الرئيسية / صفحات الثقافة / طرائف فضائية.. من الثورات العربية

طرائف فضائية.. من الثورات العربية

 


خطيب بدلة

ثمة أناس يمتلكون من الجرأة والجسارة، ما يشيب له شَعْرُ المرحوم عنترة بن شداد العبسي، ولا يخافون في الحق لومة لائم! يأتي في طليعة هؤلاء الشجعان، الصناديد، المناكيد، ذلك المذيعُ الليبي الذي رفع الرشاش في استوديو القناة الفضائية للجماهيرية الليبية الاشتراكية العظمى، تأييداً للأخ القائد الجماهيري الملهم معمر القذافي.. تجلت جرأةُ هذا المذيع في أنه، فجأة، وفي لحظة تاريخية باهرة، وفي لحظة مراجعة سريعة مع الذات، أراد أن يقول كلمة الحق، ويعلن موقف الحق، ضارباً عرض الحائط بما سوف يتعرض له من اعتقال وتنكيل وتعذيب وزج في غياهب السجون، من جماعة القذافي أنفسهم، الذين لم يألفوا هذا النوع من التصرفات الذي يقترب من منطق النفاق.. والعياذ بالله!.

الله محيي الاتفاق

وتجدر الإشارة – على ذكر الفضائية الليبية- الى أنها تبث ثلاثة أنواع من البرامج.

الأول: عبارة عن ندوات يجتمع فيها المفكرون والمنظرون والمحللون الاستراتيجيون مع مذيع أو أكثر، ليس من أجل أن يتحاوروا.. حاشاهم!.. بل ليعرضوا على الإخوة المشاهدين رأيَهم الوحيد، الموحد، الأوحد، اليقيني، القائل بأن تاريخ الشعوب العربية، والعالمية، كلها، لم يشهد ولادة قائد عبقري، تاريخي، فذ، مُلْهَم، من طراز الأخ القائد معمر القذافي، وأن ما تبقى من أيام البشر، إلى يوم القيامة، لا يمكن أن تشهد ولادة قائد مثله.. الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هم أبناؤه.. والسبب في ذلك هو علم الوراثة طبعاً، الذي يقول بانتقال ملامح العبقرية عبر الكروموزومات!

الثاني: طبل، وزمر، ودبكة يقوم بها مواطنون ليبيون ملتفون بالأعلام الخضراء، ويحملون صور الأخ القائد، تنقلُها الفضائية ضمن بث مباشر من الأراضي الليبية التي لم يسيطر عليها الثوارُ بعد، أو تلك التي لم تقصفها طائرات حلف الناتو بعد، يدبكون، وينخُّون إلى الأسفل تعبيراً عن شدة حبهم للأخ القائد القذافي وأولاده. وقد تخيل أحدُ المشاهدين الخبثاء أنه سيأتي يوم، يكون فيه هؤلاء الدبيكة منهمكين في شغلهم الشاغل، وإذا برجل يأتي من أقصى المدينة، ويهمس لرئيس الدبيكة قائلاً له إن الأخ القائد وأولاده قد رزموا أموالهم وهربوا.. ووقتها سيضرب منديل الدبكة بالأرض ويقول: عيب على الأخ القائد.. يتركنا ندبك ويهرب؟!.. ويقول لزملائه: هيا شباب..اهربوا أسوة بالذي تدبكون على شرفه!

الثالث: لقاءات جماهيرية في الشوارع مع أفراد الشعب الليبي الذين لم تتح لهم فرصة الانشقاق عن الأخ القائد بعد، يدلون بآرائهم (الموحدة)، في المؤامرة الاستعمارية، الأمريكية، البريطانية، الفرنسية، الصهيونية، الصليبية، المتوافقة مع القنوات الفضائية العربية العميلة للاستعمار، والصهيونية، والحلف الصليبي، ويحيون الأخ القائد الصامد، ومن أكثر الصور تكراراً صورة صبية تتحدث باللهجة المحلية، وهي تقول: نريدو نحبو الأخ القائد وهم يريدو يمنعونا..

(والله إن أولئك الذين يريدون منعها من حبها للأخ القائد ما معهم حق)!

شجاعة مماثلة

جرعة من الشجاعة التي لا تقل روعة عن جرأة المذيع الليبي حامل الرشاش، تملكت الفنانةَ النجمة سوزان نجم الدين حينما حضرت إلى استوديو البث المباشر في الفضائية السورية يوم خطاب السيد الرئيس بشار الأسد الأول أمام مجلس الشعب (30 آذار/مارس 2011).

فبعد أن عرضت الفضائيةُ مشهداً للفنان صباح عبيد، نقيب الفنانين السوريين السابق الذي ظل الفنانون السوريون يطالبون بإقالته حتى تحقق لهم ذلك، وهو يدبُك أمام مجلس الشعب، ويحمله المتظاهرون على الأكتاف لأجل أن يتمكن من التعييش (بجسارة يُحسدُ عليها هو الآخر!)، التفتت المذيعة إلى سوزان وقال لها: ما رأيك نجمتنا سوزان؟

فقالت، وهي ترسم على وجهها ابتسامة واثقة: قبل أن آتي إلى هنا، وأعلن عن فرحتي، وتأييدي، ثمة من نصحني بألا آتي، ولكنني لم أخفْ! ولم أتردد! وحزمتُ أمري وأتيتُ من دون خوف أو وجل!

يوم لا تسأل والدة عن ولدها

بعد أن صدر قرارُ مجلس الأمن الدولي بتوجيه ضربات جوية لقوات معمر القذافي، المستمر في قتل الشعب الليبي منذ بداية الانتفاضة، أرادت المؤسسةُ الأمنية الإعلامية الليبية (المتحدة) أن توجه ضربة قاصمة للظهر إلى أولئك المنشقين، العملاء، المتواطئين، ناكري الجميل الذين تمردوا على الأخ القائد، رغم عطاءاته المتواصلة للشعب الليبي منذ 1969 وحتى الآن، وذلك بأن تُفقدهم مصداقيتهم أمام الله، والشعب، والعالم… فما كان منها إلا أن ذهبت إلى منزل المعارض الليبي عبد الرحمن شلقم، وتحدثت، بالشفافية الإعلامية المعهودة لدى الإعلام الليبي، مع والدته، المرأة الطاعنة في السن، التي أرادت، بدورها، أن تخلص ذمتها أمام الله، والشعب الليبي، والشعوب العربية، وشعوب العالم، والتاريخ، فقالت إنها لم تكن تتوقع من ولدها عبد الرحمن أن يكون له رأي أصلاً!.. وأما أن يصل به هذا الرأي الخبيث إلى حد معاداة الأخ القائد، والخروج عنه، ومعارضته، فهذا أمر لا يمكن التساهل فيه، ومن ثم فهي تعلن، على الملأ، براءتها من هذا الابن العاق، المارق، وتطلب من الله، جل جلاله، أن يغضب عليه، ويقصف عمره كالعود اليابس.

في اليوم التالي.. ظهر المعارض الليبي عبد الرحمن شلقم على إحدى الفضائيات (العميلة)، وأوضح للناس أن والدته قد توفيت قبل عشر سنوات، وطلب لها الرحمة!

مقومات الوحدة العربية

في اليوم التاسع من نيسان/أبريل 2011، استضاف الإعلامي في قناة (الحرة) محمد اليحيائي في برنامجه (عين على الديمقراطية) السيد عزالدين الأصبحي رئيس مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، وجرى الحديث عن القمع الذي تمارسه كل من السلطات الليبية، والسلطات اليمنية، والسلطات السورية والسلطات البحرينية على شعوبها العزلاء، فقال الأصبحي: يكاد قمع السلطة للشعب أن يكون واحداً من مقومات الوحدة العربية التي علمونا إياها في المدارس، وهي: وحدة اللغة، والأرض، والمصير المشترك.. و(قمع الشعب)!

ومجلس الزجالين..

أبلى مجلس الشعب السوري بلاء حسناً في استقبال السيد رئيس الجمهورية في اليوم الثلاثين من آذار/مارس، إذ استقبله أعضاء المجلس، بعد فاصل الدبكة الذي أجراه صباح عبيد خارج المجلس، بالضحكات والابتسامات والهتافات والشديات، وحينما شرع بإلقاء كلمته، استمروا يقاطعونه بالهتاف والتعييش، وكل دقيقتين يقف أحدهمي ويلقي أبياتاً من الشعر، أو الزجل..

هذا الأمر أثار انتقادات عديدة لأعضاء المجلس، من بينها ما قاله فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، في خطبة الجمعة التالية من أن مجلس الشعب في كل أنحاء العالم وجد لأجل الاختلاف بالرأي، وأن يحترم كل ذي رأي رأيَ الآخر..

وأما قناة (إل بي سي) اللبنانية، فقدمت لنا تمثيلية كوميدية عن مسابقة لأهل المواهب، فتقدم شاب غنى أغنية لم تعجب اللجنة فرسب، وتقدم ثان وألقى زجلية، فقالوا له: ناجح. إذهب إلى مجلس الشعب!

مفاجأة للدكتور الأبرش

كتب أحد الناشطين على الفيسبوك تعليقاً عما جرى في المجلس ما يلي:

كان من حظي السعيد أن تابعت، على شاشة التلفزيون السوري، انتخابَ رئيس مجلس الشعب الحالي الدكتور محمود الأبرش قبل سنوات عدة… وقد كان انتخابه ملحمة في الشفافية والنزاهة فجاء بالإجماع!..

ليست هذه هي القضية…. عندما اعتلى رئيس المجلس المنتخب المنبر كي يلقي كلمة بهذه اللحظة التاريخية السعيدة…بدأ بالقول (لقد فاجأتموني أيها السادة!) ثم أخرج من جيبه ورقة وبدأ بإلقاء كلمته!

نقد على نقد

تعليقاً على مقالتي السابقة في ‘القدس العربي’، وتحت عنوان (خطيب بدلة يدعو لنزع عروبة سورية) كتب دكتور يدعى خلف الطويل كلاماً مضطرباً، لم أتمكن من استيعابه، ختمه بقوله: يأتينا أخينا هذا ليعلك علكاً مصدّياً..

لدي توضيحان صغيران: الأول، كان يجدر بالدكتور خلف أن يكتب (أخونا) بدلاً من (أخينا)، لأن الفاعل مرفوع بالواو.. والثاني: العلك الذي علكتُه أنا لا يمكن أن يكون (مصدياً)، لأنه من النوع الستانلس..

وأخشى أن تكون الدكتوراه الخاصة بالسيد خلف في الأدب العربي!.. وقتها سيكون من الواجب إعادة فحصه، وقد يؤدي الفحص إلى سحب الشهادة منه!

قاص وكاتب من سورية

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...