طائفيون ضد الطائفية


عدي الزعبي

إحدى إشكاليات الثورة في سوريا, هي مواجهة الطائفية دون الانجرار إلى المنطق الطائفي. هناك اتهامات للثورة بأنها ثورة السنة, و تحديداً, السنة المتشددين. في ردهم على هذه الاتهامات, يشير الثوار إلى أن بعض المعارضين هم من أبناء الأقليات, و إلى حراك ثوري في مناطق الأقليات, كالسويداء و السلمية. هذا الرد, يكرّس الطائفية, بمعنى أنه يعرّف الفرد بانتمائه الطائفي. هكذا نجد أن محاولة نفي تهمة الطائفية عن الثورة, تقودنا إلى إعادة إنتاج المنطق الطائفي.

لننظر بداية إلى الاتهامات للثورة السورية بأنها ثورة طائفية.

أولاً, يتهم النظام الثوار بأنهم سلفيون و سنة متشددون. يرد البعض بالنفي, و يشيرون إلى شخصيات معارضة تنتمي للأقليات الدينية. فنجد الطائفة التي يتنمي إليها المعارض تسبق التعريف به. هكذا نحصل على تعريف بالمعارضين  من قبيل, المعارض المسيحي جورج صبرا, أو المعارض العلوي عارف دليلة, أو المعارضة الدرزية منتهى الأطرش. هذا التعريف بالمعارضين اللذين ينتمون للأقليات بطوائفهم ضروري و مطلوب, لمواجهة الاتهام بأن الثورة سنية سلفية.

ثانياً هناك من يحاول فهم الثورة السورية بالمنطق الطائفي. المنطق الطائفي الذي أشير إليه هو التالي. كل سني مؤيد للثورة, و كل أبناء الأقليات معارضون للثورة.هذا المنطق نراه  في الإعلام الغربي و العربي و من مفكرين عرب و أجانب, يختصرون أبناء المنطقة ككل  بانتماءاتهم الطائفية, التي –برأيهم- تحدد توجهاتهم السياسية. هنا أيضاً نجد أن التعريف بالطائفة التي ينتمي إليها المعارضون من أبناء الأقليات ضروري. هذه الردود تحقق هدفها و هو أن الطائفية المزعومة, بمعنى أن انتماء الفرد الطائفي يحدد بالضرورة توجهه السياسي,  تصدر عن قراءة مُغرِضة و استشراقية. هذه القراءة خاطئة جملة و تفصيلاً.

ثالثاً, على الأرض, يوجد توتر طائفي في سوريا. مواجهة التوتر الطائفي يجب أن تكون مباشرة و واضحة. من غير المقبول التعامي عن التوتر الطائفي و رفض الدخول في حوار صريح حول الطائفية. هنا أيضاً نجد أن التأكيد على وجود معارضين و ثوار ينتمون إلى الأقليات ضروري و مطلوب.

الأسباب الثلاث تجعل  التأكيد بأن الكثير من السنة معارضون للثورة, و أن بعض أبناء الأقليات موالون لثورة, ينفي الاتهامات للثورة بأنها ثورة السنة. مواجهة المنطق الطائفي تصدر من طرف الثوار, اللذين يريدون نفي تهمة التشدد السني و الطائفية عن ثورتهم. ما يجب التأكيد عليه في مواجهة هذه الاتهامات هو أن انقسام السوريين بين ثوار و موالين للنظام لا يوازي توزّع السوريين بين أكثرية سنية و أقليات دينية مختلفة. التأكيد على توزع الطوائف على جانبي الانقسام السياسي يساهم في تخفيف  حدة التوتر الطائفي, و يتيح إمكانية قراءة معمقة للمشكلة الطائفية, دون التغاضي عنها, و دون السقوط في فخها.

 في المقابل, يشير البعض إلى أن تعريف الأفراد بطوائفهم هو بالضبط المنطق الطائفي الذي نريد لثورتنا التبرؤ منه. هكذا يبدو أن من يريد نفي تهمة الطائفية عن الثورة السورية, يجد أنه قد تبنى المنطق الطائفي. بهذا المعنى, الرد على الاتهامات بالطائفية تؤدي إلى تبني منطق طائفي. ما يجعل المنطق الطائفي أكثر حضوراً, هو نداءات و دعوات من طرف الثوار لأبناء الأقليات للمشاركة في الثورة و الدعوة لطمأنة الأقليات. على سبيل المثال, وجّه وليد جنبلاط نداء إلى دروز سوريا للانخراط في الثورة, كما قام البعض بتوجيه نداء للعلويين لغسل أيديهم من مجازر النظام. من  جهة أخرى, يدعو البعض إلى طمأنة الأقليات و ضمان مستقبلهم. مثل هذه الدعوات تتبنى المنطق الطائفي. فتوجيه نداء للأقليات بالانضمام للثورة, و طلب ضمانات من السنة حول مستقبل الأقليات,  يعني أن الطائفة السنية بكافة مكوناتها المختلفة منخرطة في الثورة, و أن الأقليات تدعم النظام. هذا ادّعاء تكذّبه الوقائع التي أشرنا إليها. مثل هذه الدعوات, على الأقل بهذه الطريقة الفجّة, تعني أن  نتحوّل إلى طائفيين ضد الطائفية.

الخروج من المنطق الطائفي يقتضي وضوح القيم التي تحملها الثورة. نعني بالمنطق الطائفي تعريف الأفراد بناءً على انتماءاتهم الدينية و الطائفية, التي تحدد توجهاتهم السياسية بالضرورة. الثورة, كما نراها,  تحمل قيم المواطنة و المساواة بين كافة أبناء الوطن, بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية و الطائفية و العرقية و القومية و المناطقية. من يضمن للأقليات حقوقها هو الوصول إلى المواطنة, و ليس الطائفة السنية. مواجهة المنطق الطائفي تعني النظر إلى السوريين كمواطنين متساوين في الحقوق و الواجبات. هذا هو الضامن الوحيد للأقليات في سوريا المستقبل. كل المحاولات الأخرى و النداءات و المطالبات بضمان حقوق الأقليات منافية لقيم الثورة.

من ناحية أخرى, التأكيد على وجود معارضين من أقليات مختلفة , في المرحلة الراهنة, أمر لا بدّ منه. الأسباب الثلاث التي ذكرناها في البداية تجعل تعريف معارضين بانتمائهم الطائفي ضروري و مطلوب. إن مجرّد تعريف الفرد بطائفته, لا يعني تبني المنطق الطائفي. نجد في سوريا حساسة عالية من أي إشارة للطوائف. هذا أمر غير مبرر و غير مقبول. القبول بسوريا تعددية يقتضي الاعتراف بالطوائف و الأعراق و القوميات الموجودة. هذا الاعتراف نقطة انطلاق نحو فهم الآخرين و العيش معهم. لا يوجد ما يمنع أن نرى التعدد الطائفي و العرقي و الاحتفاء به. سوريا البعث مسؤولة بشكل رئيسي عن حالة الإنكار هذه. في الوقت الذي يجب التنبيه أن معركتنا مع النظام الذي يستخدم الطائفية, يجب أن لا تتحول إلى معركة طائفيين ضد الطائفية, يجب أيضاً التأكيد على أن إعادة الاعتبار لسوريا التعددية , المناقضة لسوريا البعث, تجعل من الروابط الأهلية, أو الهويات الطائفية و العرقية, موضوعاً مفتوحاً للنقاش العام, و واقعاً يجب التعامل معه. فالطائفية , كما نراها, هي استخدام انتماء الأفراد للطوائف في تحديد انتماءاتهم السياسية. و معركتنا هي بشكل أساسي ضد الاستبداد الذي يستخدم المنطق الطائفي في حكمه, و لكنها أيضاً معركة ضد استشراق يقرأ المنطقة بشكل طائفي. يجب علينا مواجهة الاتهامات بالطائفية بالتأكيد على الطابع اللاطائفي للثورة, و هذا يقتضي الإشارة إلى انخراط شرائح من طوائف بعينها في الثورة.  أما الاعتراف بالتعدد الطائفي و العرقي, و تعريف المرء نفسه بكونه علوياً أو سنياً أو مسيحياً, فلا يقتضي , بالضرورة, السقوط في المنطق الطائفي. على العكس, جزء من الطائفية المكبوتة في سوريا هو منع الناس من الجهر بمعتقداتهم. المواطنة, بهذا المعنى, تكفل للأفراد و للطوائف وجودها و حريتها الدينية. المطلوب ضمان الحرية الدينية, للخروج من الطائفية.

الطائفية تجر الطوائف, و العلمانيين , إلى منطقها. الآن في سوريا, نجد الكثير من الطائفيين اللذين يحاربون الطائفية. المنطق الطائفي الذي يتبنونه, هو أن طوائفهم مهددة. بالنسبة للبعض التهديد ليس للطائفة, بل لعائلاتهم و ممتلكاتهم, فقط لأنهم ينتمون لهذه الطائفة. هذا المنطق الطائفي لا سبيل  إلى لخروج منه, إلا بالمواطنة. الحرية الدينية هي المخرج, و ليس تبني المنطق الطائفي نفسه, أو إنكار الطوائف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...