتبريره بعد ثقب بالون الخوف وانطلاقة انتفاضة وثورة الحرية..

الظلام دامسٌ ما فيه الكفاية لرؤية الفجر الجبلي. الأعمى في السهل يتلمس قروب الصبح بيديه وعصاه! ويَشلَخ الأفق بأهازيج نراها من هنا تُغلّف سماء الوطن إلاّ الجزء الشاذّ في استثناءاته الجبلية والغريب في روزنامته على بيدر الزوّان. العالم يتغير في كل يومٍ. وفي لحظة ينزل الليل. وعندما ينهض الصبح عند الجيران. لم يعُد العالم كما كان! وأهازيج النصر لن تنفع كثيراً عندما نحاول إسماع صوتنا بعد فوات الأوان. سلطان الأطرش ورفاقه غفر للذين “عادوه” لأنهم أبناء جبله وأهله، لكن هل يغفر دم الأطفال ودموع الأمهات الثكالى للدبيكة والمدافعين عن القتلة في هذه الأسابيع؟.

لن يموت الأمل، ينهض البازلت ويغسل رجليه من الطحالب، تقذف رياح الجبل الأشواك بعيداً، تنقشع سيقان الكروم لعيون بساتين التفاح، ترقص غيوم القمح فوق عتابا وعتاب الصبايا، سيهرب مُبشري الملائكة الساقطة، ويسمو العقل إلهاً يطرد بؤس نشتاكين، تزهر الكلمة ربّاً يُلاحق “سُكَين” وأتباعه في قراءات الحكمة، تقذف الرياح الجبلية كل الهوبرات وزمامير الولاء، وستسقط بقع الغبار عن العمائم المُدجنة، نمسح ببيارق العز ذلّ الولاء الكاذب عن جبين الجبل، وستسقط تماثيل الأصنام المحروسة بالبنادق، وستنهض تماثيل الكبرياء تحرسها دموع الأمهات الثكلى، تعود صيحات بنات معركة المزرعة تتردد أهازيج في الآذان، يعود جبل حوران بلد الريّان، يرجع الجبل بلد سوريا الشعب وسيعطي طلقة الرحمة على الطغيان..

من يتأخر اليوم عن قول وفعل ما يجب، قد يكون متأخراً جداً في الغد…

 

فاضل الخطيب، 21/4/2011.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...