الرئيسية / صفحات سورية / ضوءٌ على الساحة السياسية الكردية في سوريا

ضوءٌ على الساحة السياسية الكردية في سوريا


امين يونس

شاركَ الكُردُ في سوريا بِفعالية ، في جميع النشاطات الوطنية المناوئة للإستعمار الفرنسي ، منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة بعد الحرب العالمية الاولى .. فهُم ليسوا بحاجة الى تزكية مِن أحد ، بِصدَد وطنيتهم .. ، ويكفي امثلة على ذلك … ” يوسف العظمة ” ، ” إبراهيم هنانو ” ، ” حسني الزعيم ” … الخ .

محطات :

– في 14/6/1957 ، تكللتْ الجهود بتوحيد الجمعيتَيْن الكرديتَيْن ( خويبون ) و ( سرخوبون ) ، وإنعقدَ المؤتمر التأسيسي ، الذي نتجَ عنهُ إعلان ” الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا ” .

– في 5/10/1962 ، جرى الإحصاء السكاني المشؤوم في محافظة الحَسَكة ، والذي حّرَمَ أكثر من خمسة وثمانين ألف مواطن كردي من حَق الجنسية السورية والإنتماء الى وطنه ، الذي وُلِدَ فيه أباً عن جد . من الطبيعي وبعد مرور نصف قرن ، فأن عدد المحرومين من هذا الحق اليوم ، أصبحَ يتجاوز الأربعمئة ألف مواطن كردي . ” وحتى المرسوم الذي أصدره بشار الأسد مؤخراً بتجنيس الكرد ، فأنه ناقص ومبتسر ، وهو لم يُنفذ حتى اليوم .. وهو بالأساس يشمل أقل من نصف عدد الكرد المحرومين من الجنسية ” .

– في 11/12/ 1962 ، قامَ رئيس الشعبة السياسية في أمن الحسكة ، الملازم أول ( محمد طلب هلال ) .. بنشر كُراس يبين فيه الخطوات التي يجب إتباعها ، للتعامل مع الملف الكردي في الجزيرة السورية . هذا الكُراس الذي وضعهُ ضابط أمن فاشي صغير ، أصبحَ قُرآناً يهتدي بهديه البعثيون في السنوات اللاحقة ، وأبدعوا وتفننوا في تطبيقه على الأرض … من تهجيرٍ قسري ، وإعتقالات كيفية وتعذيب وإهانات ، وتشريد ، ومنع التكلم باللغة الكردية ، وتحريم إطلاق أسماء كردية على المواليد ، والإستيلاء على الأراضي وتوزيعها على العرب البدو والشوايا ، ودفع الكرد الى الهجرة الى الخارج ، او على الأقل الى الداخل السوري لصهرهم ، ونزع الصفة الدينية عن مشايخهم ….الخ .

– قام النظام البعثي السوري ، وإمعاناً منه في تكريس مفاهيمه العنصرية ، بإصدارهِ المرسوم ( 49 ) سئ الصيت في 10/9/2008، الذي منعَ عمليات ” التمّلُك ” أي شراء او بيع العقارات والاراضي بحق المواطنين الذين يقطنون المنطقة الحدودية .. والمقصود هنا الكُرد بالذات من أهالي الحسكة والجزيرة عموماً ! .

………………………………………

الأحزاب الكردية على الساحة السورية اليوم :

* الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ” البارتي ” ، جناح الدكتور عبدالحكيم بشار .

*الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ” البارتي ” ، جناح نصر الدين ابراهيم .

* الحزب اليساري الكردي في سوريا ، بقيادة محمد موسى محمد .

* حزب اليكيتي الكردي في سوريا ، يقوده الان اسماعيل حمي ” ويتبدل كل اربع سنوات ” .

* حزب آزادي الكردي في سوريا ، بقيادة خير الدين مراد .

* الحزب الديمقراطي الكردي السوري ، بقيادة جمال شيخ باقي .

* حزب المساواة الديمقراطي الكردي في سوريا ، بقيادة عزيز داود .

*الحزب الوطني الديمقراطي الكردي في سوريا ، بقيادة طاهر صفوك .

* حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا ، بقيادة محي الدين شيخ آلي .

* الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا ، بقيادة عبد الحميد درويش .

* حزب الاتحاد الديمقراطي ، بقيادة صالح مسلم . ” هذا الحزب هو في الحقيقة ، واجهة لحزب العمال الكردستاني ، ويمتلك إمكانيات وله جماهيرية على الأرض ” .

* تيار المُستقبل ، بقيادة مشعل تمو . ” الذي كان يقيم في الداخل ، واُختير كأحد الأعضاء المؤسسين للمجلس الوطني السوري في مؤتمر اسطنبول .. لكنه اُغتيلَ قبلَ ايام في القامشلو ” .

علماً ان ( جميع ) هذه الأحزاب أعلاه محظورة في سوريا .

…………………………………….

التأثيرات الأقليمية على كُرد سوريا :

مما لا شك فيه ، ان الحركة التحرُرية الكردستانية في العراق ، وعلى الأخص بعد 1961 ، قد أثَرتْ بصورةٍ مُباشرة على الحراك السياسي الكردي في سوريا ، وان إمتلاك كُرد العراق ل ( رمز ) ومرجعية هو الملا مصطفى البارزاني ، منذ البداية ، يمتلك الكاريزما اللازمة ، المُضاف اليها بعض الأساطير التي رافقتْ مسيرته .. جعلتْ من تأثير الحزب الديمقراطي الكردستاني / العراقي ، حتمياً ومَنطقياً ،على أول حزبٍ كردي في سوريا [ لاسيما وان كُرد سوريا إفتقدوا منذ البداية الى مرجعية خاصة بهم ورمزٍ يتحلقون حوله ] . فإذا عرفنا ، ان الحركة الكردستانية العراقية ، ونتيجة الكثير من العوامل ، عانتْ من الخلل والسلبيات والنواقص ” شأنها في ذلك شأن بقية الاحزاب في العراق عموماً ” … ندرك بأن ( جزءاً ) من الوضع المتردي والتشرذم الذي تعاني منه الاحزاب الكردية في سوريا .. تتحمله الأحزاب الكردية العراقية بصورةٍ غير مُباشرة . فبوادر الإنقسام في الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي في مقتبل الستينيات ، أثَرَ سلباً على الحزب الديمقراطي في سوريا بطريقةٍ او بأخرى .. ولعدم وجود تجارب وخبرات سابقة ، يُعْتَد بها ، بالنسبة الى الحركات التحررية القومية الكردية ، في العصر الحديث ، ولاسيما في الجانب السياسي ” إذ ان الحركات والإنتفاضات التي كانتْ تندلع قبل ذلك ، كانت ذات طابع عشائري وديني على الأغلب ” .. فأن اليَسار عموماً والفكر الماركسي خصوصاً ، قد لعبَ دوراً هاماً في بدايات تشّكُل الاحزاب الكردية في العراق وسوريا وايران ، وتركيا فيما بعد . وبما ان اليسار نفسه في المنطقة والعالم ، قد بدأ يُعاني من إشتداد الأزمات والحصار ، منذ الثمانينيات ، التي أدتْ في النهاية الى إنهيار منظومة الدول الاشتراكية ، والإنحسار الواضح لليَسار .. وأدى ذلك في الحالة السورية .. الى مزيدٍ من الإنقسامات والتشرذم على الساحة السياسية الكردية . من الطبيعي ان هنالك عوامل اُخرى لضُعف وإنقسام الاحزاب الكردية السورية ، في غاية الاهمية : مثل ظهور حزب العمال الكردستاني على الساحة .. والنجاح النسبي لأجهزة الامن السورية ، في تكريس الإنقسامات الكردية … وهذه كُلها عوامل موضوعية .. أما العامل الذاتي ، فيمكن تلخيصه ، بإصابة ” معظم ” القيادات السورية الكردية ، بأمراض الأنانية والتسلط ، والتركيز على إسقاط ” الآخر ” والتخوين ، من أجل الإحتفاظ بالموقع القيادي بأي ثمن ” شأنهم في ذلك شأن معظم قيادات الاحزاب في العراق وتركيا وغيرها ” .. مما جعلهم في كثير من الفترات يهادنون السلطات بل ويتعاونون معها في السِر والعلن ويحاربون بعضهم البعض ، في سبيل تثبيت مواقعهم والحصول على إمتيازات . من الضروري التأكيد على ان هذه الظاهرة ، ليستْ مُقتصرة ، على سوريا فقط ، فهي مرصودة بكُل وضوح على الساحة الكردية العراقية خاصةً ، وبدرجةٍ أقل في ايران وتركيا أيضاً . في حين هنالك قيادات وناشطون كُرد سوريون عديدون ، قد دفعوا حياتهم ثمناً لإخلاصهم وتمسكهم بمبادئهم ، طيلة العقود الماضية ، ولازالتْ الساحة تعج بالكثيرين منهم .

……………………………..

حزب العمال الكردستاني ودوره في سوريا :

حتى الذين لايتفقون مع نهج حزب العمال الكردستاني ، وحتى الذين لايتوافقون مع طريقة واسلوب قيادة ” عبدالله اوجلان ” .. فأنهم لايستطيعون ان ينكروا ، الدور الكبير الذي لعبه الحزب في إنهاض الكرد في تركيا ، ونجاحه في تخطي ” الحدود المُصطنعة ” بين أجزاء كردستان ، وتأثيره الفعلي على الأوضاع ، ليس في تركيا فقط ، بل في العراق وايران وسوريا ايضاً ” بِغَض النظر عن كون هذا التاثير سلبياً او إيجابياً ” . قبل أكثر من خمسين سنة ، كان الكُرد في تركيا وسوريا وايران ، ناهيك عن العراق … مُتفقينَ ضمناً ، على ” زعامة ” الملا مصطفى البارزاني ، وكونه ” رمزاً ” لجميع الكُرد . وبعد إنتهاء تلك المرحلة في نهاية السبعينيات ، ظهرتْ زعامات ” محلية ” مثل مسعود البارزاني وجلال الطالباني وعبدالرحمن قاسملو وعبدالله اوجلان وغيرهم .. غير انهم لم يستطيعوا الحصول على ” إجماع ” شعبي من كافة الأطراف أو إعتبارهم ” رمزاً ” مُتفَقاً عليه ، نتيجة منافساتهم وصراعاتهم مع بعضهم البعض وإفتقارهم الى الكاريزما الكافية .

على اية حال كان ظهور حزب العمال الكردستاني ، قفزة كُبرى بالنسبة للمناطق الكردية في تركيا ، ونقلة نوعية مهمة على طريق نَيل الحقوق المشروعة .. ولكن ما أن لجاتْ عناصر الحزب الفتي ، الى حَمل السلاح والبدء في النضال المسلح ، حتى تكالبتْ السلطات التركية بِكل عنف وعنصرية لمحاربتها بجميع الوسائل ، بحيث إضطرتْ قيادة الحزب المتمثلة بعبدالله اوجلان ، الى الخروج من تركيا واللجوء الى سوريا في منتصف الثمانينيات ، حيث لم يكن يمتلك خيارات كثيرة ، وكانتْ سوريا لإعتبارات عديدة ، هي المكان الأمثل جغرافياً وسياسياً .. وبالمُقابل ولإدراك الحكومة السورية لأهمية هذه [ الورقة ] بالنسبة للعلاقات التركية السورية المتأزمة منذ عقود … فلقد رحبتْ بهِ ، ووفرتْ له السُبُل لتدريب عناصره وتزويدهم بما يحتاجونه من دعم مادي واسلحة ، وفتحَت له مقرات .. بل ان المخابرات السورية ، لم تكتفِ بذلك ، بل شّجعتْهُ وسمحتْ له ، بتجنيد شباب الكرد السوريين في تشكيلاته المسلحة ، وتدريبهم من اجل مُقارعة الحكومة التركية ، او غيرها حسب الحاجة والظروف ! ،. وهذه هي المُفارقة ، حيث ان الحكومات السورية المُتعاقبة ، دأبتْ منذ بداية الستينيات ، على الصهر المتعمد للكُرد في القومية العربية ، وإنكار وجود الشعب الكردي في سوريا ، ومحاربتهم وقمعهم والاستيلاء على اراضيهم وترحيلهم ، وعدم الإعتراف بحقوقهم المشروعة ، وإعتبار الجزء الأكبر منهم ، لاجئين من تركيا وعدم إعتبارهم مواطنين كاملي الأهلية … ثم شجعتهم على الإنضواء تحت راية حزب العمال الكردستاني ! . من نافلة القول ، ان [ الملف ] الكردي عموماً ، هو من إختصاص الجهات المخابراتية ، ولاسيما ملف حزب العمال ( يجب التذكير ان الغالبية العظمى ، من قيادات أحزاب المعارضة العراقية حينها ، الكردية والعربية ، كانتْ في سوريا لسنوات طويلة ، وخاضعة أيضاً لإدارة نفس الجهات المخابراتية ) .. ومن حَق أي دولة ، ان تستغل جميع الإمكانيات المُتاحة ، وتستخدم كافة ” الاوراق ” التي تحت يدها … من اجل مصالحها الوطنية .. وهذه من أكبر ( الأثمان ) التي دفعتها الأحزاب الكردية في السابق ، وتدفعها اليوم أيضاً ورُبما الى سنواتٍ قادمة .. في مُقابل ” الإستضافة ” او ” اللجوء ” ! . فكما ان شاه ايران لَعبَ بِكل خِسة بالورقة الكردية في 1975 ، وباعَ الثورة الكردية من أجل إستحصال مكاسب من العراق [ نحنُ نُسميها ” خِسة ” ] ، لكن الحكومات الايرانية المتعاقبة ، الشاهنشاهية والاسلامية ، تُسّمي ذلك : سياسة ، وشطارة ، ومصالح عُليا ! . وكذلك جعلَ النظام الاسلامي الايراني ، إستضافة اللاجئين الكرد العراقيين ، عندها .. مدخلاً لدفعهم لمُحاربة كُرد ايران في بعض الفترات في بداية الثمانينيات . حتى النظام العراقي ، شارك بهذه اللعبة الوسخة ، ففتح مقرات ومخيمات ، لعناصر حزب العمال الكردستاني داخل الاراضي العراقية ، ولم تكن غاياته الحقيقية والرئيسية ، هي مُجابهة تركيا ، بِقَدَر تشجيع ودفع حزب العمال ، لمنافسة أحزاب المعارضة المسلحة الكردية العراقية … وبالرجوع الى الساحة السورية ، فأن العلاقات بين النظام السوري وحزب العمال الكردستاني ، كانتْ على أحسن مايرام ، كجزء من اللعبة الكبيرة المُسماة ، الحرب الباردة ، والتي بردتْ وإنتهى مفعولها في نهاية الثمانيات ، بزوال الإتحاد السوفييتي ، وبروز الولايات المتحدة كقطب اوحد . كان من تداعيات هذه المرحلة الجديدة .. خلط الأوراق خلطاً شديداً ، وتغير المُعادلات وإختلال التوازنات في المنطقة .. بحيث ان ما أعقبَ حرب تحرير الكويت ، وظهور ” المنطقة الكردية المَحْمِية دولياً ” في شمال العراق ، والتي سُرعان ما حصلتْ على شُبه تأييدٍ أمريكي ودولي ، بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة المحلية في 1992وإعلانها إقليماً بإسم اقليم كردستان العراق .. إلا ان هذه الخطوات ، لم تكن موضع ترحيبٍ ، ليسَ من النظام العراقي ، فحسب ، بل ان تركيا وايران وسوريا ، ايضاً توجستْ من الأمر ، وأعتبرتْه خطراً على اوضاعها الداخلية .. ولم تُضّيع الدول الأربعة وقتاً في مُحاربة الأقليم الذي يُشكِل تهديداً لإستقرار المناطق الكردية في بلدانها ! . فالنظام العراقي ، الخارج من هزيمة مُنكرة في حرب الخليج الثانية ، سحب الإدارات وأخضع المنطقة الى حصارٍ قاسٍ .. وبدأتْ كُل من تركيا وايران ، بالضغط على القيادات في الاقليم الوليد ، والمُساومة وفَرض شروط قاسية ، مُقابل فك الحصار وتسهيل التجارة .. اما النظام السوري ، فكان من ضمن ما إستخدمه بخبث .. ورقة حزب العمال الكردستاني .. إذ أقنع قيادة حزب العمال ” التي يعرف النظام السوري بِدِقة ، خبايا قائدها اوجلان ، ونقاط الضعف والقوة لديه ” .. أقنعهم بان الوقت مُناسب ، للإنتقال الى كردستان العراق ، وجعلها قاعدة للإنطلاق الى كردستان تركيا ! . وفعلاً إنساقَ حزب العمال الى هذه المؤامرة الدنيئة ، وحدثتْ معارك طاحنة بين ، مُسلحي حزب العمال الكردستاني ، ومُسلحي الحِزبَين الديمقراطي والايكيتي .. نتجَ عنها سقوط آلاف الضحايا من القتلى والجرحى والمعوقين ، من الطرفين ، وكان العديد من مُسلحي العمال الكردستاني ، من كُرد سوريا . ومن النتائج الثانوية الخطيرة لهذه الحرب العبثية ، هو إضطرار حِزْبَي السلطة في الأقليم بعد شعورها بالخطر المتفاقم ، الإستعانة بِألَد أعداء الكُرد .. أي بالقوات التركية ، من اجل لجم مسلحي حزب العمال الكردستاني . ان هذا التدخُل الفظ مِنْ قِبَل حزب العمال في اقليم كردستان العراق ، بحجة الحَق في التواجد أينما كان ضمن حدود كردستان الكبرى كما يقولون ، كان خطأ فادحاً ، وخسارة لكل الأطراف الكردية .. ونجاحاً للمخابرات السورية والاقليمية !.

إستمرَ الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني ، ولكن التحولات في المنطقة ، وإزدياد الضغوط الدولية على سوريا ، وإتهامها برعاية الإرهاب ، وكذلك بروز تركيا كمُرشحٍ للعب دورٍ اقليمي مهم منذ منتصف التسعينيات ، جعلَ النظام السوري ، يُعيد النظر في حساباته ، ومّهدَ لمرحلة جديدة وإستعدَ للتضحية بعبدالله اوجلان … فكانتْ القصة المعروفة للجميع .. وبداية التطبيع مع تركيا .. ذلك التطبيع الذي كان في مُقدمة شروطه ، ان تكف سوريا عن دعم حزب العمال ولا تسمح لمسلحيه بالتواجد في اراضيها .

ثم كانت حرب الخليج الثالثة ، والإحتلال الامريكي للعراق .. وفي السنة الاخيرة ، بدأتْ مرحلة الربيع العربي الحالية ، والتي وصلتْ أمواجها العاتية الى الضفاف السورية ، بقوة وعنف ، لتدك أبواب السلطة .. السلطة التي ما زالتْ تمتلك أوراقاً قد تكون ضعيفة ، ولكنها وسيلة على كل حال ، لإطالة عمر النظام قدر المُستطاع … من هذه الأوراق التي تعني موضوعنا : حزب العمال الكردستاني مرة ثانية ! . فتنظيماته التي كانتْ مُجّمدة ، موجودة ، وبالنسبة للنظام ، فأن الوقت حان لتنشيطها وتفعيلها .. وهذا ما يحدث اليوم .. فيكفي ان يظهر في الإعلام مجموعة من الكُرد السوريين ، وسط معمعة الإنتفاضة وفوضى الاوضاع ، وهُم يُمارسون أعمالهم بفرح وحيوية ، وهم يمتدحون الحكومة ، ويقولون بان الأمور عال العال ! . ان الحكومة السورية وياللغرابة ، تتحدث اليوم عن الحقوق الكردية المهضومة في تركيا ، وحزب العمال الكردستاني لايؤيد الإنتفاضة السورية ويعتبر المنتفضين ، مدفوعين من جهاتٍ أجنبية مُعادية . رُبما يستفيد حزب العمال الكردستاني ، مرحلياً ، من دعم النظام السوري … لكنه سوف يخسر كثيراً في النهاية ، لوقوفه الى الجانب الخاطئ في زمن الثورات الشعبية !.

” على الرغم انه لايمكن إنكار الجوانب الايجابية ، لتواجد حزب العمال الكردستاني ، داخل سوريا ، حيث ساهمَ بقوة في رفع الوعي الثوري للشباب والشابات ، ولاسيما انه أعطى زخما لمشاركة المرأة في العمل السياسي والتدريب .. وقّدمَ أملاً للجماهير من خلال حماسه النضالي الثوري ، الذي كانت تفتقده الساحة الكردية السورية ! ” .

……………………………

الأحزاب الكردستانية العراقية الرئيسية ، والتي لها نفوذٌ واضح ، على أغلبية الاحزاب الكردية السورية .. رُبما إنسياقاً وراء الحسابات الأقليمية ورضوخاً لها ، فأنها حاولتْ منذ البداية ، إقناع هذه الاحزاب ، بضرورة الوقوف على الحياد وعدم الإنجرار وراء دعوات المشاركة في المظاهرات ضد النظام السوري .. وألمحتْ الى ان النظام سيُلبي المطالب الكردية والدليل على ذلك هو إصدار مرسوم تجنيس الكرد السوريين . وبالفعل فان المنطقة الكردية وبالذات القامشلي والحسكة وغيرها ، كانتْ هادئة نسبياً ، مُقارنةً بالمدن السورية الاخرى المُنتفِضة ضد النظام . ولكن مثلما حدث في 2004 ، حين إنتفضتْ الجماهير الكردية في القامشلي وغيرها من المدن ، فأن الأحداث لم يكن مُخططاً لها من قِبَل الاحزاب الكردية السورية ، في الواقع ، وكالعادة ، فأن ” الجماهير ” ثارتْ بعفوية وسبقتْ الأحزاب ، ثم إضطرتْ الاحزاب اللحاق بالجماهير وحاولتْ تجيير الإنتفاضة لحسابها .. ” مثلما إنتفضَ شعب كردستان العراق في 1991 ضد النظام ، وسبقَ أحزاب المُعارضة ، التي جاءتْ لاحقاً وركبتْ الموجة ! ” . واليوم أيضاً ، فان حركة الشارع الكردي في سوريا ، لاتخضع الى مقاييس مُحّدَدة ، ولا تُصّنَف ضمن لونٍ او إتجاهٍ واحد .. بل أعتقد ان نبض الشباب الكردي في سوريا ، يسيرُ بإتجاهٍ منفصِل الى حدٍ ما ، عن التوجهات الضبابية ، للأحزاب الكثيرة المنتشرة .. وبما ان معظم ” قيادات ” الاحزاب الكردية السورية ، متواجدون في الخارج ، فمن الطبيعي ان يكون تأثيرهم محدوداً في الداخل . وما ان ظهرَتْ ملامح ” واضحة ” لتحركات الناشط السياسي ” مشعل التمو ” المقيم في الداخل ، وإنحيازه العلني الى الجماهير المنتفضة ، ومطالبته بإسقاط النظام بصورةٍ علنية ، وتداول أسمه في أروقة مؤتمر اسطنبول الاخير بإعتباره أحد ابرز قادة المجلس الوطني في الداخل … حتى ” صُفِيَ ” جسدياً ، واُغتيلَ في القامشلو قبلَ أيام . أطراف كثيرة إرتاحتْ من غياب مشعل تمو عن الساحة ، وليسَ غريباً ان يكون من ضمنهم ، أطراف كردية ايضاً !.

خلاصة عامة :

– مُجمل الأحزاب الكردية السورية ، لم تستطع لحد الآن ، الإتفاق على خطة إستراتيجية واضحة المعالم ، لكيفية التعامل مع المستجدات المتسارعة في المنطقة عموماً وسوريا خصوصاً . فالقيادات الموجودة في ” الداخل ” إفتراضاً ، تخشى ان يكون مصيرها ، مثل مصير مشعل تمو ، إذا أعربتْ عن مناوئتها الصريحة للنظام . والقيادات الكثيرة في الخارج ولا سيما في اقليم كردستان العراق وتركيا واوروبا ، منقسمة على نفسها ومنشغلة بالتنافسات الجانبية العقيمة . عموماً وكما يبدو من الوقائع على الأرض ، فأن الرأي القائل بضرورة التأني وعدم الإنخراط في المظاهرات المناوئة للنظام ، بحجة ان ” المعارضة ” الحالية والمتمثلة بأطراف مؤتمر اسطنبول الاخير والمؤتمرات التي قبلها ، لن تكون أحسن من النظام الحالي ، بل ربما تكون أسوأ بالنسبة الى الحقوق الكردية ، وهي اي المعارضة في ” جانبها العربي ” لم تطرح لغاية الآن ما يطمئن المخاوف والهواجس الكردية … ان هذا الرأي ( رغم وجاهته ) ، فانه بدأ ينحسر في الآونة الاخيرة ، لصالح المشاركة الفاعلة لجماهير الكُرد في المظاهرات ، لاسيما بعد إغتيال مشعل تمو .. والإقتناع التدريجي ، للشباب الكرد في سوريا ، ان خلاصهم لايكون إلا بزوال النظام الدكتاتوري ، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي في دمشق ، يُلبي المطالب الكردية المشروعة .

– ليسَ جديداً ، ان يكون الدَور التركي والتدخُل المتصاعد في الشأن السوري ، بمباركة امريكية واسرائيلية .. في غير صالح الكرد عموماً . إذ ان إحتضان الدوائر التركية ، لبعض الشخصيات الكردية السورية في مؤتمرات انطاليا واسطنبول الأول والثاني .. ليسَ من أجل تكحيل عيون الكرد في سوريا بالتأكيد ! .. بل في الحقيقة تسعى تركيا بكل الوسائل ، من أجل وأد أي مساعي جدية لإقامة حكم ذاتي او اقليم كردي في كردستان سوريا .. الذي سيكون ” كما تتصور تركيا ” خطراً على حدودها الجنوبية ! .

– الأحزاب الكردية السورية ، لاتمتلك تجربة ذاتية خاصة بها ، في الكفاح المسلح ضد النظام ” إذ ان الطابع الغالب على الحراك الكردي في سوريا ، هو الطابع السياسي ، بعكس الحال في العراق ، حيث كان إتجاه الكفاح المسلح ، يطغى على المشهد ” .. والعناصر الحاصلين على تدريب جيد من كرد سوريا ، هُم من الملتحقين بحزب العمال الكردستاني عموماً .

– لم يستطع كُرد سوريا ولا الاحزاب الكردية ، لحد الان ، من جعل قضيتهم في مقدمة المعضلة السورية ، ولا حشد التأييد الدولي على نطاق واسع ، وعجزتْ عن فَرض نفسها شريكة أساسية في عملية التغيير الجارية الان … وربما يتحمل حزب العمال الكردستاني ” جزءاً ” من المسؤولية ، فهو لايتوانى في تصوير المشكلة الكردية في سوريا ، وكأنها جزء من المشكلة الكردية في تركيا ، وجعلها مرتبطة بها .. وهذا يُفقدِها الكثير من الدعم الدولي . كذلك ان أحزاب السلطة في اقليم كردستان العراق ، والتي من المُفترَض نظرياً ، ان تدعم بقوة الحراك الجماهيري الكردي في سوريا ، ” لاسيما وان الاقليم إحتضن الآلاف من اللاجئين الكرد السوريين بعد إنتفاضة 2004 ، والعديد من القيادات السورية الكردية .. وما زالوا متواجدين .. ولكن الذي يجري اليوم عموماً ، هو ان سياسة الاقليم في هذه النقطة ، قريبة من سياسة الحكومة الاتحادية في بغداد ، والداعية الى إجراء إصلاحات في سوريا وليس إسقاط النظام ” إنسجاماً مع محور ايران / سوريا ” . وكل مافعله الاقليم ، هو رعاية عقد إجتماعات للأحزاب الكردية السورية في السليمانية .

– ينبغي مُلاحظة ، ان تأثير ” الاسلام السياسي ” ضعيف جداً ، على الاحزاب الكردية السورية ، وعلى المجتمع الكردي السوري بصورةٍ عامة .. وهذه نقطة لها إنعكاسات إيجابية على المرحلة المقبلة .

– كما يبدو ، فان مصير النظام السوري ، مُرتبط بالخطط الكبرى التي إنهمكتْ فيها الولايات المتحدة الامريكية منذ سنوات .. ولها علاقة بمصير النظام الايراني أيضاً ، وبالتوازنات في الشرق الاوسط ، بعد ” ربيع الثورات العربية ” ، وبمدى إمكانية إحتفاظ إسرائيل بموقعها المُميَز عسكرياً واقتصاديا ، في المرحلة المقبلة .. وبِدَور تركيا المتصاعد ، في المعادلات السياسية الجديدة . إذن لا يمكن تبسيط الأمور ، وإصدار أحكام جازمة ، حول ما سيحدث غداً في سوريا .. لكن يُمكن القول ان المنطقة ، عموماً مُقبِلة على مزيد من التغييرات … ينبغي على الاحزاب الكردية السورية ، تحَمل مسؤوليتها ، والإرتقاء بسياساتها ، بحيث تنسجم مع ما يحدث على الارض ، ولا تكتفي بمحاولات اللحاق بالحراك الجماهيري !.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...