الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سلامة كيلة / ضد الليبرالية في سورية

ضد الليبرالية في سورية

 


سلامة كيلة

أنشر هنا مقالات كتبتها منذ أن توسع الميل الليبرالي في سورية أواسط العقد الماضي. وأنشرها لأنني أرى بأن الانتفاضة التي بدأت منذ 15 آذار الماضي كانت نتاج هذا التحوّل الذي أفضى إلى “تنميط” الاقتصاد بما يشابه كل البلدان الرأسمالية التابعة من حيث سيطرة النمط الريعي الذي يتمحور حول الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد، ودمار الصناعة والزراعة، وتمويت “القطاع العام”. ومن ثم تمركز الثروة بيد قلة من دائرة السلطة بعد عملية نهب طويلة، وإفقار شديد لقطاعات اجتماعية واسعة.

(1)

التبشير بالخصخصة

يبدو خطاب الخصخصة (أي خصخصة الاقتصاد عبر إلغاء «القطاع العام» وإنهاء دور الدولة الاقتصادي/ الاجتماعي) كخطاب تجديد وتحديث وتغيير، وكميلٍ ضروري لتجاوز المشكلات الراهنة. وهو كذلك لدى قطاعات في السلطة، وقطاعات في المعارضة، التي يبدو أنها تسير نحو التوافق في «رؤية المستقبل»، بغض النظر عن مبررات كل طرف، والخلفيات التي ينطلق منها.

ولهذا يبدو السير نحو إلغاء «القطاع العام»، والتخلّي عن دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي و«التحديثي»، وبالتالي التخلّي عن حق العمل والتعليم المجاني والضمان الاجتماعي، يبدو كمسار تحديثي وحداثي، يتوافق مع حاجات المجتمع، ويلبي الرغبة في إنهاء احتكار السلطة، ومن ثم إشراك المجتمع في الحياة السياسية، وبالأخص تحقيق الانفراج والتكيف مع متطلباته.بمعنى أن الخصخصة هنا تبدو كضرورة تقدمية.

كما تبدو التجارب العالمية في هذا المجال نافلة، وخارج الحاجة للتأميل والتفكير، أو حتى الإشارة إلى وجودها وليس الإفادة منها فقط. هذه الإفادة التي تبدو غير ذات معنى، حيث نبدو وكأننا نبدأ تجربة جديدة لم تمارس من قبل، أو أن لنا خصوصيتنا الخاصة جداً، الأمر الذي يجعل تطبيقنا لشروط صندوق النقد الدولي، (وهي الشروط التي طبقت في أمم عديدة وقادت إلى انهيارات مريعة في الاقتصاد، وإلى إفقار شامل، وأزمات عميقة)، ولسياسات العولمة الليبرالية أو لأية سياسة مشابهة، تطبيق مختلف النتائج عن كل الدول الأخرى، حيث ربما لن يحدث إفقار شعبي واسع، ولن نغرق في بطالة ضخمة، ولن يتوقف التطور الاقتصادي، على العكس، سيزداد الاستثمار الحقيقي في قوى الإنتاج، وفي البنية التحتية، وسوف تتراجع البطالة، ويتحسّن الوضع المعاشي.

إذن، ستكون الخصخصة صيرورة (تطور حقيقي) عكس كل التجارب. لكن المسألة أكثر تعقيداً من هذه السذاجة، حيث أن دور الدولة الاقتصادي (الاستثماري والحمائي) نتج عن الإشكالية التي فرضها تحوّل النمط الرأسمالي إلى نمط عالمي ( و هي السمة المستمرة) حيث تحول الرأسمال الخاص في الأطراف إلى النشاط المربح في القطاعات المكملة للرأسمالية في المراكز (أي في التجارة/ الخدمات/ المال) الأمر الذي أبقى الاقتصاد المحلي دون قوى منتجة حقيقية، قاد إلى انتشار التهميش والفقر والبطالة. الدولة هي التي أعادت تنظيم الزراعة عن طريق الإصلاح الزراعي، وبناء الصناعة وتوفير كل الضمانات الأخرى.و لقد فُرض عليها هذا الدور ليس لميل إرادوي فظ، كما يشاع، بل نتيجة الحاجة الموضوعية. فقد كان تجاوز التخلف والتطور يفرضان ذلك. هذه مسألة من الضروري أن تظل واضحة لأن العولمة أعادت إنتاج ذات الآليات التي تهمّش الأطراف وتدفع الرأسمال المحلي إلى النزوح إلى المراكز. وبالتالي فإن دور الدولة هو مدخل التطور والحداثة، عبر كسر حلقة التبعية وتوفير الظرف لنشوء قوى منتجة تطور الاقتصاد وتراكم الرأسمال وكذلك تستوعب العمالة.

والمشكلة التي حدثت هي أن توقف تطور القطاع العام نتج عن النهب الذي تعرّض له، وسوء التخطيط الذي أعاق نموه. ومنع ترابط النمو الاقتصادي بالتطور التعليمي (والعلمي)، وبالرقابة الشعبية. الأمر الذي أدخل كل مؤسسات الدولة الإنتاجية والخدمية في أزمة، وأظهره كعبء يجب التخلص منه، لتصبح الخصخصة حلاً منطقياً من أجل حرمان الفئات النهّابة من مصدر نهبها، ولتحريك عجلة القطاع الخاص. لكن هذا الطريق يفضي إلى أن تصبح الفئات التي نهبت وراكمت الرأسمال هي التي تتحكم بالقطاع الخاص، لأنها ستتحوّل إلى رأسمالية خاصة مسيطرة (ربما عبر التحالف مع الرأسمالية القديمة)، ومترابطة مع الرأسمال العالمي، وبالتالي مخضعة السوق المحلي لهيمنة المراكز الإمبريالية. لتعود المشكلات التي جرى تجاوزها عبر دور الدولة الاقتصادي للظهور والسيادة (تدمير القوى المنتجة، التهميش، الإفقار، والبطالة).

ولا شك أن هناك في السلطة فئات لا زالت (تدافع) عن دور (القطاع العام)، لأسباب متعددة منها استسهالها النهب، أو شعورها أنها لم تثري كفاية، أو لكونها أصبحت عادة (وربما يقع ضمن ذلك البيروقراطية تحديداً). أو بالأساس لكون الفئات التي نهبت لم تستطع ترتيب علاقتها الهيمنية مع الرأسمالية القديمة (البرجوازية التجارية التقليدية)، ولم تستطع الالتحاق بالرأسمالية الإمبريالية. لكن كل ذلك لا يعني الترحيب بالخصخصة، ودعم اقتصاد السوق، لأنه كما أشرنا سوف يكرّس المافيات سلطة اقتصادية من جهة، وسوف تدمّر القوى المنتجة (الهشّة والتي تعاني من مشكلات عديدة)، ويعمّق البطالة والفقر والتهميش، الأمر الذي يعني تضرّر كبير لفئات واسعة من المجتمع (العمال والموظفون، وقطاعات من الفلاحين). إضافة إلى أن هذه الفئات سوف تحرم من الضمان الاجتماعي ومن حق التعليم (كما بدأ يجري)، ومن تعمّق الهوّة بين الأجور والأسعار (التي تصبح عالمية).

ربما تخسر بعض الفئات السلطوية من الخصخصة، لكن الأكثر خطورة هو أن المجتمع كله سوف يعاني، كما أن عجلة التطور (المتوقفة منذ عقدين تقريباً) سوف تنعكس إلى انحدار هائل نتيجة نهب «القطاع العام» عبر عملية الخصخصة لمصلحة المافيات ذاتها، ونتيجة انكشاف الاقتصاد المحلي على المنافسة العالمية، وبالتالي انهيار القطاع الصناعي المهمّش أصلاً، والقطاع الزراعي الأساسي لطبقة كبيرة من الفلاحين، ومن ثم تعمّق الاختلال في الميزان التجاري.

لكن لا بدّ من التوكيد هنا إلى الحاجة إلى النقد العميق لوضع «القطاع العام»، الذي ظل لعقود «بقرة حلوب»، لكنه ظل مصدر رزق مئات آلاف العائلات ومجال رعايتها. بمعنى أن المشكلة ليست في أن يبقى أو يخصخص، بل في الصيغة التي تجعله يتجاوز آليات النهب التي تعرّض لها، وليعاد بناءه على أسس تمنع ذلك وتسهم في تطوير قدراته عبر التأكيد على الكفاءة والتخطيط العلمي، والرقابة الحقيقية.

وهذا يفترض أولاً التأكيد على إعادة صياغة آليات السيطرة التي تتبعها الفئات الحاكمة، بما يفرض إعادة بناء الدولة على أساس ديمقراطي في المستوى السياسي، وعلى أساس تحقيق الرقابة المجتمعية عبر النقابات العمالية والفلاحية والمهنية، وهيئات المجتمع المدني، حيث أن الاستبداد السياسي المؤسس لدولة شمولية، كان المدخل لتفشي كل آليات النهب، وقصور الإدارة ونبذ الخبرات، وسوء التخطيط، وهو الذي أوصل «القطاع العام» إلى المأزق الذي يغرق فيه.

الخصخصة ليست حلاً، بل هي طريق انحدار. كما أن استمرار وضع «القطاع العام» راهناً ليس ممكناً، ولا هو مطلب، ولا يمكن الدفاع عنه. الطريق تتمثل في السعي لدمقرطة المجتمع، حيث عبرها يمكن معالجة مشكلات «القطاع العام»، ويمكن لدور الدولة الاقتصادي أن يحقق نهوضاً مجتمعياً شاملاً.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...